تعد الانتفاضة الشعبانية التي اندلعت في مارس عام 1991 واحدة من أبرز المحطات الاضطرابية في تاريخ العراق الحديث، حيث تفجرت عقب انكسار الجيش العراقي وانسحابه من الكويت. هذه الهزة العسكرية أدت إلى تآكل هيبة النظام الحاكم وفتحت الباب أمام غضب شعبي تراكم لسنوات بسبب القمع وتدهور الأوضاع المعيشية والحروب المتواصلة.
بدأت الشرارة الأولى للانتفاضة في الثاني من مارس، عندما أطلق جنود عائدون من جبهات القتال النار تعبيراً عن سخطهم من غياب وسائل النقل وتردّي أوضاعهم. سرعان ما تحول هذا الاحتجاج العفوي إلى مواجهة مباشرة مع الأجهزة الأمنية، لتمتد ألسنة الثورة إلى مدن الجنوب العراقي الواحدة تلو الأخرى في مشهد لم يألفه نظام صدام حسين من قبل.
يروي الكاتب الصحفي عبد الهادي البابي، الذي عاصر الأحداث أن العراق كان يرزح تحت قبضة الحزب الواحد والرجل الأوحد الذي اختزل الدولة في شخصه. ويشير البابي إلى أن النظام كان يحكم بالحديد والنار، مما جعل الانفجار الشعبي حتمياً بمجرد ظهور أول بادرة لضعف السلطة المركزية بعد حرب الخليج الثانية.
من جانبه، يصف القيادي محمد الطريفي تلك المرحلة بأنها افتقرت لأدنى معايير الأمن الاجتماعي أو الفردي، حيث كان المواطن يعيش في رعب دائم من المداهمات الليلية. وأكد أن الشعب العراقي كان يبيت على قلق، لا يعرف متى سيُساق إلى مصير مجهول، مما جعل الانتفاضة صرخة جماعية ضد واقع مرير استمر لعقود.
الجندي المنشق عامر شلاش كشف في شهادته عن غياب القناعة لدى الكثير من العسكريين بالقتال تحت راية النظام آنذاك، موضحاً أن الالتحاق بالجيش كان قسرياً بقوة القانون. وأشار شلاش إلى أن معنويات الجنود كانت في الحضيض، وهو ما ساهم في سرعة انضمام قطاعات من العسكريين إلى صفوف المنتفضين في بداية الحراك.
شهدت مدينة النجف تحولاً استراتيجياً في مسار الانتفاضة، حيث أصبحت ثاني محافظة تسقط بيد الثوار بعد البصرة، وشهدت سيطرة كاملة على المرافق الأمنية. واستخدم المنتفضون مآذن العتبات المقدسة كمنصات إعلامية لإذاعة البيانات العسكرية وتوجيه الجماهير، مما أعطى الزخم الشعبي صبغة تنظيمية في مواجهة آلة النظام.
في كربلاء، وضع المنتفضون خطة جريئة للسيطرة على المدينة وإعلان بيان الانتفاضة المستقل من داخل الصحن الحسين الشريف. ومع اختفاء عناصر حزب البعث ورجال الأمن من الشوارع، بدأت الجموع الغاضبة بتحطيم رموز السلطة وصور الرئيس، في تعبير صريح عن كسر حاجز الخوف الذي هيمن على البلاد لسنوات طويلة.
كان العراق تحت إمرة رئيس دكتاتور يُنظر إليه بوصفه المرجع والآمر الأوحد، فيما كان البقية يعملون لديه كعبيد.
رد فعل النظام كان دموياً وسريعاً، حيث أصدر صدام حسين أوامر بتغيير القيادات العسكرية وإسناد المهام لأقاربه والمقربين منه لضمان الولاء المطلق. وعُين علي حسن المجيد وزيراً للداخلية، بينما تولى حسين كامل قيادة العمليات العسكرية التي استهدفت استعادة السيطرة على مدن الجنوب باستخدام القوة المفرطة.
استخدمت قوات النظام صواريخ أرض-أرض والمدفعية الثقيلة لقصف الأحياء السكنية في النجف وكربلاء، مما أدى إلى دمار هائل وسقوط آلاف الضحايا. وتتحدث الشهادات عن قصف عنيف لم يفرق بين الأهداف العسكرية والمدنية، حيث دُمرت عشرات المنازل في ضربات واحدة، مما أجبر الكثيرين على النزوح نحو البادية.
تشير تقارير وشهادات عيان إلى استخدام غازات سامة في بعض المناطق لقمع المقاومة، حيث سُجلت حالات اختناق وإصابات غير تقليدية بين المدنيين. كما اقتحمت سرايا الحرس الجمهوري الصحن الشريف في كربلاء باستخدام الدبابات، وقامت بهدم الأبواب التاريخية في مشهد عكس وحشية الحملة العسكرية لاستعادة السيطرة.
روى شهود عيان فظائع ارتكبتها قوات الأمن خلال عمليات التمشيط، حيث تم فصل الشباب عن عائلاتهم واقتيادهم إلى جهات مجهولة أو إعدامهم ميدانياً. وأنشئت في تلك الفترة مقابر جماعية في مناطق البادية، بينما كان الأهالي يفرون سيراً على الأقدام تحت قصف الطائرات التي كانت تلاحق العزل في الطرقات العامة.
بعد إخماد الانتفاضة، كافأ صدام حسين صهره حسين كامل بوسام 'أم المعارك' تقديراً لدوره في التصدي للمنتفضين في محافظات الجنوب. وتؤكد الشهادات أن ضباطاً رفضوا قصف القباب المقدسة في كربلاء واجهوا الإعدام الفوري، مما يعكس حجم الصرامة والدموية التي أديرت بها العمليات العسكرية آنذاك.
وصف المشاركون في الانتفاضة الحالة التي آلت إليها المدن بعد القمع بأنها كانت تشبه مدن الأشباح، حيث الركام والحرائق والدمار يغطي كل زاوية. ورغم الفشل في إسقاط النظام حينها، إلا أن المشاركين يرون في تلك الأيام نقطة تحول تاريخية كسرت أسطورة النظام الذي لا يقهر وأسست لمراحل سياسية لاحقة.
تظل الانتفاضة الشعبانية جرحاً غائراً في الذاكرة العراقية، وشاهداً على حقبة من الصراع الدامي بين تطلعات شعبية للتغيير وقبضة أمنية لم تتورع عن استخدام أقسى الوسائل. واليوم، تُستعاد هذه الذكريات لتسليط الضوء على حجم التضحيات التي قُدمت، والآثار السياسية والاجتماعية التي لا تزال تلقي بظلالها على العراق المعاصر.




