عربي ودولي

الخميس 05 مارس 2026 3:18 صباحًا - بتوقيت القدس

استنزاف واشنطن في الخليج: كيف تستثمر روسيا والصين 'المأزق الإيراني'؟

تواجه الولايات المتحدة اليوم مأزقاً استراتيجياً متصاعداً مع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة مع إيران، حيث يرى مراقبون أن واشنطن قد تجد نفسها عالقة في حرب استنزاف طويلة الأمد. هذا السيناريو يعيد للأذهان التجربة الروسية في أوكرانيا، حيث تحولت العملية الخاطفة إلى صراع منهك استنزف القدرات العسكرية والاقتصادية لموسكو وأدخل أوروبا في دوامات تضخم وأزمات طاقة حادة.

إن طبيعة الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط تجعل من أي صدام مع طهران جبهة غير تقليدية يصعب ضبط حدودها، إذ تمتد التداعيات تلقائياً لتشمل لبنان والخليج والممرات البحرية الحيوية. وبدلاً من الحسم العسكري السريع، تبرز ملامح صراع يعتمد على الضربات المتبادلة والانتشار الدائم، مما يستهلك الموارد الأمريكية بشكل شهري دون أفق واضح للنهاية.

في ظل هذه المعطيات، تبرز 'الفرصة الذهبية' لكل من روسيا والصين اللتين تراقبان المشهد بدم بارد، حيث تسعيان لتحويل الانخراط الأمريكي إلى عبء استراتيجي يعطل تركيز واشنطن الدولي. ولا يتطلب هذا التدخل وجود جيوش على الأرض، بل يعتمد على ما يمكن تسميته بـ 'التدخل الناعم' الذي يهدف لإبقاء التوتر قائماً دون الوصول إلى مرحلة الانفجار الكامل أو الانطفاء التام.

الدعم السياسي والدبلوماسي يمثل الركيزة الأولى لهذا التدخل، حيث تستخدم موسكو وبكين المنابر الدولية لتقويض الإجماع الغربي ضد طهران وتعطيل القرارات الضاغطة في مجلس الأمن. هذا المسار يمنح النظام الإيراني مساحة للمناورة السياسية ويكسر العزلة الدولية التي تحاول واشنطن فرضها، مما يطيل أمد الصمود الإيراني في وجه الضغوط العسكرية.

على الصعيد الاقتصادي، تعمل القوى الشرقية على توسيع قنوات التجارة والالتفاف على العقوبات الغربية عبر توفير أسواق بديلة للطاقة والتكنولوجيا الإيرانية. الهدف هنا ليس إنقاذ الاقتصاد الإيراني بالكامل، بل منع انهياره المفاجئ الذي قد يفرض حسماً عسكرياً أو سياسياً سريعاً لا يخدم مصالح الاستنزاف الطويل التي تنشدها القوى المنافسة لواشنطن.

التعاون التقني والعسكري غير المباشر يشكل بعداً خطيراً في هذه المعادلة، من خلال نقل تكنولوجيا مزدوجة الاستخدام ودعم منظومات الدفاع الجوي والحرب السيبرانية. كما تلعب خدمات الأقمار الاصطناعية دوراً محورياً في رصد التحركات البحرية والجوية الأمريكية، مما يرفع كلفة المواجهة ويجعل الميدان أكثر تعقيداً أمام المخطط العسكري الأمريكي.

المعركة لا تقتصر على الميدان العسكري فحسب، بل تمتد إلى السردية الدولية عبر الشبكات الرقمية والإعلام لتشكيل خطاب يحمل واشنطن مسؤولية التصعيد العالمي. هذا النوع من الحروب النفسية يهدف إلى إضعاف تماسك الرأي العام الغربي تجاه الانخراط العسكري الطويل، وتحويل الصراع الخارجي إلى عبء سياسي داخلي يضغط على الحكومات الحليفة لواشنطن.

ميدانياً، كشفت مصادر أن حجم الضربات الجوية في الساعات الأولى للمواجهة بلغ ضعف ما تم تنفيذه في يوم 'الصدمة والرعب' بالعراق عام 2003، حيث استهدفت قرابة 2000 هدف إيراني. ورغم هذا الزخم العسكري ومقتل شخصيات قيادية كبرى، إلا أن الرد الإيراني بمئات الصواريخ والمسيّرات أثبت قدرة طهران على إحداث خسائر في القواعد الأمريكية بالمنطقة.

تأثيرات الحرب بدأت تظهر سريعاً على الاقتصاد العالمي، حيث سجلت أسعار النفط ارتفاعاً بنسبة 6% فور اندلاع العمليات، مما يهدد بعودة موجات التضخم العالمي. وفي المقابل، انتعشت أسهم شركات السلاح الأمريكية الكبرى مثل 'لوكهيد مارتن' و'RTX'، مما يعكس التناقض بين المصالح الاقتصادية لقطاع التصنيع العسكري والأعباء التي تتحملها ميزانية الدولة.

الاستنزاف الأمريكي في الشرق الأوسط يمنح موسكو فرصة لتثبيت مواقعها في أوكرانيا بعيداً عن الضغط العسكري الغربي المكثف، كما يتيح لبكين توسيع نفوذها في آسيا وأفريقيا. هذا التشتت الاستراتيجي لواشنطن هو الهدف الأسمى للقوى الصاعدة التي ترى في غرق الولايات المتحدة في 'رمال الخليج' وسيلة لإعادة صياغة النظام العالمي متعدد الأقطاب.

داخلياً في إسرائيل، يسعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لاستغلال هذه اللحظة لتفكيك النظام الإيراني وتمكين المعارضة، مع طموحات لتوسيع التحالفات الإقليمية لتشمل الهند واليونان. ومع ذلك، فإن تجدد التصريحات حول مشروع 'إسرائيل الكبرى' يثير مخاوف الحلفاء الإقليميين ويزيد من تعقيد المشهد السياسي المحيط بالعمليات العسكرية الجارية.

الموقف التركي يضيف طبقة أخرى من التعقيد، حيث تصف بعض الدوائر الإسرائيلية أنقرة بأنها 'إيران الجديدة' رغم عضويتها في الناتو، مما يشير إلى تصدع في جبهة الحلفاء. تركيا التي تمتلك ثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف ومنظومات دفاعية متطورة، تصر على حل الدولتين كخيار استراتيجي، مما يضعها في تضاد مع الطموحات الإسرائيلية التوسعية.

إن مقتل جنود أمريكيين في الكويت وتوقف الملاحة في الخليج تماماً يضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار صعب للقدرة على التحمل والرد دون الانزلاق لحرب شاملة لا نهاية لها. الاستنزاف هنا لا يعني الهزيمة العسكرية المباشرة، بل يعني العجز عن الحسم والدخول في دوامة مكلفة تطال الداخل الأمريكي والحلفاء والاقتصاد العالمي على حد سواء.

في نهاية المطاف، لم يعد السؤال من يملك القوة العسكرية الأكبر، بل من يمتلك القدرة على الصمود في وجه الزمن وتآكل الموارد. وإذا استمرت المواجهة وفق هذا النمط، فقد تجد واشنطن نفسها في المأزق ذاته الذي واجهته موسكو؛ حرب لا تُخسر بالكامل ولكنها لا تُربح أبداً، بينما يجني المنافسون ثمار هذا التآكل البطيء.

دلالات

شارك برأيك

استنزاف واشنطن في الخليج: كيف تستثمر روسيا والصين 'المأزق الإيراني'؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.