يبرز مصطلح 'اليسار الوظيفي' في القراءة السياسية التونسية ليشير إلى تلك القوى التي وضعت رصيدها البشري والرمزي في خدمة منظومة الحكم منذ الاستقلال الصوري. ورغم تبعية هذا التيار للنواة الصلبة للسلطة، إلا أنه لعب دوراً محورياً كخزان أيديولوجي للأنظمة المتعاقبة، بدءاً من عهد بورقيبة وصولاً إلى السرديات السياسية الحالية.
لقد شكلت العائلات الريعية والولاءات الجهوية العمود الفقري للاقتصاد ومراكز القرار في تونس، بينما تحول اليساريون المرتدون عن شعاراتهم الكبرى إلى ديكور حقوقي وسياسي لنظام بن علي. هذا الدور الوظيفي مكن المنظومة من امتلاك أذرع مؤدلجة قادرة على تسويق سياساتها وتبرير قمع الخصوم السياسيين تحت غطاء الحداثة.
بعد أحداث الثورة، نجحت النواة الصلبة للحكم في حرف مسار الصراع الأساسي ضد منظومة الفساد الشاملة، ليتحول إلى معركة قانونية وجنائية ضد أفراد وعائلات محددة. هذه الاستراتيجية اعتمدت بشكل أساسي على التهوين من دور 'الوظيفيين' الذين كانوا جزءاً لا يتجزأ من آلة القمع والبروباغندا الرسمية.
اعتبر حل حزب التجمع المنحل مجرد خطوة تكتيكية لامتصاص الغضب الشعبي، في حين كان الهدف الحقيقي هو إعادة انتشار كوادره تحت مسميات جديدة. وقد ساهم غياب قانون العزل السياسي في تمكين هذه الأجسام الوظيفية من العودة إلى واجهة المشهد السياسي والعمل على شيطنة المسار الديمقراطي ومخرجاته.
تتحمل حركة النهضة جزءاً كبيراً من المسؤولية التاريخية عن هذا الوضع، حيث شاركت بتواطؤ صامت أو نشط في إجهاض مشروع تحصين الثورة. هذا الخيار التوافقي سمح لليسار الوظيفي بتحويل الصراع من مواجهة مع المنظومة القديمة إلى صراع هوياتي يستهدف الوجود السياسي للنهضة ذاتها.
لقد استطاع اليسار الوظيفي إقناع قطاعات واسعة بأن المعركة الحقيقية هي بين 'القوى الديمقراطية' وبين الإسلاميين، متجاهلاً تاريخه الطويل في دعم الاستبداد. هذا التحول في مدار الصراع أدى إلى إغلاق ملفات المحاسبة السياسية والأخلاقية عن الجرائم التي ارتكبت في حق المعارضين خلال العقود الماضية.
تطرح التساؤلات اليوم حول علة صمت القوى المتضررة من نظام بن علي، وعلى رأسها حركة النهضة، عن فتح ملف المسؤولية السياسية لليسار الوظيفي. فالمسألة لا تتعلق فقط بالمسؤولية الجنائية، بل بالدعم النشط الذي قدمته هذه التيارات لخيارات لا وطنية أدت إلى تدمير النسيج السياسي والاجتماعي.
إن حل التجمع دون إقرار قانون العزل السياسي كان خطوة ضرورية في استراتيجية المنظومة القديمة لإعادة التموضع والانتشار تحت سقف الثورة.
تشير القراءات التاريخية إلى أن الحزب الحاكم السابق كان نقطة جذب لليساريين الماركسيين والقوميين الذين انخرطوا في الأجهزة الأمنية والإعلامية والتعليمية. هؤلاء شكلوا 'رأس الحربة' في مواجهة الإسلام السياسي خلال التسعينات، وهو ما يفسر العداء المستحكم الذي لا يزال يحكم علاقتهم بالعملية الديمقراطية.
يرى محللون أن قيادات النهضة فضلت غلق هذا الملف ليس فقط بسبب موازين القوى الضعيفة، بل لتجنب فتح ملفات مسؤوليتها الخاصة عن قرارات كارثية اتخذت بعد عام 1987. إن الخوف من المساءلة المتبادلة أدى إلى تكريس حالة من الإفلات من العقاب السياسي الذي دفع ثمنه آلاف الضحايا من القواعد الشعبية.
في الوقت الذي يرفع فيه اليسار الوظيفي شعارات ترفض التواصل مع النهضة بدعوى 'الدماء'، فإنه يتجاهل الدماء التي سُفكت بسببه في زنازين النظام السابق. إن هذه المزايدات تعكس خللاً بنيوياً في منطق العدالة الانتقالية الذي تم إفساده لصالح تحالفات هشة لم تصمد أمام أول اختبار حقيقي.
تحول ملف الاغتيالات السياسية في تونس إلى أداة للمناورة السياسية بدلاً من كونه طريقاً لكشف الحقيقة وتحقيق العدالة. حيث يتم استغلال هذه القضايا لتعزيز سرديات مؤدلجة تخدم أجندات إقصائية، بعيداً عن الأدلة والوقائع القانونية المجردة التي تفرضها أخلاقيات العمل السياسي.
إن إعادة كتابة تاريخ اليسار الوظيفي في تونس أصبحت ضرورة ملحة لفهم الواقع الحالي وبناء مستقبل قائم على الحقائق لا على الأوهام. هذه الكتابة يجب أن تتحرر من المزايدات الوطنية والادعاءات الذاتية التي تسوقها هذه التيارات لتغطية ماضيها المرتبط بمنظومات الاستبداد.
لقد أثبتت التجربة أن الخيارات التوافقية التي انتهجتها النهضة كانت هي أول ضحاياها، حيث تم الانقلاب عليها من قبل نفس القوى التي حاولت استرضاءها. إن غياب المحاسبة السياسية سمح لخصوم الثورة بالتموضع مجدداً في مشاريع انقلابية تستهدف تطلعات الشعب التونسي في الحرية والكرامة.
في الختام، لا يمكن بناء ديمقراطية حقيقية في ظل سرديات زائفة تتجاهل حقوق المقهورين وتغلب الضغائن الأيديولوجية على المصلحة الوطنية. إن استعادة المسار الصحيح تتطلب شجاعة في مواجهة التاريخ وفتح كافة الملفات التي تم إغلاقها بصفقات سياسية لم تزد المشهد إلا تعقيداً وتأزماً.





شارك برأيك
المسؤولية السياسية في تونس: قراءة في أدوار 'اليسار الوظيفي' وتحولات ما بعد الثورة