عربي ودولي

الخميس 05 مارس 2026 3:03 صباحًا - بتوقيت القدس

العراق واستعادة السيادة: نحو مشروع وطني يتجاوز التدخلات الخارجية

يمر العراق في الوقت الراهن بمرحلة مفصلية من تاريخه الحديث، حيث تتداخل التحديات الجسيمة مع فرص واعدة لإعادة صياغة المستقبل. إن التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة تفتح نافذة تاريخية أمام العراقيين لإعادة ترتيب بيتهم الداخلي، والعمل على استعادة القرار الوطني المستقل بعيداً عن أي شكل من أشكال الهيمنة أو التدخل الخارجي الذي أرهق الدولة لسنوات طويلة.

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن التدخلات الأجنبية هي العامل الأساسي في إفساد استقرار الدول وتراجع مصالحها الوطنية. فكلما تسللت الأجندات الخارجية إلى مفاصل القرار السيادي، انشغلت المكونات الوطنية بصراعات جانبية لا تخدم مستقبل البلاد، وهو ما عانى منه العراق طويلاً بسبب موقعه الجغرافي الاستراتيجي وثرواته الهائلة التي جعلته ساحة للتجاذبات.

بالنظر إلى العمق الاجتماعي، نجد أن العراقيين بمختلف مذاهبهم، وخاصة السنة والشيعة، قد تعايشوا لقرون طويلة في نسيج وطني واحد تقاسموا فيه المدن والهموم اليومية. ولم تكن الهوية المذهبية يوماً سبباً في صراع اجتماعي شامل، بل كانت الأزمات تتفاقم دائماً بفعل التدخلات الإقليمية ذات الطابع السياسي والتوسعي التي حاولت توظيف الدين لخدمة مشاريعها الخاصة.

شهد العراق تحولاً جذرياً بعد عام 2003، حيث برزت تحديات عميقة في إدارة التعددية وسط استقطابات حادة وصلت ذروتها في سنوات الاحتقان الطائفي. ومع ذلك، فإن الوعي الشعبي بدأ يتشكل من جديد لرفض هذه الانقسامات، والبحث عن صيغة وطنية جامعة تضمن حقوق الجميع تحت سقف الدولة الواحدة والسيادة الكاملة.

مثلت احتجاجات تشرين عام 2019 نقطة تحول لافتة في المسار الوطني، حيث تجاوزت الشعارات المرفوعة الانقسامات المذهبية التقليدية. ورفعت الجماهير شعار الدولة الوطنية والسيادة، مما عكس رغبة شعبية عارمة في استعادة الهوية العراقية الخالصة، والتحرر من قيود التبعية التي فرضتها الظروف السياسية المعقدة في العقود الأخيرة.

في هذا الإطار، يتطلع المجتمع العراقي إلى دور محوري للمرجعيات الدينية في ترسيخ خطاب وطني يتجاوز التجاذبات الإقليمية. إن الحفاظ على مكانة المرجعية كرمز روحي يراعي خصوصية الواقع العراقي يعد ركيزة أساسية لحماية السلم الأهلي وصيانة القرار المستقل، بعيداً عن أي اصطفافات سياسية خارجية قد تضر بوحدة المجتمع.

إن استعادة القرار السيادي تتطلب بالضرورة بناء إدارة تكنوقراطية وطنية قادرة على إدارة ثروات البلاد بنزاهة وشفافية. وهذا المسار لن يكتمل دون إصلاح اقتصادي حقيقي يهدف إلى تنويع مصادر الدخل ووقف هدر الموارد، وتحويل مكافحة الفساد من مجرد شعارات سياسية إلى واقع ملموس يلمسه المواطن في حياته اليومية.

يظل استقلال القضاء هو حجر الزاوية في بناء أي دولة قوية ومستقرة، حيث لا يمكن تحقيق العدالة دون قضاء يحمي الدستور ويخضع الجميع لسلطة القانون. إن تطلعات العراقيين اليوم تتجه نحو بناء وطن لا يخضع لهيمنة أي طرف، بل يقوم على مؤسسات دستورية راسخة تحمي الحقوق وتؤدي الواجبات دون انتقائية أو تمييز.

من الملاحظ اليوم بروز أصوات وطنية وازنة داخل المكون الشيعي تؤكد على هويتها العراقية وترفض اختزال انتمائها في إطار التبعية لأي قوة إقليمية. هذه النزعة الوطنية هي الكفيلة بجمع الكلمة وتجاوز انقسامات الماضي، وهي تعكس نضجاً سياسياً يضع مصلحة العراق فوق أي اعتبارات أيديولوجية أو سياسية عابرة للحدود.

يواجه الطاقم السياسي الحالي اختباراً حقيقياً في مدى قدرته على مواكبة هذه المرحلة التي تتطلب استقلالاً واضحاً في اتخاذ القرار. فالمرحلة القادمة تحتاج إلى شخصيات تمتلك الكفاءة والقدرة على التحرر من الارتباطات الخارجية، والعراق يمتلك من الخبرات والكفاءات ما يؤهله لقيادة البلاد نحو بر الأمان إذا توفرت الإرادة الصادقة.

إن استعادة القرار الوطني لا تعني بأي حال من الأحوال الانكفاء على الذات أو العزلة عن العالم، بل تعني تحويل العراق إلى جسر لتلاقي المصالح الدولية والإقليمية. فالعراق القوي والمستقر يمثل مصلحة للجميع، وبإمكانه استعادة دوره الفاعل في محيطه العربي والدولي شريطة أن ينبع قراره من الداخل ومن مصلحة شعبه أولاً.

تعتبر اللحظة الراهنة فاصلة وحاسمة في تاريخ العراق المعاصر، فإما التوجه نحو بناء مشروع وطني على أسس السيادة ودولة القانون، أو البقاء في دائرة التجاذبات التي تستنزف الطاقات. والرهان الحقيقي يبقى على وعي الشعب العراقي وقدرته على تقديم مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، لضمان استقرار البلاد والمنطقة.

إن العراق بتاريخه العريق وثقله الحضاري قادر على تجاوز المحن وتحويل التحديات إلى فرص للبناء والتقدم. فالسيادة الوطنية ليست مجرد شعار، بل هي ممارسة يومية تتطلب تكاتف كافة القوى الوطنية المؤمنة بمستقبل العراق، والعمل الجاد على حماية مؤسسات الدولة من أي تغول خارجي أو داخلي غير مشروع.

ختاماً، يبقى الأمل معقوداً على الأجيال الشابة والقوى الحية في المجتمع العراقي لمواصلة المسير نحو دولة المواطنة. فالعراق الذي تغنى به الشعراء بجماله وهضباته وشطيه، يستحق أن يكون وطناً سيداً مستقلاً، ينعم أبناؤه بخيراته في ظل قانون يسود على الجميع دون استثناء، ليكون منارة للاستقرار في قلب الشرق الأوسط.

دلالات

شارك برأيك

العراق واستعادة السيادة: نحو مشروع وطني يتجاوز التدخلات الخارجية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.