أفادت مصادر رفيعة المستوى بأن الحرس الثوري الإيراني أحكم قبضته بشكل كامل على عملية صنع القرار في الجمهورية الإسلامية، وذلك في أعقاب سلسلة من الضربات التي استهدفت كبار قادته. وتدفع المؤسسة العسكرية حالياً باتجاه استراتيجية متشددة تعتمد على تكثيف الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ في مختلف أنحاء المنطقة، رداً على الضغوط العسكرية المتزايدة.
واستباقاً لأي فراغ قيادي، قام الحرس الثوري بتفويض صلاحيات واسعة النطاق إلى مستويات قيادية أدنى في الرتب العسكرية قبل الهجمات الأخيرة. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تعزيز قدرة النظام على الصمود، رغم ما تنطوي عليه من مخاطر تتعلق بسوء التقدير الميداني أو اتساع رقعة المواجهة الشاملة في الإقليم.
وفي تطور ميداني لافت، أطلقت القوات الإيرانية صاروخاً باليستياً باتجاه الأراضي التركية، العضو في حلف شمال الأطلسي، مما يشير إلى تصعيد غير مسبوق في العمليات العسكرية. وتأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية من خروج الصراع عن السيطرة نتيجة منح ضباط الرتب المتوسطة صلاحيات شن هجمات مباشرة.
وعلى الصعيد الداخلي، يرى مراقبون أن الدور المحوري الذي بات يلعبه الحرس الثوري على كافة مستويات النظام سيعزز من النهج القمعي أمنياً. ومن شأن هذه السيطرة المطلقة أن تقوض أي احتمالات لاندلاع احتجاجات شعبية، مما يصعب مهمة القوى الخارجية التي تراهن على حدوث انتفاضة داخلية لتغيير النظام.
وتشير تقارير بحثية إلى أن اختيار الزعيم الأعلى القادم، عقب مقتل آية الله علي خامنئي، سيعزز من نفوذ الحرس الثوري بشكل غير مسبوق. ويبرز اسم مجتبى خامنئي كمرشح قوي للخلافة، نظراً لعلاقاته الوثيقة مع القيادات العسكرية ودعمه الواسع من قبل الرتب الدنيا الأكثر تشدداً في المؤسسة.
وأكدت مصادر إقليمية أن الحرس الثوري بات يشارك الآن في كل القرارات السيادية الكبرى، متجاوزاً الهياكل السياسية التقليدية. وأوضحت المصادر أن أحمد وحيدي، الذي تولى رئاسة الحرس مؤخراً، يحضر كافة الاجتماعات رفيعة المستوى لضمان بقاء النظام وتحقيق أهدافه الاستراتيجية في ظل الظروف الراهنة.
من جانبه، كشف رضا طالائنيك، نائب وزير الدفاع، عن تفاصيل خطة 'الخلفاء' التي تضمن استمرارية القيادة حتى في حال تصفية الصف الأول. وأوضح أن كل منصب قيادي في الهيكل العسكري يمتلك ثلاثة بدلاء جاهزين لتولي المهام فوراً، مما يمنع حدوث أي ارتباك في إدارة العمليات القتالية.
تكمن الفكرة برمتها في اللامركزية بحيث إذا تعرضت محافظة بعينها للهجوم، يكون بمقدورها الدفاع عن نفسها والحفاظ على سلطة النظام وحكمه.
وتعود جذور استراتيجية اللامركزية التي يتبعها الحرس حالياً إلى نحو عقدين من الزمن، حيث جرى تطويرها بعد استخلاص الدروس من انهيار القوات العراقية عام 2003. وتهدف الخطة لضمان قدرة كل محافظة إيرانية على الدفاع عن نفسها بشكل مستقل في حال انقطاع الاتصال مع القيادة المركزية في طهران.
وتعمل هذه المنظومة العسكرية كجهة إنفاذ مزدوجة، فهي رأس الحربة في الرد على الهجمات الخارجية، وهي الأداة الرئيسية لفرض الأمن الداخلي. ورغم الخسائر التي طالت قادة وحدات المخابرات والطيران، إلا أن المؤسسة تحاول إظهار تماسك استراتيجي أمام التهديدات المستمرة التي تستهدف رتبها المختلفة.
وتشير المصادر إلى أن الحرس الثوري، رغم وجود تنافسات داخلية أحياناً، يظهر وحدة استثنائية عندما تتعرض البلاد لتهديدات وجودية. وقد بدأت ملامح تدهور طفيف في هيكل القيادة تظهر من خلال زيادة الهجمات على أهداف مدنية في منطقة الخليج، وهو ما قد يكون استراتيجية متعمدة لإظهار كلفة الهجوم على إيران.
وفي تصريحات رسمية، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الردود العسكرية جرى التخطيط لها مسبقاً وبدقة عالية. وأوضح أن الوحدات الميدانية تعمل بناءً على تعليمات عامة ومعدة سلفاً، ولا تنتظر أوامر مباشرة وفورية من القيادة السياسية، مما يمنحها مرونة وسرعة في التنفيذ.
ويمتلك الحرس الثوري إمبراطورية اقتصادية وسياسية واسعة تجعل منه 'دولة داخل الدولة' منذ تأسيسه عقب ثورة 1979. وتدير أذرعه الإنشائية، مثل مجموعة 'خاتم الأنبياء'، عقوداً ضخمة في قطاع الطاقة، مما يوفر للمؤسسة العسكرية استقلالية مالية وقدرة على تمويل عملياتها بعيداً عن الميزانية العامة.
ويعتمد النظام حالياً على قيادة سياسية تضم شخصيات ذات خلفيات عسكرية صلبة في الحرس الثوري، مثل الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف. هؤلاء القادة، الذين صقلتهم سنوات الحرب مع العراق، يتبنون رؤية المؤسسة العسكرية في إدارة الأزمة الحالية مع الغرب وإسرائيل.
ختاماً، يظل الحرس الثوري هو الضامن الأساسي لبقاء النظام الإيراني، مستخدماً قوات 'الباسيج' لقمع أي اضطراب داخلي، وشبكة وكلائه في المنطقة لتهديد المصالح الخارجية. ومع تزايد حدة المواجهة، يبدو أن المؤسسة العسكرية قد حسمت خيارها بالذهاب نحو المواجهة الشاملة لحماية مكتسبات الثورة.





شارك برأيك
الحرس الثوري يُحكم قبضته على القرار في إيران ويُفعل استراتيجية 'القيادة اللامركزية'