أقلام وأراء

السّبت 28 فبراير 2026 2:03 مساءً - بتوقيت القدس

دراما رمضان والتوظيف السياسي: بين 'رأس الأفعى' وجدل الإعلانات الإعلامية

تثير الإنتاجات الدرامية للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية في مصر تساؤلات جوهرية حول معايير الترويج والاهتمام، حيث يبدو أن الزخم الدعائي ينصب بشكل أساسي على الأعمال ذات الصبغة السياسية الموجهة. وفي هذا السياق، يبرز مسلسل 'رأس الأفعى' كنموذج للعمل الذي يحظى بتغطية مكثفة في برامج 'التوك شو' والصحف التابعة للمجموعة، في حين تتواري أعمال أخرى مثل 'صحاب الأرض' و'عين سحرية' خلف هذا الطوفان الدعائي رغم ما قد تحمله من قيمة فنية.

إن التركيز الموسمي على إنتاج مسلسلات تستهدف جماعة الإخوان المسلمين بات ظاهرة متكررة في كل شهر رمضان، حيث تُسخر الآلة الإعلامية لإعلان 'النجاح' في كشف الجماعة وتعريتها. ومع ذلك، يطرح هذا التكرار سؤالاً ملحاً حول الجدوى الحقيقية لهذه الحملات الإعلامية، فإذا كانت هذه الأعمال تنجح فعلياً في مهمتها كل عام، فلماذا يستمر النظام في الحاجة لإنتاج المزيد منها بدلاً من طي هذه الصفحة والانتقال نحو حياة ديمقراطية سليمة.

وفي سياق متصل، أثار ظهور الإعلامي إبراهيم عيسى في إعلان ترويجي للعاصمة الإدارية الجديدة جدلاً قانونياً وأخلاقياً واسعاً في الأوساط الصحفية. فقد تجاوز عيسى دوره الإعلامي ليظهر كممثل إعلاني بل ومؤدٍ غنائي، وهو ما اعتبره مراقبون 'مراهقة مهنية' تعكس حالة من التخبط في المسيرة المهنية التي انتقلت من المعارضة الصارمة إلى التماهي التام مع المشاريع الرسمية.

تعد هذه الخطوة انتهاكاً صريحاً لنص المادة (26) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام المصري، والتي تحظر بشكل قاطع على الصحفيين والإعلاميين العمل في مجال الإعلانات بأي صورة كانت، سواء بالصوت أو الصورة. ورغم وضوح النص القانوني، إلا أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ونقابتي الصحفيين والإعلاميين لم يحركوا ساكناً تجاه هذه المخالفة، مما يشير إلى حالة من الانتقائية في تطبيق القانون.

إن التحولات في مواقف إبراهيم عيسى السياسية تعكس حالة من 'التزحلق الدائم على الجليد'، حيث تبدلت مواقفه من الانحياز للناصرية إلى الهجوم الضاري على جمال عبد الناصر، ومن معارضة نظام مبارك إلى الشهادة لصالحه في المحاكم. هذه التقلبات تثير الشكوك حول الدوافع الحقيقية وراء تغيير القناعات، خاصة عندما ترتبط هذه التحولات بلحظات الإقصاء من الشاشات أو العودة إليها عبر بوابات إعلانية مدفوعة الأجر.

وبالحديث عن تطوير الإعلام، فإن المقترحات التي يرفعها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تبدو وكأنها توضع في الأدراج دون أثر حقيقي على أرض الواقع. فالتطوير الحقيقي يتطلب تغيير الوجوه والمنظومة التي تدير المشهد، بدلاً من الاكتفاء بمبادرات سرية لا تلمس جوهر الأزمة المتمثلة في غياب التعددية وسيطرة الصوت الواحد على الشاشات المصرية.

ختاماً، يبدو أن المشهد الإعلامي والدرامي الحالي يعيش حالة من الفوضى التي تتطلب ضبطاً حقيقياً يتجاوز الشعارات. فبينما تذهب بعض الجماعات 'مع الريح' درامياً، تظل الأسئلة قائمة حول ثمن التحولات السياسية للإعلاميين، وحول قدرة الدراما على استعادة دورها الفني بعيداً عن التوجيه المباشر الذي قد يؤدي في النهاية إلى ضياع المشاهد في زحام الأعمال المكررة.

تحليل

السّبت 28 فبراير 2026 2:03 مساءً - بتوقيت القدس

نهاية عصر الهيمنة: كيف تسرع 'الترامبية' في تفكيك الإمبراطورية الأمريكية؟

يرى المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي أن الهيمنة العالمية للولايات المتحدة لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج استراتيجية إمبراطورية صاغتها النخب الاقتصادية والاجتماعية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. هذه النخبة سعت للحفاظ على مصالحها عبر أدوات عسكرية وسياسية واقتصادية، مع تجاهل صارخ لحقوق الإنسان رغم الشعارات الديمقراطية المرفوعة.

منذ عام 1945، برزت واشنطن كداعم رئيسي لأنظمة تورطت في انتهاكات جسيمة وتطهير عرقي، شملت مناطق جغرافية واسعة من السلفادور وكولومبيا وصولاً إلى إسرائيل وجنوب إفريقيا. هذا النهج لم يقتصر على الدعم السياسي، بل امتد ليشمل التدخلات العسكرية المباشرة في فيتنام ويوغوسلافيا وأفغانستان والعراق لضمان تدفق الموارد.

تؤكد التحليلات أن السياسة الخارجية الأمريكية، سواء كانت تحت إدارة ديمقراطية أو جمهورية، تلتزم بذات الأجندة التوسعية الرامية لتعزيز الهيمنة على الأسواق العالمية. ومع ذلك، يرى مراقبون أن وصول دونالد ترامب مجدداً إلى البيت الأبيض يمثل نقطة تحول سلبية بدأت تفقد فيها البلاد موقعها الريادي في الاقتصاد العالمي.

لقد ورثت الولايات المتحدة نفوذها عن الإمبراطورية البريطانية، وحولت العديد من الدول إلى كواكب تابعة تدور في فلكها عبر أنظمة موالية أو شركات عابرة للقارات. هذه الشركات، التي تشبه في تغولها شركة الهند الشرقية القديمة، ساهمت في تراكم هائل لرأس المال داخل أمريكا لكنه ظل محصوراً في يد فئة محدودة.

يعاني المجتمع الأمريكي اليوم من فجوة اقتصادية هائلة، حيث تتركز الثروات لدى شريحة 'الأوليغاركية' التي تتحكم في مفاصل الدولة من خلف الستار. وتشير الإحصاءات إلى أن 1% من السكان باتوا يسيطرون على نحو 35% من ثروات البلاد بحلول عام 2021، مما جعل المواطن الأمريكي الأكثر معاناة من عدم المساواة.

في الحقبة الترامبية الحالية، تزاوجت سلطة المال مع الخطاب الغوغائي، حيث قدم المليارديرات وأصحاب شركات التكنولوجيا الكبرى دعماً غير محدود لحملات ترامب الانتخابية. في المقابل، اعتمد ترامب على تحشيد القواعد الشعبية بشعارات قومية مثل 'أمريكا أولاً'، وهو ما اعتبره محللون إعلاناً رسمياً لنهاية عصر العولمة.

أدت سياسات ترامب الاقتصادية، القائمة على فرض رسوم جمركية باهظة، إلى نتائج عكسية قلصت من نفوذ واشنطن التجاري بدلاً من تعزيزه. هذه العزلة الاقتصادية دفعت شركاء تاريخيين، لا سيما في أوروبا، نحو تعزيز علاقاتهم مع الصين، الغريم الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة في الساحة الدولية.

لم تكتفِ الإدارة الحالية بالحروب التجارية، بل امتدت تهديداتها لتشمل الحلفاء والجيران، حيث لوح ترامب باحتلال أجزاء من كندا أو انتزاع قناة بنما. هذه التصريحات، التي وصفتها مصادر دبلوماسية بالجهالة السياسية، تسببت في اختلالات هائلة في منظومة الأمن الجماعي التي قادتها واشنطن لقرون.

وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، تتبنى الإدارة الحالية توجهاً متطرفاً يهدف لوضع قطاع غزة تحت وصاية أمريكية بغطاء دولي، بعد سنوات من استخدام الفيتو لمنع وقف الحرب. هذا التوجه يعكس رغبة في فرض حلول قسرية تتجاوز الحقوق الوطنية الفلسطينية وتخدم المصالح الأمنية للاحتلال الإسرائيلي.

تتسم خطابات ترامب الأخيرة بالتركيز المفرط على لغة الأرقام والتريليونات، مبتعدة عن الدبلوماسية التقليدية، مما أثار قلقاً دولياً واسعاً. وقد ذهب بعض السياسيين الأوروبيين، ومنهم برلمانيون فرنسيون، إلى حد التشكيك في الأهلية النفسية للرئيس الأمريكي بعد تحليل طروحاته الأخيرة في فبراير 2026.

إن التهديدات الأمريكية لم تتوقف عند حدود الجيران، بل شملت دولاً مثل إيران وفنزويلا، مما يعكس حالة من التخبط في إدارة الملفات الدولية. هذا السلوك العدواني يراه باحثون دليلاً على تآكل القوة الناعمة الأمريكية وتحولها إلى قوة تعتمد فقط على التهديد والوعيد العسكري.

يرى محللون أن ترامب، من حيث لا يقصد، يقوم بتقليم أظافر بلاده في الساحة الدولية عبر إضعاف التحالفات التقليدية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو). هذا التفكك في الروابط الدولية يؤذن ببداية نهاية العصر الأمريكي وبروز أقطاب دولية جديدة تسعى لملء الفراغ الذي تتركه واشنطن.

تاريخياً، كان النظام الرأسمالي الأمريكي يمتلك ضوابط تضمن حداً أدنى من التوازن، لكن الهيمنة الحالية لشركات مثل 'تيسلا' و'ميتا' غيرت قواعد اللعبة السياسية. أصبح القرار السياسي رهيناً لمصالح حفنة من الأثرياء الذين يفضلون المكاسب السريعة على الاستقرار الاستراتيجي طويل الأمد للدولة.

ختاماً، يبدو أن الولايات المتحدة تواجه اختباراً وجودياً في ظل قيادة تتبنى الجدل والصدام وسيلة للحكم، وهو ما يذكر بمقولات تاريخية حول هلاك الأمم بجهل قادتها. إن المسار الحالي يشير إلى أن 'الترامبية' قد تكون المعول الذي يهدم أركان الهيمنة التي بنيت على مدار ثمانية عقود.

تحليل

السّبت 28 فبراير 2026 2:03 مساءً - بتوقيت القدس

من منطق الصفقات إلى ثبات الحقوق: تفكيك مخططات إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني

لم تكن ما عُرفت إعلامياً بـ 'صفقة القرن' مجرد حدث سياسي عابر أو مقترح عارض، بل مثلت تعبيراً مكثفاً عن مرحلة كاملة تهدف إلى إعادة هندسة المنطقة سياسياً واستراتيجياً. هذا التصور يتجاوز التفاصيل التقنية للخطة ليصل إلى الإطار المفاهيمي الذي أُعيد من خلاله تعريف القضية الفلسطينية وجوهرها التاريخي.

إن استخدام مصطلح 'صفقة' في سياق قضية وطنية بوزن فلسطين يحمل دلالات خطيرة على البنية القانونية والأخلاقية للصراع. فبينما تقوم الصفقات قانونياً على التكافؤ وتبادل المنافع، فإن استدعاءها في ظل احتلال قائم يهدف لنقل القضية من دائرة الحقوق الثابتة إلى مساحات المقايضة السياسية.

تعتبر الأرض والسيادة والهوية عناصر غير قابلة للمساومة في الوجدان الفلسطيني، إلا أن المنطق المؤسس للمشاريع الأخيرة يحاول جعلها بنوداً في جدول أعمال تجاري. ومن منظور القانون الدولي، يظل حق الشعوب في تقرير مصيرها قاعدة آمرة لا يمكن الالتفاف عليها عبر ترتيبات اقتصادية أو وعود تنموية زائفة.

إن الاحتلال لا يكتسب شرعية بمرور الزمن، ولا يمكن لواقع غير مشروع أن يتحول إلى قانوني بمجرد اعتراف قوى كبرى به. وفي هذا الإطار، لم يكن الدور الأمريكي في رعاية هذه المشاريع حيادياً، بل جاء منسجماً مع رؤية استراتيجية تعيد ترتيب أولويات الإقليم بما يخدم المصالح الإسرائيلية حصراً.

تجد هذه المشاريع والمخططات بيئة خصبة للتمدد في المجتمعات التي تعاني من الرخاوة السياسية والتشظي الهوياتي. فالأمم المنهكة بصراعاتها الداخلية وانقساماتها تصبح أقل قدرة على بلورة موقف وطني جامع، مما يجعلها أكثر عرضة للضغوط والمساومات الدولية التي تستهدف ثوابتها.

برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة إعادة توجيه بوصلة العداء في وعي بعض الأنظمة، حيث تم استبدال مركزية الصراع مع الاحتلال بخصومات إقليمية أخرى. هذا التحول يهدف إلى صناعة 'عدو بديل' في الوعي العام، مما يؤدي موضوعياً إلى تبديد الطاقات في صراعات جانبية تخدم استمرار الوقائع الاستيطانية على الأرض.

يقدم النموذج العراقي بعد غزو عام 2003 درساً قاسياً حول خطورة إدارة الدول وفق منطق المصالح الخارجية وتفكيك المؤسسات الوطنية. فقد أدت سياسات إعادة الهيكلة المفروضة إلى فتح المجال أمام صراعات داخلية عميقة، مما أثبت أن اختلال السيادة الوطنية يفضي حتماً إلى اختلال الاستقرار الشامل.

إن قراءة 'صفقة القرن' في ضوء المعطيات الراهنة تكشف أنها لم تكن مبادرة سلام حقيقية، بل محاولة لفرض سقف سياسي منخفض وتطبيع واقع غير شرعي. فالسلام الذي لا يقوم على إزالة الأسباب الجذرية للصراع، وفي مقدمتها الاحتلال، يظل سلاماً هشاً يفتقر للعدالة والديمومة.

يبرز الحديث المتداول عن تشكيل ما يسمى 'مجلس السلام' كخطوة مؤسسية متقدمة تهدف لترجمة رؤية الصفقات السياسية إلى هياكل تنظيمية دائمة. هذا الانتقال من مستوى المبادرات النظرية إلى البناء المؤسسي يعني محاولة مأسسة الأمر الواقع وجعله جزءاً لا يتجزأ من النظام الإقليمي الجديد.

إن إنشاء مثل هذه المجالس، إذا اتجه نحو تكريس الاختلال بدل معالجته، سيتحول إلى آلية لإدارة الصراع لا لإنهائه بشكل عادل. وهنا يبرز التساؤل الجوهري حول ما إذا كان السلام يُبنى على قواعد العدالة الدولية أم على قاعدة إعادة تنظيم الاحتلال في صور أقل كلفة سياسية.

تكمن الخطورة الحقيقية في بعض المشاريع السياسية فيما تؤسسه من بنى تحتية وهياكل دائمة قد تجعل التراجع عن آثارها مستقبلاً أمراً بالغ الصعوبة. لذا، فإن المعركة الراهنة ليست مجرد صراع على نصوص المبادرات، بل هي معركة وعي للتمييز بين السلام الحقيقي القائم على الكرامة والسلام المعلب.

إن منطق الحق يظل أكثر رسوخاً في التاريخ وأعمق أثراً في الضمير الجمعي من منطق الصفقات العابرة التي تفرضها موازين القوى المؤقتة. وبين هذين المنطقين يتحدد مستقبل القضية الفلسطينية، فإما تسوية تعيد إنتاج الظلم، أو مسار يستند إلى القانون والعدالة والكرامة الإنسانية.

تتطلب المرحلة الحالية يقظة سياسية قادرة على تفكيك الخطابات التي تحاول تغليف التنازلات بغلاف التنمية والازدهار الاقتصادي. فالسيادة الوطنية لا يمكن تعويضها بالمنح المالية، وحق العودة وتقرير المصير يظلان جوهر أي حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية في مواجهة محاولات التصفية.

في الختام، يبقى الرهان على قدرة الشعب الفلسطيني وقواه الحية في التمسك بالثوابت ورفض الانخراط في مسارات تشرعن الاحتلال. إن التاريخ يثبت أن المشاريع التي تتجاوز حقوق الشعوب وتتجاهل تطلعاتها المشروعة مآلها الفشل، مهما بلغت قوة الأطراف الدولية الداعمة لها.

فلسطين

السّبت 28 فبراير 2026 2:03 مساءً - بتوقيت القدس

من السباكة إلى البرلمان.. قصة هانا سبنسر التي هزمت حزب العمال بدعم فلسطين

شهدت الساحة السياسية في شمال إنجلترا تحولاً جذرياً لافتاً، بعد تمكن هانا سبنسر من انتزاع مقعد برلماني كان محسوباً لعقود على حزب العمال البريطاني. سبنسر، التي تنتمي لحزب الخضر، استطاعت قلب الموازين في دائرة غورتن ودينتون جنوب شرق مانشستر، حيث تراجع الحزب التقليدي إلى المركز الثالث في نتيجة وصفت بأنها تعبير عن تغير المزاج الانتخابي العام.

تعد رحلة سبنسر إلى المؤسسة التشريعية استثنائية بكل المقاييس، إذ بدأت مسيرتها المهنية في قطاع الحرف اليدوية بعيداً عن أروقة السياسة. فقد غادرت مقاعد الدراسة في سن السادسة عشرة لتتعلم مهنة السباكة وأعمال الجبس، وهو ما صقل شخصيتها العملية التي ظهرت بوضوح خلال حملتها الانتخابية الأخيرة.

في عام 2015، أسست سبنسر مشروعها الخاص تحت اسم 'سباكة هانا المنزلية'، واستمرت في ممارسة مهنتها حتى وقت قريب جداً من إعلان فوزها. وأكدت في تصريحات صحفية أنها حصلت على تأهيل إضافي كعاملة جبس قبل أسبوعين فقط من الانتخابات، مشيرة إلى قدرتها على الإنجاز تحت الضغط وفي خضم الفوضى.

بدأ المسار السياسي لسبنسر بشكل متسارع منذ انضمامها لحزب الخضر في عام 2022، حيث لم يمضِ عام واحد حتى انتُخبت عضواً في مجلس مقاطعة ترافورد. هذا الصعود السريع توج بالوصول إلى البرلمان، لتمثل صوتاً جديداً يدافع عن حقوق أصحاب المهن والحرفيين الذين تشعر بأنهم غائبون عن طاولة القرار.

خاطبت سبنسر ناخبيها بروح التواضع، حيث قدمت اعتذاراً لزبائنها عن إلغاء المواعيد المحجوزة لأعمال السباكة بسبب انتقالها للعمل البرلماني. وشددت على أنها لا تختلف عن أبناء دائرتها الذين يعملون بجد، لكنها حذرت من أن العمل الشاق لم يعد يكفي لتأمين حياة كريمة في ظل النظام الاقتصادي الحالي.

انتقدت البرلمانية الجديدة تركز الثروات، معتبرة أن الكثير من العمال باتوا يكدحون لإثراء المليارديرات بدلاً من تأمين مستقبلهم الشخصي. وتعهدت بالدفاع عن حق كل فرد في حياة كريمة، مؤكدة أن إصلاح المؤسسات المعطلة سيكون على رأس أولوياتها التشريعية خلال المرحلة المقبلة.

على الصعيد المحلي، تتبنى سبنسر برنامجاً اقتصادياً واجتماعياً طموحاً يدعو لإنهاء خصخصة الخدمات الصحية الوطنية (NHS). كما تطالب بتأميم شركات المياه وإعادة المرافق العامة لملكية الدولة، معتبرة أن هذه الخطوات ضرورية لضمان جودة الخدمات وعدم استغلال المواطنين.

برزت القضية الفلسطينية كركيزة أساسية في حملة سبنسر الانتخابية، حيث لم تتردد في استخدام الأعلام الفلسطينية في منشوراتها الدعائية. ووصفت العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة بأنها 'إبادة جماعية'، وهو الموقف الذي جلب لها تأييداً واسعاً وانتقادات حادة في آن واحد.

ورداً على الهجمات التي استهدفتها بسبب دعمها لغزة، قالت سبنسر إن تجريد أي فئة من إنسانيتها هو خطر يهدد الجميع. وأوضحت أن مخاوفها الشخصية من الهجوم السياسي تتلاشى أمام المعاناة الحقيقية التي يعيشها الفلسطينيون تحت القصف المستمر من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.

واجهت سبنسر اتهامات بمحاولة حشد الناخبين المسلمين عبر التركيز على ملف الحرب في غزة، وهي اتهامات رفضتها مؤكدة أن موقفها ينبع من مبادئ إنسانية. وقد نجحت بالفعل في استقطاب كتلة تصويتية كبيرة كانت تشعر بالإحباط من مواقف الأحزاب الكبرى تجاه القضية الفلسطينية.

يأتي فوز سبنسر في وقت تشهد فيه الأراضي الفلسطينية أوضاعاً مأساوية، حيث تشير الإحصائيات إلى ارتقاء نحو 72 ألف شهيد وإصابة أكثر من 172 ألفاً آخرين. كما تعرضت البنية التحتية في قطاع غزة لدمار شبه كامل، مما جعل الحياة اليومية للسكان بمثابة صراع من أجل البقاء.

ورغم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار سارٍ منذ أكتوبر 2025، إلا أن الخروقات الإسرائيلية المستمرة أدت لسقوط مئات الشهداء الجدد. وتستمر المعاناة الإنسانية لنحو 2.4 مليون فلسطيني في غزة، في ظل قيود مشددة على دخول المساعدات الإنسانية الضرورية، وهو ما تعهدت سبنسر بمواصلة تسليط الضوء عليه تحت قبة البرلمان.

عربي ودولي

السّبت 28 فبراير 2026 2:03 مساءً - بتوقيت القدس

أخلاقيات السياسة في مواجهة المحنة: قراءة في تجربة راشد الغنوشي

تتجلى في المشهد السياسي التونسي الراهن حالة من الاستقطاب الحاد التي تعيد صياغة مفاهيم الصراع، حيث يبرز سجن رئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي كعنوان لهذه المرحلة. إن الأحكام المتراكمة التي تجاوزت نصف قرن بحق رجل في تسعينياته، تعكس ذهنية إقصائية ترى في الخلاف معركة كسر عظم لا منافسة ديمقراطية.

لا يمكن اختزال سيرة الغنوشي في محنة السجن الحالية فحسب، بل يجب قراءتها من خلال مسار فكري اختار الممارسة العملية على ترف التنظير المجرد. لقد سعى الرجل طوال مسيرته إلى تنزيل قيم الوسطية والتوافق على أرض الواقع، محولاً إياها من شعارات خطابية إلى ممارسات سياسية معقدة.

بعد أحداث عام 2011، برز الغنوشي كمهندس لسياسة المصالحة الوطنية، متجاوزاً مرارات السجون والمنافي التي عاشها في العهود السابقة. لقد آمن بأن استقرار تونس يقتضي خفض منسوب الاحتقان، حتى لو تطلب ذلك دفع أثمان سياسية باهظة من رصيد حركته ومكانته الشخصية.

اتسمت رؤية الغنوشي بتقدير دقيق لموازين القوى، حيث فضل التنازل في لحظات الاضطراب لتجنيب البلاد منزلقات دموية شهدتها دول أخرى في المنطقة. كان يهدف من ذلك إلى تقديم تونس كنموذج فريد للانتقال السلمي للسلطة في محيط عربي متلاطم الأمواج.

على الصعيد الدولي، سعى الغنوشي إلى بناء جسور بين الهوية الإسلامية وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، رافضاً ثنائية الصدام مع الغرب أو الذوبان فيه. وقد ساهم حضوره في المحافل العالمية في تعزيز صورة تونس كدولة تسعى لمواءمة الأصالة مع مقتضيات العصر الحديث.

في الجانب الفكري، يُعد الغنوشي من أبرز المنظرين لتيار الاعتدال في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، حيث جاهد لوصل المرجعية الدينية بمفاهيم الدولة المدنية. أكد في كتاباته أن التعددية السياسية ليست نقيضاً للعقيدة، بل هي الإطار الأمثل لتنظيم الاختلافات البشرية وحمايتها.

لم يكن مشروع الغنوشي صدامياً، بل اتسم بكونه إصلاحياً تراكمياً يهدف إلى بناء الثقة بين الإسلاميين وخصومهم الأيديولوجيين. وقد عمل بجهد لتحويل حركته من جماعة احتجاجية إلى حزب مدني فاعل ينخرط في مؤسسات الدولة ويحترم قواعد اللعبة الديمقراطية.

حين واجه المسار الديمقراطي تحديات كبرى، لم يتردد الغنوشي في الدفاع عن الشرعية الانتخابية ومبدأ التداول السلمي على السلطة. ورغم إدراكه للكلفة الشخصية العالية لموقفه، إلا أنه اختار العودة إلى موقع المعارض متمسكاً بقناعاته في الحرية وحكم القانون.

المفارقة اللافتة في تجربة الغنوشي تكمن في استمراره بالدفاع عن دولة القانون من داخل زنزانته، رافضاً تبني خطاب الثأر أو الاستئصال. إن هذا الثبات الأخلاقي يعيد إلى الأذهان تجارب قادة عالميين حولوا السجن إلى قوة أخلاقية ملهمة لشعوبهم.

يذكرنا التاريخ بنماذج مثل نيلسون مانديلا وغاندي، الذين خرجوا من معتقلاتهم بروح تصالحية أنقذت بلدانهم من الحروب الأهلية. هؤلاء القادة أثبتوا أن السجن لا ينقص من قيمة الفكرة، بل قد يكون الاختبار الحقيقي لمدى تمسك القائد بقيمه الإنسانية والسياسية.

قد يختلف الكثيرون مع الغنوشي في خياراته السياسية أو اجتهاداته الفكرية، وهذا حق مكفول في الفضاء العام. إلا أن الاتساق الداخلي الذي أظهره الرجل، وقدرته على الربط بين التضحية الشخصية والمشروع الوطني، يفرض نوعاً من الاحترام لمسيرته الطويلة.

إن الدولة القوية في المنظور السياسي السليم ليست تلك التي تبرع في إغلاق الأبواب أمام خصومها، بل التي تملك الحكمة لفتح قنوات الحوار. الاحتواء في لحظات الاحتقان التاريخي يظل دائماً أبلغ أثراً وأكثر استدامة من سياسات الغلبة والإقصاء القسري.

يبقى راشد الغنوشي في زنزانته صوتاً يتحدث لغة الأمل رغم ضيق السبل، مجسداً صورة المفكر الذي لم يهرب من استحقاقات الممارسة. إن التاريخ لا يحفظ ضجيج اللحظات العابرة، بل يبقي على المعاني العميقة للتضحية في سبيل المبادئ الكبرى.

في نهاية المطاف، الكتابة عن هذه الشخصيات ليست مجرد مديح، بل هي دفاع عن حق الاختلاف وضرورة المساءلة والحوار. إن بناء الأوطان يتطلب اعترافاً متبادلاً بالوجود السياسي، وإدراكاً بأن السياسة في جوهرها هي ممارسة أخلاقية تهدف لخدمة الإنسان وحريته.

عربي ودولي

السّبت 28 فبراير 2026 1:19 مساءً - بتوقيت القدس

استنفار جوي عربي وإغلاقات واسعة للمجالات الجوية عقب العدوان على إيران

شهدت المنطقة العربية حالة من الارتباك الواسع في حركة الملاحة الجوية، حيث سارعت عدة دول لإغلاق مجالاتها الجوية كلياً أو جزئياً. جاءت هذه التحركات بالتزامن مع بدء عدوان إسرائيلي أمريكي استهدف مواقع في العاصمة الإيرانية طهران ومدن أخرى صباح اليوم السبت. وسجلت بعض الدول المجاورة استهدافات واعتراضات لصواريخ في أراضيها، مما رفع مستوى التأهب الأمني إلى درجاته القصوى.

في العراق، أعلنت وزارة النقل عن قرار فوري بإغلاق المجال الجوي للبلاد بشكل كامل أمام جميع الرحلات القادمة والمغادرة والعابرة. وأوضح المتحدث باسم الوزارة، ميثم الصافي أن السلطات بدأت فعلياً في إجراءات إفراغ الأجواء العراقية من أي حركة طيران لضمان سلامة الطائرات المدنية. ويأتي هذا الإجراء في ظل التطورات العسكرية المتلاحقة التي تشهدها الجارة إيران والمنطقة المحيطة بها.

وعلى صعيد متصل، أعلنت إدارة مطار أربيل الدولي في إقليم كردستان العراق عن تعليق كافة الرحلات الجوية من وإلى المطار حتى إشعار آخر. وأكدت إدارة المطار أن هذا القرار يندرج ضمن التدابير الاحترازية الضرورية لحماية المسافرين والطواقم الجوية من أي مخاطر محتملة. وتراقب السلطات المحلية الوضع الميداني عن كثب لتحديد موعد استئناف العمليات الجوية بناءً على التقييمات الأمنية.

أما في دولة الكويت، فقد أصدرت الهيئة العامة للطيران المدني قراراً بوقف جميع الرحلات الجوية المتجهة إلى إيران حتى إشعار آخر. وصرح المتحدث الرسمي باسم الهيئة، عبدالله الراجحي أن القرار اتخذ نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية والعسكرية وإغلاق الأجواء الإيرانية بالكامل. وأشار الراجحي إلى أن بعض الرحلات المتوجهة لوجهات أخرى قد تشهد تأخيراً بسبب تغيير مساراتها بعيداً عن مناطق التوتر.

وفي دولة الإمارات، اتخذت الهيئة العامة للطيران المدني قراراً بالإغلاق المؤقت والجزئي للمجال الجوي كخطوة احترازية استباقية. وشددت الهيئة على أن الأولوية القصوى هي ضمان سلامة الرحلات الجوية وحماية أراضي الدولة بالتنسيق مع الشركاء المحليين والدوليين. كما دعت المسافرين إلى ضرورة التواصل مع شركات الطيران للحصول على آخر التحديثات بشأن رحلاتهم التي قد تتأثر بهذا الإغلاق.

من جانبها، أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني في قطر عن إيقاف حركة الملاحة الجوية في أجواء الدولة بشكل مؤقت. وأوضحت الهيئة أن هذا الإجراء يستند إلى آخر التطورات الجيوسياسية الحاصلة في المنطقة لضمان أعلى معايير السلامة الجوية. وأكدت السلطات القطرية استمرار التنسيق مع الجهات المختصة لمتابعة المستجدات والإعلان عن أي تحديثات فور توفرها للمسافرين والجمهور.

وفي سوريا، أعلنت السلطات المسؤولة عن الطيران المدني والنقل الجوي إغلاق الممرات الجوية في المنطقة الجنوبية للأجواء السورية مؤقتاً. وحددت الهيئة مدة الإغلاق بـ 12 ساعة، مشيرة إلى أنه سيتم تحويل حركة الملاحة عبر مسارات بديلة معتمدة مسبقاً. وتهدف هذه الخطوة إلى الحفاظ على انسيابية الحركة الجوية وضمان استمرارية العمليات التشغيلية وفقاً لأنظمة إدارة الحركة الجوية الدولية.

على الجانب الآخر، أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تفعيل خطة طوارئ خاصة وفورية شملت إغلاق المجال الجوي بالكامل أمام الرحلات المدنية. وتضمنت الإجراءات تحويل كافة الرحلات المتجهة إلى المطارات الإسرائيلية نحو مطارات بديلة في المنطقة وإلغاء جميع عمليات الإقلاع المقررة. كما شملت حالة الطوارئ تعليق الدراسة في عدة مناطق تزامناً مع بدء العمليات العسكرية ضد الأهداف الإيرانية.

وفي الداخل الإيراني، أعلنت منظمة الطيران المدني عن إغلاق المجال الجوي للبلاد بالكامل لمدة ست ساعات كإجراء أولي عقب الانفجارات. وجاء هذا القرار بعد سلسلة من الانفجارات التي هزت العاصمة طهران ومناطق محيطة بها، مما استدعى وقف كافة الأنشطة الجوية المدنية. وتراقب المنظمة الوضع الميداني لتحديد إمكانية تمديد الإغلاق أو إعادة فتح الأجواء بناءً على التطورات العسكرية.

تسببت هذه الإغلاقات المتزامنة في حالة من الفوضى بجدول الرحلات الدولية العابرة للمنطقة، حيث اضطرت مئات الطائرات لتغيير مساراتها. وأفادت مصادر ملاحية بأن شركات الطيران العالمية بدأت في سلوك مسارات أطول وأكثر تكلفة لتجنب مناطق النزاع المباشر. ويؤدي هذا التغيير في المسارات إلى زيادة ساعات الطيران واستهلاك الوقود، مما يلقي بظلاله على تكاليف النقل الجوي العالمي.

تؤكد الهيئات العربية للطيران المدني أنها في حالة انعقاد دائم لمتابعة الموقف الأمني وتأثيراته على سلامة الطيران المدني. وتشدد هذه الجهات على ضرورة اعتماد المعلومات من المصادر الرسمية فقط وتجنب الشائعات التي قد تثير القلق بين المسافرين. ويبقى استئناف الحركة الجوية الطبيعية رهناً بهدوء الأوضاع العسكرية وتراجع حدة التصعيد الذي يشهده الإقليم حالياً.

فلسطين

السّبت 28 فبراير 2026 1:19 مساءً - بتوقيت القدس

إيران تطلق عملية 'الوعد الصادق 4' وتستهدف حيفا وقواعد أمريكية بالمنطقة

أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني عن انطلاق عملية عسكرية واسعة تحت مسمى 'الوعد الصادق 4'، وذلك في رد فعل مباشر وسريع على الهجوم الإسرائيلي الأمريكي الذي استهدف مواقع إيرانية فجر اليوم السبت. وأكدت طهران أن هذا التحرك يأتي للدفاع عن سيادتها بعد تعرض مناطق عدة في البلاد لغارات جوية مكثفة طالت منشآت أمنية وصاروخية.

وشهدت الساعات الأخيرة دوي صفارات الإنذار في مناطق واسعة داخل الخط الأخضر، شملت الجليل ومرج ابن عامر ووادي عارة، وصولاً إلى مدينة تل أبيب. وأفادت مصادر ميدانية بأن الرشقات الصاروخية الإيرانية تسببت في حالة من الذعر العام، وسط محاولات من منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية للتصدي للأهداف المعادية.

وفي مدينة حيفا المحتلة، أكدت وسائل إعلام إسرائيلية سقوط صواريخ بشكل مباشر، مما أدى إلى تصاعد أعمدة الدخان الكثيفة من مواقع الاستهداف. وذكرت المصادر الطبية وقوع عدد من الإصابات في صفوف المستوطنين، في حين هرعت طواقم الإسعاف والإنقاذ إلى الأماكن المتضررة لتقييم حجم الخسائر البشرية والمادية.

وتشير التقديرات الأولية المستقاة من مصادر في العاصمة الإيرانية إلى أن الحرس الثوري أطلق ما لا يقل عن 30 صاروخاً باليستياً في الموجة الأولى من الهجوم. وجاء هذا التصعيد بعد مرور ساعتين فقط على الغارات التي استهدفت طهران، مما يعكس جاهزية عالية لدى القوة الصاروخية الإيرانية للرد الفوري.

ولم يقتصر الرد الإيراني على العمق الإسرائيلي فحسب، بل امتد ليشمل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، حيث أفادت وكالات أنباء إيرانية باستهداف قواعد تابعة لواشنطن. وأكدت وكالة 'تسنيم' أن الصواريخ استهدفت مراكز حيوية تستخدمها القوات الأمريكية، رداً على التنسيق المباشر مع تل أبيب في الهجوم الأخير.

وفي سياق متصل، دوت انفجارات في مناطق متفرقة من البحرين وأبو ظبي، بالتزامن مع تفعيل صفارات الإنذار في الكويت وقطر نتيجة النشاط الصاروخي المكثف في الأجواء. ومن جانبها، أعلنت السلطات القطرية عن نجاح دفاعاتها الجوية في اعتراض وإسقاط كافة الأهداف التي حاولت اختراق مجالها الجوي خلال جولة التصعيد.

وكشفت وكالة 'فارس' للأنباء أن أربع قواعد عسكرية أمريكية رئيسية في المنطقة تعرضت لضربات صاروخية مركزة نفذها الحرس الثوري الإيراني. وتأتي هذه الهجمات تنفيذاً لتهديدات سابقة أكدت فيها القيادة العسكرية الإيرانية أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي اعتداء ينطلق من أراضي دول الجوار أو القواعد الأجنبية.

وحذرت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية في بيان شديد اللهجة، من أن أي دولة تضع قواعدها أو أراضيها تحت تصرف الولايات المتحدة وإسرائيل ستعتبر شريكة في العدوان. وشدد البيان على أن تلك القواعد ستكون أهدافاً مشروعة للنيران الإيرانية في حال استمرار العمليات العسكرية ضد الجمهورية الإسلامية.

من جهتها، وصفت لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني الوضع الراهن بأنه نذير لحرب إقليمية شاملة قد لا تتوقف عند حدود معينة. وأشارت اللجنة إلى أن التنسيق الأمريكي الإسرائيلي في قصف المواقع الرسمية والأمنية في طهران قد دفع المنطقة نحو منزلق خطير يهدد الاستقرار الدولي بشكل عام.

عربي ودولي

السّبت 28 فبراير 2026 12:03 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد إقليمي غير مسبوق: هجمات صاروخية تستهدف قواعد أميركية في دول الخليج

شهدت منطقة الخليج العربي تصعيداً عسكرياً خطيراً اليوم السبت، حيث أعلنت وزارة الداخلية البحرينية عن دوي انفجارات عنيفة وتفعيل صفارات الإنذار في عدة مناطق. ووجهت السلطات نداءات عاجلة للمواطنين والمقيمين بضرورة التوجه فوراً إلى أقرب ملاجئ آمنة وتجنب استخدام الطرق الرئيسية لتسهيل حركة مركبات الطوارئ، وذلك في أعقاب بدء هجمات صاروخية متبادلة في المنطقة.

وأكدت مصادر رسمية تعرض مركز خدمة تابع للأسطول الخامس الأميركي في المنامة لهجوم صاروخي مباشر، فيما رصدت عدسات الكاميرات تصاعد أعمدة دخان كثيفة من منطقة الجفير التي تضم القاعدة البحرية الأميركية. وتأتي هذه التطورات الميدانية بعد وقت قصير من إعلان طهران عن توجيه ضربات صاروخية رداً على هجوم إسرائيلي أميركي استهدف الأراضي الإيرانية في وقت سابق من اليوم.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، أفادت مصادر ميدانية بوقوع انفجار وُصف بـ 'الهائل' في العاصمة أبوظبي، مما أثار حالة من القلق والترقب. وبالتزامن مع ذلك، سُمع دوي انفجارات مماثلة في مناطق متفرقة من دولة الكويت، وسط استنفار أمني واسع النطاق في كافة المرافق الحيوية والعسكرية بالدول الخليجية المتأثرة بالهجوم.

أما في دولة قطر، فقد دوت صفارات الإنذار في مختلف أرجاء البلاد، تزامناً مع دعوة وزارة الداخلية القطرية لجميع المواطنين بضرورة الابتعاد الفوري عن المناطق والمنشآت العسكرية. كما اتخذت السلطات القطرية قراراً عاجلاً بإيقاف حركة الطيران في الأجواء الوطنية مؤقتاً كإجراء احترازي لضمان سلامة الملاحة الجوية في ظل التهديدات الصاروخية القائمة.

من جانبها، أصدرت السفارة الأميركية في الدوحة تعليمات مشددة لموظفيها وجميع الرعايا الأميركيين بضرورة الالتزام بالبقاء داخل المنازل وعدم المغادرة تحت أي ظرف حتى إشعار آخر. وأوضحت السفارة عبر منصاتها الرسمية أن هذه الإجراءات تأتي ضمن بروتوكولات الأمن المشددة لحماية مواطنيها من التداعيات المحتملة للهجمات الصاروخية التي طالت قواعد عسكرية في المنطقة.

وفي سياق متصل، أعلنت كل من العراق والإمارات العربية المتحدة عن إغلاق جزئي ومؤقت للمجال الجوي أمام حركة الطيران المدني والتجاري. وتأتي هذه الخطوات التنسيقية في ظل حالة من عدم اليقين الأمني، حيث تسعى دول المنطقة لتقليل المخاطر الناجمة عن تبادل الرشقات الصاروخية والنشاط العسكري المكثف في سماء الإقليم.

تحليل

السّبت 28 فبراير 2026 11:21 صباحًا - بتوقيت القدس

اتهام أممي لإسرائيل بالسعي إلى تغيير ديموغرافي دائم: تصعيد لغوي يعكس تحولاً في الخطاب الدولي

واشنطن – سعيد عريقات -28/2/2028

تحليل إخباري

لم تكن كلمات المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمام مجلس حقوق الإنسان هذا الأسبوع مجرد عرض دوري لتقرير حقوقي، بل بدت مؤشراً على تحول ملحوظ في طبيعة الخطاب الأممي تجاه الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

فحين تحدث تورك عن احتمال سعي إسرائيل إلى إحداث "تغيير ديموغرافي دائم" في قطاع غزة والضفة الغربية، استخدم أحد أكثر المصطلحات حساسية في القانون الدولي، وهو توصيف نادراً ما يظهر في بيانات أممية بهذا الوضوح السياسي والقانوني.

التقرير، الذي يغطي الفترة بين تشرين الثاني 2024 وتشرين الأول 2025، خلص إلى وجود ما وصفه المسؤول الأممي بـ"استهتار تام بحقوق الإنسان"، مشيراً إلى تدمير واسع النطاق للأحياء السكنية، وقيود مشددة على السكان، واستخدام المساعدات الإنسانية ضمن سياق الصراع العسكري.

وحذر تورك من إن تراكم هذه الإجراءات "يبدو أنه يهدف إلى تغيير ديموغرافي دائم"، محذراً من مخاوف متزايدة بشأن التطهير العرقي — وهو توصيف يحمل تبعات قانونية قد تتجاوز الإدانة السياسية إلى نقاشات المساءلة الدولية.

غزة: هدنة بلا نهاية للأزمة

رغم إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025، يشير التقرير إلى أن الواقع الإنساني في غزة لم يشهد تحسناً جوهرياً. فقد قُتل أكثر من 600 فلسطيني وأصيب أكثر من 1600 آخرين منذ بدء الهدنة، فيما وثّقت الأمم المتحدة نحو 1700 انتهاك شملت قيوداً على المساعدات ومنع العلاج الطبي والهجمات المتكررة.

وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت المجاعة في القطاع خلال أغسطس/آب 2025، بينما استمر انتشار سوء التغذية نتيجة محدودية تدفق الإمدادات الإنسانية.

وأشار تورك إلى إن المدنيين ما زالوا يموتون بسبب القصف والجوع والبرد والأمراض التي يمكن علاجها، مضيفاً أن ما يحدث "كان سيُعتبر أزمة عالمية كبرى لو وقع في أي مكان آخر".

وتشير تقديرات أممية إلى مقتل أكثر من 72 ألف فلسطيني، معظمهم من المدنيين، منذ أن شنت إسرائيل حربها الوحشية على غزة في تشرين الأول 2023، إضافة إلى تدمير أكثر من 80% من البنية التحتية في القطاع، ما أدى إلى انهيار شبه كامل لمقومات الحياة المدنية.

ويمثل استخدام الأمم المتحدة لمصطلح "التغيير الديموغرافي" نقطة تحول في توصيف النزاع، إذ تنتقل المؤسسة الدولية من توثيق النتائج الإنسانية للحرب إلى تحليل النوايا والأنماط السياسية طويلة الأمد. هذا التطور يعكس تزايد القلق داخل الأوساط القانونية الدولية من أن العمليات العسكرية لم تعد تُفهم فقط كاستجابة أمنية، بل كجزء من واقع جديد يُعاد تشكيله على الأرض. ومع ذلك، يبقى السؤال المركزي ما إذا كان التصعيد اللغوي سيتحول إلى ضغط سياسي فعلي أم سيظل ضمن حدود الإدانة الرمزية المعتادة.

الضفة الغربية: تغييرات إدارية ذات أبعاد إستراتيجية

في الضفة الغربية المحتلة، وصف التقرير الوضع بأنه "مقلق للغاية"، مشيراً إلى مقتل أكثر من ألف فلسطيني خلال الفترة نفسها، بالتوازي مع إجراءات إسرائيلية توسع نطاق الإدارة المدنية في مناطق كانت تخضع للحكم العسكري.

ويرى تورك أن هذه الخطوات تُرسخ واقعاً يقترب تدريجياً من الضم، وهو ما يعتبره القانون الدولي غير شرعي في الأراضي المحتلة. ويشير مراقبون إلى أن هذه التحولات الإدارية قد تكون أكثر تأثيراً على المدى الطويل من العمليات العسكرية نفسها، لأنها تغيّر البنية القانونية والسياسية للأرض.

ووصف المفوض السامي الوضع العام بأنه "كارثة من صنع الإنسان"، محمّلاً إسرائيل مسؤولية التهجير القسري، ومنتقداً غياب المساءلة الدولية عن الانتهاكات الجسيمة.

وتكشف تصريحات تورك عن معضلة أعمق تتجاوز الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي نفسه، وهي محدودية قدرة النظام الدولي على تحويل التقارير القانونية إلى إجراءات تنفيذية. فبينما تتراكم الأدلة والتوصيفات القانونية، تبقى آليات المحاسبة خاضعة لاعتبارات سياسية داخل مجلس الأمن والتحالفات الدولية. هذه الفجوة بين القانون والسياسة لا تؤثر فقط على مسار الصراع، بل تهدد أيضاً مصداقية منظومة حقوق الإنسان العالمية، إذ يزداد الانطباع بأن قوة الدولة، لا حجم الانتهاك، هي العامل الحاسم في تحديد مستوى المساءلة.

حقوق الإنسان كشرط للاستقرار

في ختام كلمته، شدد تورك على أن أي عملية إعادة إعمار أو مسار سياسي مستقبلي لن يكون قابلاً للاستدامة دون وضع حقوق الإنسان في مركز الحلول المطروحة.

وقال إن حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية "سُحقت"، مؤكداً أن تحقيق الاستقرار الدائم يتطلب معالجة جذور الأزمة وليس فقط إدارة تداعياتها الإنسانية.

وبينما تستمر الحرب في إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي للمنطقة، يبدو أن تقرير المفوض السامي لا يكتفي بوصف المأساة، بل يطرح سؤالاً أوسع أمام المجتمع الدولي: هل ما يجري أزمة إنسانية عابرة، أم لحظة إعادة رسم دائمة؟

عربي ودولي

السّبت 28 فبراير 2026 11:03 صباحًا - بتوقيت القدس

عدوان إسرائيلي أمريكي يستهدف طهران وتكتم أمني حول موقع المرشد الأعلى

شهدت العاصمة الإيرانية طهران فجر اليوم السبت موجة من الغارات الجوية العنيفة ضمن عدوان إسرائيلي أمريكي مشترك، طال منشآت حيوية ومواقع عسكرية تابعة للنظام. وأكدت مصادر إعلامية إيرانية أن الرئيس مسعود بزشكيان لم يصب بأذى وهو في حالة جيدة، وذلك رداً على ادعاءات عبرية زعمت استهداف كافة مفاصل القيادة السياسية والعسكرية في البلاد.

ونقلت مصادر صحفية عن جهات أمنية في تل أبيب أن الهجوم الواسع صُمم ليطال جميع عناصر النظام الإيراني دون استثناء. وأوضحت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن الموجة الأولى من الضربات ركزت بشكل مباشر على شخصيات قيادية رفيعة المستوى، حيث تجري حالياً عمليات التحقق من نتائج تلك الاستهدافات ومدى دقتها في تحقيق أهدافها.

وفي سياق متصل، أشارت تقارير ميدانية إلى أن دائرة الاستهداف لم تقتصر على المواقع العسكرية فحسب، بل شملت وزارات سيادية ومقرات تابعة للحرس الثوري. كما ركزت الغارات على تدمير منصات إطلاق الصواريخ البالستية والبنية التحتية المرتبطة بالبرنامج الصاروخي الإيراني، في محاولة لتقويض القدرات الردعية لطهران.

وعلى صعيد التحركات الأمنية للقيادة العليا، سادت حالة من الغموض والتكتم الشديد حول مكان تواجد المرشد الأعلى للثورة الإيرانية. وبينما تداولت أنباء دولية معلومات عن نقله إلى موقع حصين خارج العاصمة طهران، أكدت مصادر ميدانية صعوبة التأكد من موقعه الدقيق في ظل الظروف الأمنية الراهنة والإجراءات المشددة المحيطة بتحركاته.

وكان المرشد الأعلى قد ظهر علناً خلال الأيام القليلة الماضية في لقاءات جماهيرية حاشدة داخل حسينية الإمام الخميني الملحقة بمقره الرسمي في قلب العاصمة. هذا الظهور العلني سبقه تحذيرات من تصعيد محتمل، إلا أن وتيرة الهجوم الأخير فرضت بروتوكولات أمنية جديدة تمنع الكشف عن تفاصيل تحركات القيادة العليا للدولة.

من جانبها، رفعت الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية حالة التأهب إلى الدرجة القصوى، معلنةً استعدادها لجولات مطولة من تبادل الضربات قد تستمر لعدة أيام. وتتوقع الدوائر العسكرية في تل أبيب رداً إيرانياً وشيكاً، مما دفعها لتوسيع بنك الأهداف ليشمل منشآت استراتيجية إضافية في حال استمرار المواجهة المباشرة.

وتأتي هذه التطورات المتسارعة في ظل شراكة عملياتية كاملة بين واشنطن وتل أبيب، حيث تم التنسيق للعدوان على مستويات رفيعة لضمان تحقيق أقصى درجات التأثير. وتراقب العواصم الدولية بقلق شديد مآلات هذا التصعيد العسكري غير المسبوق، والذي يضع المنطقة برمتها على حافة مواجهة إقليمية شاملة ومفتوحة على كافة الاحتمالات.

عربي ودولي

السّبت 28 فبراير 2026 10:19 صباحًا - بتوقيت القدس

تقارير استخباراتية تفند مزاعم إدارة ترامب بشأن التهديد النووي والصاروخي الإيراني

كشفت مصادر صحفية دولية عن شكوك واسعة تحيط بالمبررات التي تسوقها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتمهيد لعمل عسكرية ضد إيران. وأشار تقرير موسع إلى أن الادعاءات التي طرحها البيت الأبيض مؤخراً وُصفت بأنها غير مثبتة أو تفتقر للدقة العلمية والاستخباراتية.

تركزت رواية الإدارة الأمريكية على ثلاثة محاور أساسية، تدعي أن طهران استأنفت برنامجها النووي بشكل كامل، وأنها باتت قادرة على إنتاج قنبلة نووية في غضون أيام قليلة. كما زعم ترامب أن إيران تطور صواريخ باليستية بعيدة المدى قادرة على استهداف المدن الأمريكية في وقت قريب جداً.

في المقابل، رسم مسؤولون أمريكيون وأوروبيون صورة مغايرة تماماً للواقع الميداني، مؤكدين عدم وجود أدلة ملموسة على سعي طهران لبناء آلية تفجير نووية. وأوضحت المصادر أن النشاط الإيراني الحالي يقتصر على ترميم بعض المواقع التي تضررت في هجمات سابقة دون إحداث خرق تقني استراتيجي.

أكدت تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والذي يقدر بنحو ألف رطل، لا يزال مخزناً تحت الأرض في منشأة أصفهان. وأضافت المصادر أن استخراج هذه المواد وتحويلها إلى رؤوس حربية يتطلب شهوراً طويلة، مما ينفي مزاعم القدرة على تصنيع قنبلة خلال أيام.

على صعيد القدرات الصاروخية، أفادت مصادر استخباراتية بأن ترامب بالغ بشكل كبير في تقدير التهديد الإيراني للأراضي الأمريكية. وخلصت تقييمات وكالة استخبارات الدفاع إلى أن تطوير صواريخ عابرة للقارات يحتاج إلى عقد من الزمن وجهود تقنية مكثفة لم تبدأ طهران بها بعد.

أبدى محللون في أجهزة الاستخبارات قلقهم من احتمالية عرض المعلومات بشكل انتقائي أو مشوه أمام القيادة السياسية لتبرير قرارات مسبقة. وشبهت المصادر هذه الأجواء بما سبقت غزو العراق عام 2003، حين استُخدمت ادعاءات كاذبة حول أسلحة الدمار الشامل لتبرير التحرك العسكري.

من جانبه، أعرب النائب جيم هايمز، كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، عن قلقه العميق عقب اجتماعات مغلقة مع مسؤولين في الإدارة. وأكد هايمز أنه لم يستمع إلى أي مبرر مقنع يدفع الولايات المتحدة للانخراط في حرب جديدة في منطقة الشرق الأوسط المشتعلة أصلاً.

رغم تأكيدات ترامب في خطابه الأخير أن الضربات السابقة قضت على البرنامج النووي الإيراني، إلا أنه عاد ليحذر من طموحات طهران المتجددة. هذا التناقض في التصريحات أثار تساؤلات حول الأهداف الحقيقية للتصعيد الكلامي والميداني الذي تنتهجه الإدارة الحالية تجاه الملف الإيراني.

تشير المعطيات إلى أن موقع فوردو النووي الحساس لا يزال خارج الخدمة منذ الهجمات التي استهدفته في يونيو الماضي. وتؤكد المصادر أن إيران لم تنشئ أي مواقع نووية جديدة منذ ذلك الحين، رغم رصد محاولات للحفر في أعماق أكبر لحماية المنشآت المستقبلية من القنابل الخارقة للتحصينات.

في سياق متصل، لفت مراقبون إلى أن خطاب ترامب الأخير اتسم بالتركيز على لغة الأرقام والمكاسب المالية الضخمة، وهو ما يعكس نهجه السياسي المثير للجدل. وقد حظي الخطاب بمتابعة جماهيرية واسعة، رغم الانتقادات الدولية الحادة التي طالت سياساته الخارجية، بما في ذلك استخدامه للفيتو لتعطيل وقف الحرب في غزة.

أقر وزير الخارجية ماركو روبيو في تصريحات لاحقة بعدم وجود دليل قاطع على قيام إيران بتخصيب الوقود النووي في الوقت الراهن. ومع ذلك، استمر في التحذير من أن طهران تسير على طريق تطوير أسلحة قد تصل يوماً ما إلى الولايات المتحدة القارية، دون تحديد سقف زمني دقيق.

شكك بعض المشرعين الجمهوريين في التقارير التي استند إليها مستشارو البيت الأبيض، حيث صرح السناتور ماركواين مولين بأنه لم يطلع على أي بيانات تدعم فرضية القنبلة الوشيكة. ويعكس هذا الانقسام داخل الحزب الجمهوري حالة من عدم اليقين بشأن دقة المعلومات التي تُبنى عليها قرارات الحرب والسلم.

تاريخياً، ركزت إيران قدراتها الصاروخية على الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى لتعزيز قوة الردع الإقليمي ضد خصومها في المنطقة. وتؤكد المصادر أن تحويل هذا التركيز إلى صواريخ عابرة للقارات لم يصبح أولوية قصوى لطهران بعد، خلافاً لما تروجه الإدارة الأمريكية في المحافل الدولية.

يبقى التوتر سيد الموقف في واشنطن، حيث تتزايد الضغوط من أجل تقديم أدلة شفافة قبل اتخاذ أي خطوة عسكرية قد تشعل المنطقة. وتستمر المصادر في التحذير من أن الاعتماد على مزاعم مشكوك فيها قد يؤدي إلى كوارث استراتيجية تكرر أخطاء الماضي في التدخلات العسكرية الخارجية.

اسرائيليات

السّبت 28 فبراير 2026 10:18 صباحًا - بتوقيت القدس

حرب الممرات الاقتصادية: خطة إسرائيلية لترسيخ نظام إقليمي جديد يربط الهند بأوروبا

تناول تحليل استراتيجي نشرته صحيفة 'معاريف' العبرية، للعميد احتياط في جيش الاحتلال عميت ياغور، التحركات الإسرائيلية المتسارعة نحو تعزيز العلاقات مع الهند. وأوضح التحليل أن هذه التحركات تهدف إلى بناء ما وصفه بـ 'محور الفرص'، الذي يسعى لتجاوز التهديدات الأمنية التقليدية والتركيز على المصالح الاقتصادية المشتركة.

وفقاً للرؤية التي طرحها ياغور، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل تعملان على إرساء نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط. هذا النظام لا يستند إلى الانتماءات القبلية أو الدينية، بل يرتكز بشكل أساسي على قطاعات الطاقة والتجارة والشراكات الاقتصادية العابرة للحدود.

تعتمد هذه الخطة الطموحة على إنشاء 'طريق حرير' عصري يمتد من الشرق الأقصى وصولاً إلى العالم الغربي وأوروبا. ويتموضع الشرق الأوسط في قلب هذا المشروع كممر حيوي يربط بين الهند وأوروبا، فيما يعرف بمشروع ممر (IMEC) الاقتصادي العالمي.

وبحسب المخطط المرسوم، فإن الهند ستمثل البوابة الشرقية الكبرى لهذا الممر نظراً لثقلها الاقتصادي المتنامي. في المقابل، ستلعب إسرائيل دور البوابة الغربية المؤدية إلى القارة الأوروبية، مما يمنحها ثقلاً جيوسياسياً غير مسبوق في المنطقة.

يشير التحليل إلى أن دولاً مثل الإمارات والسعودية والأردن تمثل 'قلب الممر'، حيث ستستخدم كطرق برية لنقل البضائع والطاقة بعد تفريغها من السفن. هذا الربط البري يهدف إلى تسريع حركة التجارة العالمية وتقليل الاعتماد على المسارات البحرية التقليدية الطويلة.

على الصعيد الغربي، نجحت إسرائيل في تأسيس جناح دفاعي واقتصادي عبر تحالفات مع قبرص واليونان. هذا التحالف يضمن تدفق الصادرات الإسرائيلية، سواء كانت بضائع أو طاقة عبر خطوط الأنابيب، لتصل إلى العمق الأوروبي عبر الموانئ اليونانية والفرنسية.

تكتسب زيارة رئيس الوزراء الهندي الأخيرة أهمية بالغة، حيث اعتبرها المحلل الإسرائيلي إعلاناً رسمياً عن تدشين الجناح الشرقي للمحور. هذه الخطوة تهدف إلى تثبيت مكانة إسرائيل كعنصر لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية أو دولية مستقبلية.

من الناحية الأمنية، يرى ياغور أن الاتفاقيات الدفاعية الواسعة مع الهند واليونان ليست مجرد إجراءات لحماية الحدود. بل هي أدوات مؤسسية تهدف لتعزيز الشراكة الاستراتيجية وبناء بنية تحتية إقليمية متكاملة تحمي المصالح الاقتصادية للمشاركين في الممر.

في المقابل، تبرز تحديات إقليمية لهذه الخطة، حيث تسعى تركيا وقطر لتقويض هذا المسار عبر طرح بدائل تتجاوز إسرائيل. وتعتمد هذه البدائل على توجيه تدفقات التجارة من الشرق عبر الأردن وسوريا وصولاً إلى الأراضي التركية ومنها إلى أوروبا.

يشير التحليل أيضاً إلى وجود صراع نفوذ يهدف للتأثير على الموقف السعودي والإماراتي تجاه هذا المشروع. حيث تحاول بعض الأطراف دفع الإمارات للتخلي عن تحالفها الوثيق مع إسرائيل، بينما تسعى إسرائيل لإيجاد مسارات بديلة تتجاوز أي عقبات سياسية.

من بين الحلول المقترحة للتغلب على التحديات الجغرافية، يبرز التوجه نحو الاعتراف بـ 'صوماليلاند' (أرض الصومال). ويأتي هذا الاهتمام نظراً لموقعها الاستراتيجي المتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، مما يوفر تأميناً إضافياً لمسارات الملاحة.

على صعيد الموانئ، تبرز تحركات مجموعة موانئ أبوظبي في ميناء العقبة الأردني كجزء من هذا التكامل. حيث وقعت المجموعة اتفاقية طويلة الأمد لإدارة وتشغيل الميناء، مما يعزز من كفاءة الربط البري والبحري ضمن منظومة ممر (IMEC).

كما تلعب شركة 'أداني' الهندية، التي تدير ميناء حيفا، دوراً محورياً في الربط مع أوروبا عبر شراكات مع ميناء مرسيليا الفرنسي. هذا الترابط بين الموانئ التي تديرها جهة واحدة يسهل من عملية انتقال البضائع ويقلل من العوائق اللوجستية بين الشرق والغرب.

ختم ياغور تحليله بالإشارة إلى أن نجاح إسرائيل في ترسيخ ضلعي المحور الشرقي والغربي يثبت قيمتها الاستراتيجية للولايات المتحدة. وأضاف أن المشروع قد يتوسع مستقبلاً ليشمل دولاً أخرى في حال تغيرت الظروف السياسية، بما يضمن هيمنة هذا المسار الاقتصادي.

فلسطين

السّبت 28 فبراير 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس

هجوم إسرائيلي واسع على إيران بتنسيق أمريكي وإعلان حالة الطوارئ

أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، صباح اليوم السبت، عن انطلاق عملية عسكرية استباقية ضد أهداف في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وأكد كاتس أن هذا الهجوم يأتي بزعم إزالة التهديدات الإيرانية المباشرة، مشدداً على فرض حالة طوارئ قصوى في كافة أنحاء إسرائيل لمواجهة أي تداعيات محتملة.

وفي سياق متصل، كشفت مصادر دفاعية أن العملية العسكرية الجارية تم تنسيقها بشكل كامل ومسبق مع الإدارة الأمريكية. وأشارت التقارير إلى أن التخطيط لهذا الهجوم استمر لعدة أشهر، بينما جرى تحديد ساعة الصفر قبل أسابيع من الآن لضمان تحقيق الأهداف الاستراتيجية المرجوة.

وشهدت العاصمة الإيرانية طهران دوي انفجارات عنيفة هزت أرجاء المدينة، حيث سقطت صواريخ في شارعي الجامعة وجمهوري الحيويين. وأفادت مصادر ميدانية بتصاعد أعمدة دخان كثيفة من وسط العاصمة، وتحديداً في محيط شارع باستور، مما أثار حالة من الذعر بين السكان في وقت السحور من اليوم العاشر لشهر رمضان.

وأوضحت مصادر إعلامية أن الغارات الجوية استهدفت مناطق متفرقة شملت شرق وشمال العاصمة، بالإضافة إلى أقصى الغرب حيث يقع مطار مهر أباد الداخلي. كما طالت الاستهدافات مواقع في شارعي فلسطين ووصال، فيما أكدت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن الهجوم يركز على منشآت رسمية وقواعد صاروخية ومراكز أمنية حساسة.

وعلى الصعيد القيادي، ذكرت مصادر مطلعة أنه تم نقل المرشد الإيراني علي خامنئي إلى موقع آمن خارج العاصمة طهران كإجراء احترازي. وفي الوقت ذاته، أعلنت سلطات الطيران المدني الإيرانية إغلاق المجال الجوي للبلاد بشكل كامل أمام كافة الرحلات الجوية، وهو إجراء اتخذته أيضاً السلطات العراقية لتأمين أجوائها.

وفي الجانب الإسرائيلي، أصدر الجيش تعليمات فورية وصارمة للجبهة الداخلية، شملت حظر الأنشطة التعليمية والتجمعات العامة وإغلاق أماكن العمل غير الحيوية. كما قررت وزارة النقل إغلاق المجال الجوي الإسرائيلي أمام الملاحة المدنية، تحسباً لرد إيراني وشيك بعد رصد تفعيل صفارات الإنذار في عدة مناطق.

وتأتي هذه التطورات العسكرية المتسارعة في ظل توتر سياسي حاد، حيث صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مؤخراً برفضه التام لأي نشاط إيراني في تخصيب اليورانيوم. وجاءت هذه التصريحات عقب جولة مفاوضات في جنيف لم تسفر عن نتائج ملموسة، مما دفع واشنطن لتحذير رعاياها من السفر إلى إيران ومطالبة المقيمين هناك بالمغادرة فوراً.

ميدانياً في فلسطين، لم يتوقف العدوان الإسرائيلي بالتزامن مع الهجوم على إيران، حيث استشهد 7 فلسطينيين في غارات متفرقة على قطاع غزة. واستهدفت طائرات مسيرة منطقة المسلخ بخان يونس، مما أدى لوصول ثلاثة شهداء إلى مستشفى ناصر، بينما استشهد آخرون في غارات استهدفت مداخل مخيم البريج ومدينة بيت لاهيا.

وتشير الإحصائيات إلى تصاعد خطير في عدد الضحايا، حيث بلغ عدد الشهداء نتيجة خروقات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر الماضي نحو 618 شهيداً. ويرتفع بذلك إجمالي ضحايا العدوان المستمر منذ أكتوبر 2023 إلى أكثر من 72 ألف شهيد و171 ألف جريح، في ظل استمرار القصف العشوائي واستهداف المدنيين.

وفي الضفة الغربية، أفادت مصادر محلية بإغلاق البوابات الحديدية المحيطة بالمدن والقرى الفلسطينية ضمن إجراءات الطوارئ التي أعلنتها سلطات الاحتلال. وتعيش المنطقة حالة من الترقب الشديد بانتظار ما ستسفر عنه الساعات القادمة، خاصة مع تأكيدات إسرائيلية بأنها تتوقع رداً عسكرياً إيرانياً مباشراً على هذه الغارات.

يُذكر أن هذا التصعيد العسكري الكبير يأتي في وقت حساس من شهر رمضان المبارك، مما يزيد من تعقيد المشهد الإنساني والسياسي في المنطقة. وتراقب القوى الدولية والإقليمية مسار الأحداث، وسط مخاوف من انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة تتجاوز حدود الاشتباكات المباشرة الحالية بين طهران وتل أبيب.

عربي ودولي

السّبت 28 فبراير 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد واسع جنوب لبنان: غارات إسرائيلية مكثفة وبدء هجوم مشترك مع واشنطن

شهدت مناطق جنوب لبنان صباح اليوم السبت موجة عنيفة من الغارات الجوية الإسرائيلية التي تركزت بشكل مكثف على إقليم التفاح وقضاء جزين. وأفادت مصادر ميدانية برصد أكثر من عشر غارات استهدفت نقاطاً متفرقة شملت منطقة القطراني ووادي برغز، مما أدى إلى تصاعد كثيف لأعمدة الدخان التي غطت سماء المناطق المستهدفة.

وامتدت العمليات الجوية لتطال محيط بلدة بلاط في قضاء مرجعيون، بالإضافة إلى سلسلة غارات مركزة بين بلدتي الريحان وسجد. وتزامن هذا القصف مع تحليق مكثف للطيران الحربي الإسرائيلي على مستويات منخفضة فوق مناطق البقاع شرقي البلاد، مما أثار حالة من القلق والترقب في الأوساط الشعبية.

من جانبه، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أن هجماته استهدفت ما وصفها بـ 'بنى تحتية إرهابية' تابعة لحزب الله، مشيراً إلى ضرب منصات لإطلاق الصواريخ وفتحات أنفاق تحت أرضية. وادعى البيان العسكري أن هذه العمليات تهدف إلى منع الحزب من ترميم قدراته العسكرية أو التسلح مجدداً لضمان إزالة أي تهديد مستقبلي.

وفي سياق متصل، أكدت مصادر إعلامية استهداف ثمانية مقرات عسكرية تابعة لـ 'قوة الرضوان'، التي تمثل قوات النخبة في حزب الله، بضربات دقيقة في العمق الجنوبي. وتأتي هذه التحركات في إطار استراتيجية إسرائيلية معلنة للحد من قدرة الحزب على شن هجمات واسعة في حال تدهور الأوضاع الإقليمية.

وعلى الجانب الآخر من الحدود، أصدرت مجالس المستوطنات في شمال إسرائيل تحذيرات عاجلة للسكان بضرورة التأهب لسماع دوي انفجارات قوية ناتجة عن نشاط سلاح الجو. وتعكس هذه التحذيرات حجم العملية العسكرية الجارية وتوقع ردود فعل محتملة من الجانب اللبناني على التصعيد المستمر.

وفي تطور ميداني لافت، كشفت تقارير إخبارية عن بدء هجوم إسرائيلي أمريكي مشترك صباح السبت، في خطوة تشير إلى تنسيق عسكري عالي المستوى بين الطرفين. وجاء هذا التحرك بعد وصول تعزيزات من المقاتلات الحربية الأمريكية إلى القواعد الإسرائيلية استعداداً لمواجهة أي سيناريوهات تصعيدية في المنطقة.

وتربط الدوائر السياسية الإسرائيلية بين هذه الغارات وبين التوترات المتصاعدة مع طهران، حيث تضع تل أبيب هجماتها في سياق استباقي لمنع حزب الله من التدخل. وتسعى إسرائيل من خلال هذه الضربات إلى توجيه رسالة ردع واضحة بأن أي مشاركة للحزب في صراع إقليمي ستقابل برد عسكري مدمر.

وتشير المعطيات الراهنة إلى أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة، خاصة مع انخراط القوات الأمريكية في العمليات الجارية. وتراقب الأوساط الدولية بحذر تداعيات هذا الهجوم المشترك ومدى تأثيره على استقرار الجبهة الشمالية وإمكانية انزلاقها نحو حرب شاملة.

يُذكر أن إسرائيل كانت قد هددت مراراً باستهداف الدولة اللبنانية ومرافقها الحيوية في حال قرر حزب الله الانخراط في أي مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران. وتأتي غارات اليوم لتؤكد جدية هذه التهديدات في ظل التحشيد العسكري غير المسبوق الذي تشهده المنطقة.

فلسطين

السّبت 28 فبراير 2026 8:51 صباحًا - بتوقيت القدس

إسرائيل تشن هجوماً استباقياً على إيران وانفجارات تهز طهران

أعلن وزير الأمن الإسرائيلي، صباح اليوم السبت، عن انطلاق عملية عسكرية استباقية تستهدف العمق الإيراني. وتزامن هذا الإعلان مع تقارير ميدانية أفادت بسماع دوي انفجارات عنيفة وتصاعد أعمدة الدخان من وسط العاصمة طهران، في تطور دراماتيكي ينذر بمواجهة إقليمية واسعة النطاق.

وأفادت مصادر إعلامية بأن صفارات الإنذار دوت في مناطق واسعة داخل إسرائيل، في حين أصدرت قيادة الجبهة الداخلية تعليمات جديدة ومشددة للمستوطنين، تحسباً لأي رد فعل انتقامي قد تشنه طهران أو حلفاؤها في المنطقة. وتأتي هذه التطورات في وقت وصل فيه التحشيد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط إلى ذروته، مما يعكس تنسيقاً أو استعداداً لسيناريوهات الحرب الشاملة.

على الصعيد الميداني، أكدت مصادر مطلعة أن الانفجارات في طهران تسببت في حالة من الاستنفار الأمني الكبير، بينما لا تزال طبيعة الأهداف التي طالها الهجوم الإسرائيلي غير واضحة بدقة حتى اللحظة. ويأتي هذا الهجوم بعد سلسلة من التهديدات المتبادلة والمؤشرات المتضاربة حول إمكانية التوصل إلى تهدئة دبلوماسية، والتي يبدو أنها انهارت أمام خيار التصعيد العسكري المباشر.

عربي ودولي

السّبت 28 فبراير 2026 8:33 صباحًا - بتوقيت القدس

خريف التنين: الأزمة الديموغرافية تضع مستقبل الصين الاقتصادي والسياسي على المحك

لم تعد الأزمة الديموغرافية في الصين مجرد فرضيات أكاديمية أو تنبؤات بعيدة المدى، بل تحولت إلى واقع ملموس يفرض نفسه على مراكز صنع القرار في بكين. وأفادت مصادر إحصائية رسمية بأن البلاد سجلت في مطلع عام 2026 أدنى معدل مواليد لها منذ تأسيس الجمهورية عام 1949، ما يعكس تحولاً جذرياً في بنية المجتمع الصيني.

ووفقاً للبيانات الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء، فقد وُلد أقل من ثمانية ملايين طفل خلال عام 2025، وهو رقم صادم لدولة ارتبط اسمها تاريخياً بالوفرة البشرية الهائلة. هذا الانخفاض وضع الصين ضمن قائمة المجتمعات الأقل خصوبة عالمياً، بمعدل يبلغ نحو 5.6 مولود لكل 1000 نسمة، لتتشابه في شيخوختها مع الاقتصادات الأوروبية المتقدمة.

ويعد العام الحالي هو الرابع على التوالي الذي يسجل فيه إجمالي عدد سكان الصين انكماشاً واضحاً، مما يحول التحدي الديموغرافي من أزمة عابرة إلى واقع بنيوي دائم. لقد انقلبت المخاوف الرسمية التي دامت لعقود من تضخم السكان إلى رعب حقيقي من التناقص المتسارع في جيل المستقبل وقوة العمل.

الهرم السكاني الصيني بدأ يضيق بشكل حاد من قاعدته بينما تزداد كثافة قمته بفعل زيادة أعداد كبار السن، مما يهدد أسس النموذج الاقتصادي الذي اعتمد على العمالة الرخيصة والوفيرة. هذا التحول يحمل دلالات استراتيجية بالغة، حيث كان حجم السكان يمثل دائماً مصدر ثقة وطنية وعمقاً استراتيجياً للدولة الآسيوية الصاعدة.

ورغم محاولات الحكومة لتصحيح المسار عبر إنهاء سياسة الطفل الواحد والسماح بإنجاب ثلاثة أطفال، إلا أن النتائج جاءت مخيبة للآمال الرسمية. وتكشف أرقام عام 2025 أن معدل الخصوبة استقر عند مولود واحد لكل امرأة، وهو نصف مستوى الإحلال المطلوب لاستقرار عدد السكان والبالغ 2.1 مولود.

وتشير مصادر تحليلية إلى أن الأسباب الكامنة وراء هذا العزوف هي أسباب هيكلية مرتبطة بنمط الحياة الحديث والتوسع الحضري المتسارع. فقد أصبحت أسعار المساكن في المدن الكبرى مثل بكين وشنغهاي من بين الأعلى عالمياً مقارنة بالدخل، مما يجعل تكوين أسرة مستقرة حلماً بعيد المنال للكثير من الشباب.

إلى جانب أزمة السكن، تبرز تكاليف رعاية الأطفال والتعليم التنافسي كعقبات رئيسية تستنزف مدخرات الأسر وتزيد من الضغوط النفسية. وباتت الأبوة في المجتمع الصيني المعاصر تُصنف لدى قطاعات واسعة كـ 'مقامرة اقتصادية' غير مأمونة النتائج في ظل غلاء المعيشة المتزايد.

كما تلعب العوامل الاجتماعية دوراً حاسماً، حيث يتناقص عدد حالات الزواج سنوياً، ويميل من يقرر الزواج إلى تأخير هذه الخطوة لسنوات متأخرة. هذا التوجه يتزامن مع تقلص سريع في عدد النساء في سن الإنجاب، وهي نتيجة حتمية لسياسات تحديد النسل الصارمة التي طُبقت في العقود الماضية.

ولم تنجح الحوافز الحكومية، التي شملت إعفاءات ضريبية ودعماً للإسكان، في إحداث خرق حقيقي في القناعات الاجتماعية السائدة لدى الأجيال الشابة. وتؤكد مصادر مطلعة أن الفجوة تتسع بين الخطاب الرسمي الذي يحث على الإنجاب وبين الواقع المعيشي الذي يفرض ثقافة عمل منهكة لا تترك مجالاً للحياة الأسرية.

وقد برزت في الآونة الأخيرة تعابير ثقافية مثل 'تانغ بينغ' أو 'الاستلقاء'، والتي تعكس رغبة جيل كامل في الانسحاب من سباق المنافسة المحموم. هذا الشعور بالإرهاق والاستسلام يضعف الحافز لبناء عائلات كبيرة، ويشير إلى تآكل الثقة في قدرة الجهد الشخصي على ضمان الاستقرار المستقبلي.

وعلى صعيد الالتزامات العائلية، تفاقمت مشكلة '4-2-1'، حيث يجد الشاب نفسه مسؤولاً عن إعالة أبوين وأربعة أجداد في ظل سوق عمل غير مستقر. هذا الضغط المالي والاجتماعي الهائل يجعل من إضافة طفل جديد إلى العائلة عبئاً إضافياً يفوق قدرة الكثيرين على التحمل.

أما من منظور الاقتصاد الكلي، فإن تقلص القوى العاملة سيؤدي حتماً إلى تباطؤ النمو وزيادة الإنفاق العام على المعاشات والرعاية الصحية. ومن المتوقع أن يتراجع العائد الديموغرافي الذي دفع الصين نحو القمة، ليتحول إلى عبء مالي يستنزف الموارد المخصصة للاستثمارات والتطوير.

وعالمياً، بدأت الشركات متعددة الجنسيات في تنويع سلاسل توريدها بعيداً عن الصين، متجهة نحو دول مثل فيتنام وإندونيسيا التي تمتلك تركيبة سكانية أكثر شباباً. هذا التحول قد يقلص من دور الصين كمركز تصنيع عالمي، ويجبر بكين على إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية لتصبح أكثر تركيزاً على الداخل.

في الختام، يمثل انخفاض المواليد في عام 2026 نقطة تحول تاريخية قد تجعل من الصين قوة عظمى 'مسنة' وأقل ديناميكية في الساحة الدولية. وبينما تمتلك الدولة موارد تكنولوجية هائلة، إلا أن القيود البشرية تظل التحدي الأكبر الذي لا يمكن تجاوزه بالاستثمارات وحدها في القرن الحادي والعشرين.

فلسطين

السّبت 28 فبراير 2026 8:12 صباحًا - بتوقيت القدس

استهداف المنتج الزراعي: حملات تشويه إسرائيلية لتحقيق أهداف سياسية

محمود فطافطة: لا صحة لهذه المزاعم التي تأتي في سياق الحرب الإسرائيلية المستعرة على كل ما هو فلسطيني وبخاصة على القطاع الزراعي

جمال الديك: التشويه الإسرائيلي للمنتج الزراعي الفلسطيني يمثل مرحلة جديدة من محاولات السيطرة على الأرض وإضعاف ارتباط المواطنين بها

عباس ملحم: هذه الادعاءات ربما هدفها فرض تطبيق قانون الغذاء الإسرائيلي على الضفة في إطار خطوات متصاعدة ملحوظة للضم التدريجي

منجد أبو جيش: الهدف الأساسي من هذه الادعاءات ممارسة ضغط إضافي على المزارعين خاصة في مناطق "ج" حيث يتركز النشاط الزراعي

صلاح هنية: ادعاءات باطلة ولا تستند لأسس علمية وتهدف لإثارة القلق لدى المستهلك بالترويج لفكرة احتواء الخضراوات على مواد قد تسبب أمراضاً خطيرة

مجدي عبد الله: ملفات السلامة الغذائية قد تُستخدم كأداة ضغط تنافسية خاصة خلال المواسم التي ترتفع فيها المنافسة على منتجات زراعية

رام الله - خاص بـ"القدس"-

 في وقت يكابد فيه القطاع الزراعي الفلسطيني أداء دور أساسي في دعم الاقتصاد المحلي، برزت ادعاءات إسرائيلية تتحدث عن وجود متبقيات مبيدات في الخضراوات الفلسطينية، ما أثار نقاشاً واسعاً حول أهداف هذه المزاعم وتداعياتها المحتملة على المزارعين والأسواق.

ويؤكد مسؤولون ومختصون زراعيون، في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن الإنتاج الزراعي الفلسطيني يخضع لإجراءات رقابية وفحوص مخبرية منتظمة وفق معايير معتمدة، في حين تشكل الزراعة مصدراً رئيسياً للدخل وفرص العمل، خاصة في المناطق الريفية والمصنفة "ج"، ما يجعل أي استهداف لهذا القطاع ذا آثار اقتصادية واجتماعية مباشرة، علاوة على وجود أهداف سياسية إسرائيلية باستهداف القطاع الزراعي لفرض واقع يدفع نحو هجرة الأرض للسيطرة عليها.

ويرون أن الحملة الإسرائيلية الأخيرة قد تحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية تتجاوز مسألة السلامة الغذائية، إذ يُخشى أن تؤدي إلى إضعاف ثقة المستهلكين بالمنتج المحلي، وفرض قيود على التصدير، بما قد ينعكس سلباً على المزارعين وأسعار الخضراوات واستقرار القطاع الزراعي الفلسطيني.







الزراعة: لا صحة للادعاءات الإسرائيلية


ينفي الناطق الرسمي باسم وزارة الزراعة الفلسطينية محمود فطافطة صحة الادعاءات الإسرائيلية التي تحدثت عن وجود بقايا مبيدات سامة في الخضراوات الفلسطينية التي تذهب الى الأسواق الإسرائيلية، معتبراً أن هذه المزاعم تأتي في سياق الحرب الإسرائيلية المستعرة على كل ما هو فلسطيني، وبخاصة على القطاع الزراعي الذي يمثل أحد أهم عناصر صمود المواطنين في أرضهم.

ويوضح فطافطة أن القطاع الزراعي يتعرض بشكل متواصل لاعتداءات الاحتلال والمستوطنين، باعتباره امتداداً للتواجد الفلسطيني في الأرض، خاصة في مناطق الأغوار ومسافر يطا ومختلف المناطق الزراعية، حيث تشكل الزراعة وسيلة أساسية لبقاء المزارعين في أراضيهم.

ويشير فطافطة إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية تنوعت بين منع الوصول إلى الأراضي الزراعية، واقتلاع الأشجار، ومنع الرعي في المراعي الطبيعية، ومصادرة وسرقة الأغنام، إلا أنها لم تثنِ المزارعين عن الاستمرار في عملهم، ما دفع الاحتلال إلى استهداف المنتجات الزراعية الفلسطينية ومحاولة النيل من سمعتها في الأسواق المحلية والدولية.


الطابع السياسي لهذه المزاعم


ويبيّن فطافطة أن المنتجات الزراعية الفلسطينية تدخل الأسواق الإسرائيلية منذ سنوات طويلة دون تسجيل ادعاءات مماثلة، لافتاً إلى أن إثارة هذا الملف جاءت خلال جلسة للجنة الصحة في الكنيست الإسرائيلي تقودها عضو كنيست متطرفة، ما يعزز الطابع السياسي لهذه المزاعم، والهادف إلى إثارة البلبلة ومحاربة الاقتصاد الفلسطيني، خاصة في ظل تراجع فرص العمل واعتبار الزراعة أحد أهم مصادر الدخل المتبقية للمواطنين.


إجراءات رقابية صارمة


ويشدد فطافطة على أن المبيدات الزراعية المتداولة في السوق الفلسطيني تخضع لإجراءات رقابية صارمة، وأن إدخالها يتم عبر المعابر الخاضعة للرقابة الإسرائيلية والموافقات الإسرائيلية، وهو ما يعني أن المنتجات الزراعية الفلسطينية تمر عبر منظومة فحص وإجراءات معقدة سواء عند إدخال المدخلات الزراعية أو عند تصدير المنتجات.

ويشير فطافطة إلى أن وزارة الزراعة تعتمد منظومة علمية للرقابة على المبيدات من خلال اللجنة العلمية للمبيدات الزراعية التي تعتبر الجهة المخولة بالسماح بالمبيدات وتداولها، والتي تضم خبراء من الجامعات والقطاع الخاص والوزارات المختصة.


تخفيض عدد المبيدات المسموح بتداولها


ويوضح فطافطة أن اللجنة أجرت مراجعات علمية أدت إلى تخفيض عدد المبيدات المسموح بتداولها في السوق الفلسطيني من 538 مبيداً إلى نحو 198 مبيداً فقط، بهدف تعزيز سلامة المنتج الزراعي والتخلص من أي مواد قد يكون لها تأثير على صحة الإنسان.


متطلبات رسمية للتصدير


ويوضح فطافطة أن تسويق أو تصدير المنتجات الزراعية الفلسطينية يخضع لمتطلبات رسمية تشمل شهادة منشأ وشهادة صحية وتصاريح إدخال أو تصدير، وهي وثائق إلزامية لا يمكن تمرير أي شحنات بدونها.


حرب اقتصادية مرتبطة بالتنافس


ويعتبر فطافطة أن ما يجري يمثل حرباً اقتصادية مرتبطة بالتنافس بين المنتجات الزراعية الفلسطينية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن المنتجات الفلسطينية نجحت في الوصول إلى نحو 50 سوقاً عالمياً بشكل مباشر ونحو 70 سوقاً بشكل غير مباشر، وما يجري هو هجمة اسرائيلية ممنهجة تهدف إلى ضرب المنتج الزراعي الفلسطيني.

ويؤكد فطافطة أن الوزارة تواصل تنفيذ فحوصات دورية من خلال طواقمها، بالتعاون مع جهات رقابية أخرى مثل وزارة الصحة والضابطة الجمركية والأجهزة المختصة، لضمان سلامة المنتجات الزراعية.

ويشدد فطافطة على أنه لا توجد منتجات مخصصة لسوق دون آخر، إذ تنتج الخضراوات من المزارع نفسها وبالمياه والمبيدات والأسمدة ذاتها سواء للسوق المحلي أو الإسرائيلي أو الدولي.

ويدعو فطافطة المواطنين ووسائل الإعلام إلى اعتماد وزارة الزراعة مرجعية رسمية فيما يتعلق بسلامة المنتجات الزراعية، مؤكداً حرص الوزارة على حماية الاقتصاد الوطني وتعزيز ثقة المواطنين بالمنتج المحلي، مشيراً إلى أن المزارعين الفلسطينيين يبذلون جهوداً كبيرة للحفاظ على أراضيهم واستمرار الإنتاج الزراعي، خصوصاً في مناطق الأغوار والمناطق المهددة.


سياسة تحريض أوسع


يعتبر أمين عام اتحاد الفلاحين الفلسطينيين، جمال الديك، أن الادعاءات الإسرائيلية حول وجود سموم في الخضراوات الفلسطينية تندرج ضمن سياسة تحريض أوسع تستهدف كل ما هو فلسطيني، بما في ذلك الإنسان والأرض والمنتج الزراعي، مؤكداً أن هذه المزاعم تأتي في إطار استمرار سياسة الحصار المفروضة على الشعب الفلسطيني ومحاولات تشديدها.

ويوضح الديك أن التحريض على المنتج الزراعي الفلسطيني يمثل امتداداً لفلسفة الحصار التي تنتهجها إسرائيل في تعاملها مع الإنسان الفلسطيني والأرض الفلسطينية، مشيراً إلى أن القطاع الزراعي يشكل أحد المنافذ الأساسية المتبقية أمام الفلسطينيين، الأمر الذي يدفع الاحتلال إلى تكثيف الضغوط على المزارعين والفلاحين بهدف إخراجهم من دائرة الإنتاج والعمل الزراعي.


محاولات إفراغ الأرض من أصحابها


ويشير الديك إلى أن هذه السياسات تسعى في جوهرها إلى إفراغ الأرض من أصحابها، لأن ترك الأرض بالمفهوم الإسرائيلي يجعل المشروع الصهيوني أقرب إلى تحقيق أهدافه.


منتج فلسطيني متميز


ويؤكد الديك أن المنتج الزراعي الفلسطيني يتميز بجودته وهويته الخاصة ونكهته المميزة، ويحظى بسمعة جيدة في الأسواق العالمية، مشيراً إلى وجود جهات رسمية ومختبرات متخصصة تعمل بصورة مسؤولة وجدية لمتابعة جودة المنتجات الزراعية وضمان سلامتها، بما يعزز ثقة المستهلك الفلسطيني بها.

ويبيّن الديك أن استهداف الزراعة الفلسطينية لا يقتصر على القيود الميدانية، بل يشمل أيضاً السيطرة على الأراضي والتضييق على المزارعين والرعاة في الأغوار والتلال والريف الفلسطيني، معتبراً أن حملات التشويه والتشهير الإسرائيلي بالمنتج الزراعي الفلسطيني تمثل مرحلة جديدة من محاولات السيطرة على الأرض وإضعاف ارتباط الفلسطينيين بها.

ويشدد الديك على أن الهدف من هذه الادعاءات سياسي بالدرجة الأولى، داعياً المؤسسات الزراعية والجهات الرسمية إلى تقديم رؤية واضحة تعزز هوية المنتج الزراعي الفلسطيني وترسخ ثقة المواطنين به، مؤكداً قدرة الفلسطينيين على حماية أرضهم ومنتجهم الزراعي والحفاظ عليه.


محاولات ضرب الأمن الغذائي


يوضح المدير التنفيذي للاتحاد العام للمزارعين الفلسطينيين عباس ملحم أن ما تداولته وسائل إعلام إسرائيلية بشأن وجود مبيدات حشرية سامة في الخضراوات الفلسطينية المصدّرة إلى إسرائيل يندرج ضمن محاولات استهداف القطاع الزراعي الفلسطيني وضرب الأمن الغذائي، مؤكداً أن هذه الادعاءات تأتي في سياق سياسات متواصلة تهدف إلى إضعاف المزارعين والتشكيك في جودة المنتج الزراعي الفلسطيني.

ويوضح ملحم أن الاتحاد اعتاد التعامل بحذر مع الروايات الصادرة عن الاحتلال، معتبراً أن هذه الادعاءات تندرج ضمن "خطوات تدميرية" للقطاع الزراعي، بالتوازي مع اعتداءات المستوطنين التي تستهدف تهجير المزارعين من أراضيهم.


محاولات ضرب السمعة للمنتج الزراعي


ويشير ملحم إلى أن من تبقى من المزارعين في دائرة الإنتاج يتعرضون لمحاولات ضرب سمعة منتجاتهم بما يؤدي إلى خسائر اقتصادية وإضعاف هذا القطاع الحيوي.

ويوضح أنه يتم إخضاع المنتج الغذائي الفلسطيني لمعايير رقابة صارمة، خاصة فيما يتعلق باستخدام المبيدات الكيماوية، مشيراً إلى أن الاتحاد يعمل مع المزارعين من أجل الانتقال تدريجياً من نمط الإنتاج المعتمد على الكيماويات، حتى ضمن الحدود المسموح بها، إلى نمط إنتاج آمن وصديق للبيئة ومتكيّف مع التغير المناخي، يقوم على تقليل استخدام المواد الكيماوية إلى الحد الأدنى الممكن أو الاستغناء عنها، والعودة إلى أساليب الزراعة التقليدية التي كانت سائدة في زمن الآباء والأجداد.


فرصة لتطوير أنماط الإنتاج الزراعي الآمن


ويبيّن ملحم أن إثارة هذه القضايا تشكل فرصة لإعادة التركيز على تطوير أنماط الإنتاج الزراعي الآمن، مؤكداً أن المؤسسات الزراعية تقوم بدور توعوي متواصل مع المزارعين لتعزيز الالتزام بالمعايير الصحية والبيئية وتحسين جودة الغذاء المنتج محلياً.

ويشدد ملحم على ضرورة قيام الجهات الرقابية المختصة، بما في ذلك وزارات الزراعة والصحة والبيئة، بدورها في متابعة طبيعة الإنتاج الزراعي وضمان مطابقته للمواصفات.

ويشير ملحم إلى أن تفنيد الادعاءات الإسرائيلية يتطلب نشر نتائج الفحوص المخبرية وإبراز عمل المختبرات الفلسطينية واللجان العلمية وجمعيات حماية المستهلك، داعياً الجانب الإسرائيلي إلى عرض أي نتائج علمية يدّعي امتلاكها بدلاً من إطلاق اتهامات عامة.


ادعاءات مبالغ فيها وغير واقعية


ويشدد ملحم على أن تصوير المنتجات الفلسطينية على أنها ملوثة بالكيماويات أمر مبالغ فيه وغير واقعي، مؤكداً أن الإنتاج الزراعي الفلسطيني في مجمله يقع ضمن المعايير المقبولة رغم وجود تجاوزات فردية محدودة تتعلق أحياناً بعدم الالتزام بهوامش الأمان أو الإفراط في استخدام المبيدات.

ويشير ملحم إلى أن هذه التجاوزات الفردية لا تعكس واقع القطاع الزراعي، متسائلاً عن منطق الادعاءات التي تصف نسبة كبيرة من الغذاء الفلسطيني بأنها ملوثة، مشيراً إلى أن استمرار استهلاك هذه المنتجات دون أضرار واسعة النطاق يؤكد عدم صحة هذه المزاعم.


تطبيق قانون الغذاء الإسرائيلي على الضفة الغربية


ويلفت ملحم إلى احتمال وجود أهداف سياسية وراء هذه الادعاءات، من بينها محاولة فرض تطبيق قانون الغذاء الإسرائيلي على الضفة الغربية في إطار خطوات متصاعدة ملحوظة للضم التدريجي، معتبراً أن إثارة ملف سلامة الغذاء قد تُستخدم ذريعة لفرض القوانين الإسرائيلية على القطاع الزراعي الفلسطيني دون تنسيق مع الجهات الفلسطينية.


دفع المستهلكين لمزيد من الحذر باختيار المنتجات


ويشير ملحم إلى أن هذه المزاعم قد تدفع المستهلكين إلى مزيد من الحذر في اختيار المنتجات وربما التوجه للشراء المباشر من المزارعين، لكنه يستبعد وجود تأثير واضح على الأسعار في ظل ارتفاع الطلب خلال شهر رمضان.

ويؤكد ملحم أن صحة المواطن الفلسطيني تمثل أولوية أساسية، داعياً إلى تعزيز الرقابة الزراعية والصحية باعتبارها خطوة ضرورية لضمان جودة المنتج الفلسطيني، مشدداً في الوقت ذاته على أن الإنتاج الزراعي الفلسطيني ما زال في مجمله ضمن المستوى المقبول والجيد من حيث السلامة والجودة.


ادعاءات تفتقر إلى الأسس العلمية


يؤكد مدير عام الإغاثة الزراعية منجد أبو جيش أن المزاعم التي تداولها الإعلام الإسرائيلي مؤخراً بشأن وجود سموم أو نسب مرتفعة من المبيدات الحشرية في الخضراوات الفلسطينية تفتقر إلى الأسس العلمية، مشيراً إلى أنها لم تستند إلى نتائج فحوصات مخبرية موثقة أو تقارير رسمية يمكن الاعتماد عليها، ما يجعلها ادعاءات غير دقيقة من الناحية الفنية.

ويوضح أبو جيش أن غالبية الخضراوات الفلسطينية المنتجة محلياً تلتزم بالقوانين والتعليمات الصادرة عن وزارة الزراعة الفلسطينية، والتي تنظم استخدام المبيدات والأسمدة الزراعية، مؤكداً أن إصدار أحكام تتعلق بسلامة المنتج الزراعي يحتاج إلى تحاليل مخبرية دقيقة قبل الوصول إلى أي استنتاجات.


ضغط إضافي على المزارعين


ويرجّح أبو جيش أن الهدف الأساسي من هذه الادعاءات هو ممارسة ضغط إضافي على المزارعين، خاصة العاملين في المناطق المصنفة "ج" وفق اتفاقية أوسلو، حيث يتركز جزء كبير من النشاط الزراعي الفلسطيني.

ويشير أبو جيش إلى أن استمرار مثل هذه الإجراءات أو الترويج لهذه المزاعم قد يعرقل مسيرة تطوير القطاع الزراعي الفلسطيني ويؤثر على برامج دعم المزارعين، لافتاً إلى أن نسبة كبيرة من الخضراوات الفلسطينية يتم تسويقها إلى الداخل، الأمر الذي يجعل المزارعين عرضة لتأثير أي قيود أو تشويش إعلامي على حركة التصدير.


تطوير القطاع الزراعي للمواجهة


ويبيّن أبو جيش أن مواجهة هذه الضغوط تتطلب تطوير القطاع الزراعي الفلسطيني ورفع مستوى التزام المزارعين بالمواصفات المعتمدة، مشدداً على أن الالتزام بالمعايير الزراعية المعتمدة يفيد الاستهلاك المحلي كما يدعم فرص التصدير.

ويؤكد أبو جيش أن وزارتي الزراعة والاقتصاد تتابعان بشكل مستمر عمليات التدقيق والرقابة على الإنتاج الزراعي، ولا تسمحان بدخول مبيدات غير مسموح بها إلى السوق الفلسطيني، مع الإشارة إلى أن بعض المبيدات قد تتسرب أحياناً من المستوطنات.


تشجيع الزراعة العضوية


ويشدد أبو جيش على أن الإغاثة الزراعية تعمل على دعم المزارعين من خلال برامج الزراعة الآمنة، بما يشمل تطبيق معايير Global GAP وPal GAP، إضافة إلى تشجيع الزراعة العضوية، مؤكداً أن عدداً كبيراً من المزارعين يلتزمون بهذه المعايير، الأمر الذي يعزز سلامة المنتج الزراعي المحلي.

ويعرب أبو جيش عن ثقته بسلامة الإنتاج الزراعي الفلسطيني، داعياً المستهلكين إلى الاطمئنان إلى جودة الخضراوات المحلية، ومشيراً في الوقت نفسه إلى أن هذه المزاعم قد تؤثر سلباً على الأسعار في حال فرض قيود على التصدير، إذ سيؤدي تراجع التسويق إلى الداخل الفلسطيني إلى زيادة الكميات المعروضة في الضفة الغربية وانخفاض أسعار الخضراوات، ما ينعكس بخسائر مباشرة على المزارعين.


تحديد المواد المسموح استخدامها


يعتبر رئيس جمعية حماية المستهلك الفلسطيني صلاح هنية أن ما تم تداوله في الإعلام الإسرائيلي بشأن وجود "سموم" أو نسب مرتفعة من المبيدات في الخضراوات الفلسطينية يأتي في سياق حرب أوسع تستهدف الأرض الفلسطينية والقطاع الزراعي، مشيراً إلى أن هذه الادعاءات تتكامل مع إجراءات ميدانية بدأت بمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم وإغلاق مناطق واسعة، خاصة في طوباس والأغوار، وصولاً إلى محاولات ترحيل التجمعات البدوية، وانتهت بمحاولة التشكيك في جودة المنتج الزراعي الفلسطيني.

ويوضح هنية أن وزارة الزراعة الفلسطينية تفرض رقابة مشددة على استخدام المبيدات الزراعية، وتحدد بوضوح المواد المسموح استخدامها وتلك الممنوعة، مشيراً إلى أن هذه الرقابة تطورت بشكل ملحوظ منذ عام 2010 عقب مرحلة شهدت إفراطاً في استخدام المبيدات، ما دفع الجهات المختصة إلى تنظيم القطاع ومنع العديد من المواد الخطرة.

ويؤكد هنية أن مستوى التشدد في استخدام المبيدات في السوق الفلسطيني يفوق نظيره في السوق الإسرائيلي، مؤكداً أن المبيدات المسموح بها في إسرائيل تزيد بنحو الضعف مقارنة بالمسموح في فلسطين، وأن المعايير الفلسطينية تتوافق بدرجة كبيرة مع المعايير الدولية.


إثارة القلق لدى المستهلك الفلسطيني


ويشير هنية إلى أن الادعاءات الإسرائيلية تهدف أيضاً إلى إثارة القلق لدى المستهلك الفلسطيني عبر الترويج لفكرة أن الخضراوات المحلية تحتوي على مواد قد تسبب أمراضاً خطيرة، مؤكداً أن هذه المزاعم باطلة ولا تستند إلى أسس علمية، وأن بيان وزارة الزراعة الأخير أوضح إجراءات الرقابة والترشيد والعقوبات المفروضة على المخالفين.

ويلفت هنية إلى عمليات تهريب منتجات زراعية إسرائيلية ومحاولات لإغراق السوق الفلسطيني بمنتجات فاسدة أو منتهية الصلاحية.


تجاوزات فردية


ويوضح هنية أن السوق الفلسطيني ليس خالياً تماماً من المخالفات، حيث أن هناك تجاوزات فردية محدودة مثل استخدام بعض المزارعين مبيدات قادمة من المستوطنات وغير متداولة في السوق الفلسطيني، إلا أن هذه الحالات تم التعامل معها من خلال حملات توعية وإجراءات رقابية بالتعاون بين جمعية حماية المستهلك ووزارة الزراعة واتحاد المزارعين واتحاد الفلاحين، مشدداً على أن هذه التجاوزات لم تؤثر على ثقة المستهلك بالمنتج المحلي.

ويدعو هنية إلى تعزيز الرقابة من خلال أخذ عينات دورية من المنتجات الزراعية، وخاصة الواردة من السوق الإسرائيلي، لضمان سلامتها وخلق سوق آمن يبعث على الاطمئنان، مؤكداً أهمية وجود المرشدين الزراعيين في الحقول وتعزيز الرقابة داخل الأسواق المركزية للخضار والفواكه.

ويشير هنية إلى أن الحملة الإعلامية الإسرائيلية قد تؤثر مؤقتاً على المزارعين، خصوصاً إذا انعكست على التصدير إلى السوق الإسرائيلي.


وقف التصدير وانخفاض الأسعار بشكل حاد


ويرى هنية أن إمكانية لجوء إسرائيل إلى وقف التصدير بسبب هذه المزاعم سيؤدي إلى تكدس الخضراوات محلياً وانخفاض الأسعار بشكل حاد، ما يلحق خسائر مباشرة بالمزارعين، مؤكداً أن الهدف الأساسي لهذه الادعاءات هو إضعاف المزارع الفلسطيني والتأثير سلباً على قدرته على الصمود والإنتاج.


ملفات السلامة الغذائية كأداة تنافسية


يرى الخبير الزراعي المهندس مجدي عبد الله أن الادعاءات التي تداولتها وسائل إعلام إسرائيلية حول وجود سموم أو متبقيات مبيدات حشرية في الخضراوات الفلسطينية المصدّرة إلى السوق الإسرائيلي غير صحيحة.

ويؤكد عبد الله أن القطاع الزراعي الفلسطيني يخضع لمنظومة رقابة فنية وعلمية صارمة تشرف عليها وزارة الزراعة وفق معايير معتمدة. ويشير عبد الله إلى أن الوزارة نفت هذه الادعاءات، موضحاً أن المنتجات المتداولة في السوق الإسرائيلي هي ذاتها المتداولة محلياً، الأمر الذي يعكس حرص الجهات الرسمية على سلامة المستهلك الفلسطيني أولاً.

ويوضح عبد الله أن ملفات السلامة الغذائية قد تُستخدم أحياناً كأداة تنافسية، خاصة خلال المواسم التي ترتفع فيها المنافسة على منتجات زراعية مثل الفراولة والفلفل والخضراوات المختلفة.


فترة الأمان


ويلفت عبد الله إلى أن أي قطاع زراعي في العالم قد يشهد حالات فردية محدودة تتعلق بعدم الالتزام بما يُعرف بـ"فترة الأمان"، وهي الفترة التي يجب أن تنقضي بعد رش المبيد قبل استهلاك المحصول، مشيراً إلى أن بعض المبيدات مثل "الكونفيدور" قد تصل فترة الأمان الخاصة بها إلى نحو 45 يوماً.

ويؤكد عبد الله أن المبيدات في فلسطين لا يُسمح بتداولها إلا إذا كانت مسجلة رسمياً، مع تحديد الجرعات الموصى بها وفترات الأمان وحدود متبقيات المبيدات.


منظومة من الرقابة


ويبيّن عبد الله أن منظومة الرقابة تشمل عدة مستويات، من بينها تسجيل المبيدات، والإرشاد الزراعي الذي ينفذه مهندسو وزارة الزراعة لتوجيه المزارعين بشأن الجرعات وفترات الأمان وعدم خلط المبيدات غير القابلة للخلط، إضافة إلى الفحوص المخبرية التي تُجرى على عينات عشوائية قبل التصدير وفق معايير فنية وأوروبية.

ويشير عبد الله إلى وجود نظام تتبع يمر من خلاله المنتج الزراعي عبر محطات تعبئة معتمدة، بحيث يكون لكل مزرعة سجل يوضح المبيدات المستخدمة ومسار المنتج.

ويدعو عبد الله إلى تفنيد الادعاءات الإسرائيلية عبر الشفافية ونشر نتائج الفحوص المخبرية الرسمية ونسب العينات المطابقة وغير المطابقة للمواصفات، إضافة إلى إجراء فحوص مشتركة أو الاستعانة بمختبرات دولية معترف بها وطلب تقارير فنية مفصلة من الجهات المدعية، إلى جانب توثيق الالتزام بفترات الأمان وإبراز شهادات الجودة مثل "جلوبال جاب" إن وجدت، مؤكداً ضرورة اعتماد خطاب علمي قائم على الأرقام والتحاليل.

ويؤكد عبد الله أن التجاوزات إن وجدت فهي حالات فردية محدودة جداً قد تنتج عن الجهل أو الخطأ أو الاستعجال في الحصاد قبل انتهاء فترة الأمان أو استخدام جرعات غير صحيحة، مشيراً إلى أن وزارة الزراعة تعمل على تكثيف الفحوص الدورية ودعم مختبرات تحليل متبقيات المبيدات وتعزيز الإرشاد الزراعي وتشديد العقوبات على المخالفين.


ادعاءات ذات تأثير اقتصادي محتمل


ويؤكد عبد الله أن هذه الادعاءات والإشاعات قد يكون لها تأثير اقتصادي محتمل على المزارعين، لكنه بشدد على أن المزارع الفلسطيني يمتلك الخبرة والوعي اللازمين لاستخدام المبيدات وفق الأصول، وأن الحالات المخالفة تبقى فردية ولا يمكن تعميمها، معتبراً أن المزارعين حريصون على سلامة المنتج لأنهم أول المستهلكين له داخل المجتمع الفلسطيني.

أقلام وأراء

السّبت 28 فبراير 2026 8:11 صباحًا - بتوقيت القدس

"بين ريتا وعيوني بندقية".. ما هو أعمق من جماليات قصيدةٍ قيلت

توفيت تمار بن عامي التي أحبها محمود درويش وأحبته، ثم فرقت بينهما بندقية الاحتلال. كانا في ريعان شبابهما حين جمعت بينهما الأقدار على أرض البلاد التي أصبحت محتلة في العام ١٩٤٨، ولم يستأذن الحب قلبيهما حين اجتاحت أعاصيره، وحين عاشا لحظاته في رعشة البدايات الرشيقة التي ارتطمت بظروف الواقع وأحوال البلاد، فحالت بينهما وقائع السياسة والاحتلال، وفرقت بينهما بندقية حين ذهبت تمار إلى الجندية، وأُدخل درويش إلى السجن، ثم بعد أن خرج منه غادر البلاد إلى المنفى متنقلاً في عواصم عدة بين القاهرة وموسكو وباريس وتونس وعمان، وقليلاً في النهايات مكث في رام الله.

تمار بن عامي وريتا درويش، وبين الاسمين حكاية إنسان، وفي قصائده «شتاء ريتا الطويل» و«ريتا والبندقية» ما هو أعمق من جماليات قصيدة قيلت، وأبلغ من نص جاب المعمورة بلغة شاعرية ودفء وطني.

هي حكاية عاشقين فرقت الحرب بينهما، وكان القدر يرسم طريقهما في الرحيل، فحيث حاربت ريتا تحت راية الاحتلال، حارب درويش تحت راية شعبه، وابتعد عنها وهو ينثر كلامه ويقول " في الرحيل الكبير أحبك أكثر".

حظيت ريتا بأن أضحت نشيد الناس في مرحلة مفصلية وتاريخية، وحين غناها مارسيل خليفة رددنا من خلفه، بين ريتا وعيوني.. بندقية، فأضحت شعارًا وطني ونشيدًا ثائرًا، ولم يقصد درويش ذلك، بل كان ينزعج كلما وجد قصيدة من قصائده الوجدانية تعبر إلى الناس على شكل نشيد وطني، فترتسم على وجهه خيوط التعجب وعدم الرضا.

لكن كما يحق للشاعر ما لا يحق لغيره، فإن للعاشق في عمر المراهقة وسط جغرافيا البلاد آنذاك ما هو مختلف، حتى جاءت النكبة فاختطفت البلاد، وتشتت شمل العباد، وحل الأغراب مستوطنين في الديار، وأقاموا كيانهم، وصار أهل البلاد لاجئين.

بين ريتا وعيوني ... بندقية

والذي يعرف ريتا، ينحني

ويصلي

لإله في العيون العسلية

***

بيننا مليون عصفور وصوره

ومواعيدُ كثيرة

أطلقتْ ناراً عليها.. بندقيَّة

***

آه.. ريتا

أي شيء ردَّ عن عينيك عينيَّ

سوى إغفاءتين

وغيوم عسليّة.

أقلام وأراء

السّبت 28 فبراير 2026 8:09 صباحًا - بتوقيت القدس

قبسات سرديات ما لا يُكتب في محاضر الجنود (2): حين يُسحَب الطفل من نومه

في المحاضر الرسمية، كلّ شيء يبدو قابلاً للضبط: وقت المداهمة، عدد الجنود، طبيعة الاقتحام.

لكن ما لا يُكتب هناك، هو ما يجعل الحدث إنسانيًا أصلًا: الصوت، الارتجاف، الارتباك، والمعنى الذي يتكسر في الداخل دون أن يُرى.

في قرية المغير شمال شرق رام الله، قبل أسبوعين، لم يكن ثمة "حدث" بالمعنى الذي تفهمه التقارير. كان هناك أطفال في زيارة لجدّتهم، في لحظة عائلية بسيطة، تكاد تكون خارج الزمن السياسي. بيت الجدة، في الذاكرة الإنسانية، ليس جدرانًا فقط؛ هو الامتداد الأكثر أمانًا لفكرة البيت، حيث تتراكم الطمأنينة بلا شروط، وحيث لا يُفترض أن يحدث شيء مفاجئ.

لكن ما حدث، لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان قاطعًا.

حين اقتحم جنود الاحتلال، لم يدخلوا إلى مكان فحسب، بل إلى معنى. عشرون جنديًا حول أجساد صغيرة، في مشهد لا يفسَّر بميزان القوة، بل يُفهم بوصفه إعلانًا لها. الأطفال، الذين تتراوح أعمارهم بين السادسة والحادية عشرة، لم يكونوا قادرين حتى على صياغة سؤال عمّا يحدث. وهذا، تحديدًا، ما يجعل التجربة أكثر قسوة: أن يحدث البطش خارج القدرة على الفهم.

الطفل الذي كان يستعد للنوم، وقد غطى جسده باللّحاف، لم يكن يفعل أكثر من ممارسة حقه البسيط في الانسحاب من العالم. النوم، في جوهره، فعل ثقة: أن تغمض عينيك لأنّك تعتقد أنّ أحدًا لن يؤذيك. لكن حين يُسحب طفل من تحت لحافه ويُضرب، فإنّ ما يُنتزع ليس راحته فقط، بل هذه الثقة نفسها.

اللحاف، هنا، ليس قماشًا.

إنّه الحدّ الأخير بين الطفل والعالم.

وحين يُنتزع، يُنتزع معه شيء لن يُعاد بسهولة.

الجدة، التي حاولت أن تدافع، لم تكن تدافع عن أطفال فقط، بل عن فكرة كاملة: أن يبقى البيت بيتًا، وأن تبقى الطفولة محمية بما يكفي لتستمر. لكن دفعة واحدة كانت كافية لإزاحتها، لا لأنّها خطر، بل لأنّها تمثل ما لا ينسجم مع منطق اللحظة: الحنان.

في تلك اللحظة، لا يُدفع جسدها فقط، بل يُدفع المعنى الذي تحمله.

في الخارج، كان الجيران يستمعون.

وهنا يتسع المشهد: من غرفة إلى حارة كاملة، من ألم مباشر إلى ألم مُشترك. الصراخ الذي يخرج من الداخل لا يتوقف عند الجدران، بل ينتقل إلى الآخرين، إلى أولئك الذين لا يستطيعون التدخل. أن تسمع دون أن تقدر، هو شكل آخر من أشكال الوجع—أقل ظهورًا، لكنّه أكثر رسوخًا في الذاكرة.

ثم يأتي الضابط، لا ليوقف ما يحدث، بل ليمنحه تفسيرًا.

يقول إنّ هذه "الحارة" تُلقى منها الحجارة، وإنّ مصيرها قد يكون كمصير أماكن أخرى هُدمت- رفح، مخيم جنين. في هذه الجملة، يُعاد ترتيب كل شيء: الأطفال يصبحون سياقًا، لا ذواتًا؛ الخوف يصبح تفصيلًا، لا تجربة؛ وما حدث للتوّ يتحول إلى مجرد مقدمة لشيء أكبر.

لكنّ الإنسان لا يعيش بوصفه "سياقًا".

الطفل لا يفهم نفسه كجزء من "حارة" تُعاقَب، بل كجسدٍ شعر بالألم، وكقلبٍ خاف دون أن يعرف لماذا. ما سيبقى معه ليس "السبب"، بل التجربة نفسها: كيف تحوّل اللّيل فجأة، وكيف لم يعد اللّحاف كافيًا، وكيف يمكن أن يُؤخذ من نومه دون أن يفهم ما الذي اقترفه.

وهنا تحديدًا تبدأ المسافة بين ما يُكتب وما يُعاش.

في الفلسفة، يُقال إنّ الإنسان غاية، لا وسيلة. لكن ما يحدث في مثل هذه اللحظات يكشف انزلاقًا خطيرًا: حين يُختزل الإنسان إلى وظيفة داخل مشهد أكبر، إلى أداة لإيصال رسالة أو تثبيت قوة. الأطفال، في تلك الغرفة، لم يُعاملوا كغايات، بل كوسائط: لإنتاج الخوف، ولتأكيد السيطرة، ولترسيخ فكرة أنّ المكان كلّه قابل لأن يُعاد تعريفه بالقوة.

وهذا ما لا يُكتب في محاضر الجنود.

لا يُكتب أنّ طفلًا قد يتردد في النوم في الليلة التالية، لأنّ النوم لم يعد فعل ثقة.

ولا يُكتب أنّ جدة ستجلس بعد ذلك وهي تحمل شعورًا ثقيلًا بالعجز، كأنّ دورها الطبيعي قد كُسر أمام عينيها.

ولا يُكتب أنّ الجيران سيبقون أسرى لذلك الصوت، لأنّ ما يُسمع في لحظة كهذه لا ينتهي بانتهائها.

ما يُكتب ينتهي بانتهاء العملية.

أما ما لا يُكتب، فيبدأ بعدها.

يبدأ في الذاكرة، حيث لا توجد لغة رسمية قادرة على احتواء ما حدث.

يبدأ في التفاصيل الصغيرة التي تبدو غير مهمة في التقارير، لكنّها، في الحقيقة، جوهر الحكاية: لحاف، دفعة، صراخ.

في النهاية، لن يبقى عدد الجنود دقيقًا في الذاكرة، ولن يهم توقيت المداهمة كما سُجّل.

لكن سيبقى شيء آخر، أكثر عنادًا:

طفلٌ سُحب من نومه،

وجدةٌ أُزيحت عن دورها،

وصوتٌ خرج من بيتٍ صغير ليملأ "حارة" كاملة بالعجز.

وهذا، تمامًا،

هو ما لا يُكتب.

أقلام وأراء

السّبت 28 فبراير 2026 8:08 صباحًا - بتوقيت القدس

أين اختفى ديب سيك؟

ينفجر اسم "ديب سيك" (DeepSeek) في سماء التكنولوجيا مطلع عام ٢٠٢٥ كقنبلة موقوتة، يهز عواصم التكنولوجيا من وادي السيليكون إلى وادي تشانغآن، يقدم أداءً ينافس "جي بي تي-٤" بتكلفة تدريب لا تتجاوز ٥٫٦ ملايين دولار فقط. يعتمد استراتيجية المصدر المفتوح التي تتيح للجميع تحميل النموذج وتجربته مجاناً، يحدث صدمة مدوية في الأسواق، يطلق موجة هلع غير مسبوقة، يتساءل الجميع: كيف استطاع الصينيون فعل ذلك بهذا القليل من المال والرقائق؟

يمر عام تقريباً على ذلك الانفجار، يخفت نجم "ديب سيك" بشكل ملحوظ، تؤكد الأرقام تراجعاً كبيراً خلال عام ٢٠٢٥، تشير التقارير إلى أن عدد المستخدمين النشطين شهرياً ينخفض بنحو الربع، ينتقل العديد من المستخدمين إلى تطبيقات منافسة مثل "دوباو" من بايت دانس أو المساعدين المدمجين في متصفحات "كيو كيو" و"بايدو". يعني هذا التراجع تحولاً في طبيعة اللعبة لا فشلاً ذريعاً، ينجح "ديب سيك" في مهمته الأهم: تغيير قواعد اللعبة إلى الأبد.

تدرك الشركات الكبرى بعد صدمة يناير أن نموذج المصدر المفتوح والكفاءة العالية يصبح ضرورة للبقاء، يطلق عمالقة التكنولوجيا مثل علي بابا وبايدو وتينسنت نماذجهم المفتوحة بشراسة، تخلق هذه المنافسة بيئة شديدة تعيد "ديب سيك" إلى حجمه الطبيعي كلاعب مهم ضمن سوق مزدحم، لم يعد الوحيد في الحقل بعد أن كان الظاهرة الأبرز.

يتزايد القول باختفاء "ديب سيك" لكنه وهم بصري، يشبه ما يحدث الآن تماماً ما حدث قبل عام: هدوء ما قبل العاصفة، تتزايد التسريبات والتقارير منذ أواخر عام ٢٠٢٥ حول الاستعداد لإطلاق الجيل الجديد: "ديب سيك-في ٤"، يُتوقع أن يكون هذا الجيل بمثابة الصدمة الثانية. يستهدف النموذج الجديد ساحة البرمجة بشكل أساسي، تشير التسريبات إلى أداء في مهام البرمجة يتفوق على عمالقة مثل "كلود" و"جي بي تي" في الاختبارات الداخلية، تعتمد هذه القفزة على معمارية جديدة ثورية تُعرف باسم "إنغرام" و"إم إتش سي"، تسمح هذه التقنيات للنموذج بفهم سياقات أطول تتجاوز مليون رمز، تمنع مشكلة النسيان الكارثي التي تعاني منها النماذج الحالية عند التعلم المستمر.

ينشغل "ديب سيك" خلال فترة "اختفائه" بإجراء جراحة تجميلية دقيقة لقدراته في غرف العمليات المغلقة، يعود إلى الواجهة في الأيام الأخيرة عبر حدث أكبر من إصدار نموذج جديد، يكشف اتهام أمريكي صريح قبل أيام قليلة أن "ديب سيك" يدرب نموذجه الجديد على رقائق "بلاكويل" من إنفيديا، تعتبر هذه الرقائق الأكثر تقدماً والمحظور تصديرها إلى الصين بموجب عقوبات التصدير الأمريكية.

تروي هذه الفضيحة قصة مختلفة تماماً، ينشغل "ديب سيك" بلعبة أكثر خطورة من المنافسة الشريفة، يخترق الحظر التكنولوجي بتهريب الرقائق عبر دول ثالثة، يعتقد المسؤولون الأمريكيون أن هذه الرقائق توجد في مركز بيانات تابع للشركة في منطقة منغوليا الداخلية، يعيد هذا الخبر الشركة إلى دائرة الضوء ليس كمنافس تجاري فحسب، بل كورقة في لعبة الشطرنج الكبرى بين واشنطن وبكين.

يختفي "ديب سيك" إذن في ثلاثة أماكن في وقت واحد، يختفي في معمعة المنافسة المحلية بعد أن أصبح نموذج المصدر المفتوح هو السائد، يختفي خلف أبواب المختبرات المغلقة لتطوير تقنيات الجيل القادم في البرمجة، يختفي في دهاليز التهريب التكنولوجي والصراع الجيوسياسي للحصول على أقوى رقائق العالم.

يقترب موعد إطلاق "ديب سيك-في ٤" المنتظر خلال أيام، يقف العالم على أعتاب لحظة فاصلة، ينتظر الجميع رؤية ما إذا كان النموذج الجديد سيقدم قفزة نوعية في البرمجة بتكلفة منخفضة، سيثبت عندها أن "ديب سيك" لم يكن ومضة عابرة، بل مدرسة متكاملة في كسر قواعد اللعبة. تتحول القصة من الذكاء الاصطناعي إلى مستقبل الهيمنة التكنولوجية العالمية إذا تأكدت اتهامات استخدام رقائق بلاكويل، يستعد الرجل الصيني الخفي للنزول من جديد إلى حلبة المصارعة، يحمل في جعبته ضربة قد تكون قاضية هذه المرة.

أقلام وأراء

السّبت 28 فبراير 2026 8:07 صباحًا - بتوقيت القدس

خوارزميات التخدير… كيف يصنع الذكاء الاصطناعي مسكّناتٍ رقمية تُسكت الألم وتُراكم الإرهاق الصامت

في عالمٍ يفيض بالشاشات والضجيج، لم نعد نبحث عن علاجٍ للألم بقدر ما نبحث عن زرٍّ يُسكته. المسكّنات -سواء كانت حبّة دواء، أو تمريرة إصبع على شاشة، أو جرعةً من "الانشغال القسري"- تؤدي وظيفةً واحدة: إخماد الإحساس. غير أنّ ما يُخمَد لا يزول، بل يتراكم في الطبقات العميقة للنفس، ويتحوّل إلى إرهاقٍ صامتٍ يتسلّل إلى سلوكنا وعلاقاتنا وقراراتنا.

من الناحية الطبية، تُعدّ المسكّنات الدوائية مثل Ibuprofen و**Paracetamol** أدواتٍ فعّالة لتخفيف الألم الجسدي، لكنها لا تعالج السبب الكامن خلفه. هذا المبدأ الطبي البسيط -تسكين العرض لا معالجة العلّة- انتقل، دون وعيٍ كافٍ، إلى المجال النفسي والرقمي. نحن نمارس "تسكينًا عاطفيًا" عبر الإلهاء، والتشتيت، والتغذية المستمرة للدوبامين.

تشير تقارير  DataReportal  إلى أن متوسط استخدام الإنترنت عالميًا يتجاوز 6 ساعات يوميًا، فيما يقضي المستخدم ما يقارب ساعتين ونصف على منصات التواصل الاجتماعي. هذه الأرقام ليست محايدة؛ إنها تعكس بنيةً سلوكية تقوم على المكافأة الفورية. كل إشعار، كل إعجاب، كل فيديو قصير، هو جرعة صغيرة من التحفيز العصبي. وفق أبحاث في علم الأعصاب السلوكي، يرتبط هذا النمط بآليات إفراز الدوبامين، ما يعزّز سلوك التكرار ويُضعف القدرة على الصبر والمعالجة العميقة للمشاعر.

لكن هنا المفارقة: الدماغ لا يفرّق كثيرًا بين ألمٍ مُعالَج وألمٍ مُؤجَّل. حين نؤجل المواجهة، يتحوّل الألم إلى توترٍ مزمن. منظمة الصحة العالمية World Health Organization  تشير إلى أن القلق والاكتئاب يؤثران في مئات الملايين حول العالم، مع خسائر إنتاجية تُقدَّر بمليارات الدولارات سنويًا. جزءٌ من هذا العبء يرتبط بثقافة التجنّب: الهروب إلى الشاشة بدل الجلوس مع الذات.

ثقافة المسكّنات النفسية تتجلّى في عباراتٍ مثل: "تجاهل"، "انسَ"، "افتح فيديو يضحكك"، "انشغل بأي شيء". هذه ليست حلولًا؛ إنها تخديرٌ مؤقت. في علم النفس المعرفي، يُعرف هذا النمط بـ "التجنّب الانفعالي"، وهو استراتيجية قصيرة الأمد تخفف الضيق، لكنها على المدى الطويل تزيد من حدّته، لأن المشكلة لم تُفكَّك معرفيًا ولم تُعالَج سلوكيًا.

الأخطر أن البيئة الرقمية صُمّمت — بخوارزمياتٍ معقّدة — لتغذية هذا النمط. منصات مثل Meta Platforms وTikTok تعتمد على أنظمة توصية (Recommendation Systems) تُبقي المستخدم أطول فترة ممكنة. الهدف تجاري بحت: زيادة زمن المشاهدة، وبالتالي العائد الإعلاني. لكن النتيجة النفسية قد تكون دائرة مغلقة من الاستهلاك والانفصال عن الذات.

من منظور التفكير المنظومي، نحن أمام شبكة مترابطة:

ألم فردي → تجنّب رقمي → راحة مؤقتة → تراكم غير معالج → إرهاق صامت → حاجة أكبر للتجنّب.

إنها حلقة تغذية راجعة (Feedback Loop) تعزّز نفسها بنفسها.

والإرهاق الصامت ليس دراميًا. لا يصرخ. لا ينهار فجأة. بل يظهر على شكل فقدان شغف، تبلّد عاطفي، حساسية مفرطة، أو تعبٍ بلا سبب عضوي واضح. هنا يتحوّل الجرح من حدثٍ إلى حالة. من تجربةٍ إلى هوية.

التفكير النقدي يفرض علينا سؤالًا غير مريح: لماذا نفضّل الإخماد على المواجهة؟ الإجابة قد تكمن في ثقافة السرعة. نحن نعيش في اقتصاد الانتباه، حيث القيمة تُقاس بالاستجابة الفورية. العلاج، بالمقابل، بطيء. يتطلب وعيًا، وتأمّلًا، وربما ألمًا أكبر في البداية. لكنه ألمٌ تنظيمي، يعيد ترتيب الداخل بدل إسكات صوته.

البديل ليس رفض التكنولوجيا ولا شيطنة المسكّنات. بل إعادة تعريف علاقتنا بها. المسكّن يجب أن يكون جسرًا لا بيتًا دائمًا. الشاشة يمكن أن تكون أداة معرفة، لا مخدّرًا وجوديًا. المواجهة — عبر كتابة، أو حوار صادق، أو علاج معرفي سلوكي — قد تكون أكثر إيلامًا في اللحظة الأولى، لكنها تمنع تحوّل الجرح إلى إرهاقٍ مزمن.

لسنا بحاجة في كل مرة إلى الهروب عبر شاشةٍ مضيئة أو تدفّقٍ جديد من المحتوى. فالألم الذي لا يُفكَّك ولا يُفهم لا يختفي، بل يتحوّل إلى حضورٍ خفيّ يستنزف الطاقة الداخلية بهدوء. المواجهة قد تبدو أصعب من الإلهاء، لكنها الطريق الوحيد لتحويل الألم من عبءٍ متراكم إلى تجربةٍ قابلة للفهم وإعادة البناء. إن إسكات الجرح لا يعني شفاؤه، بل يعني تأجيله حتى يتخذ شكلًا أكثر تعقيدًا وأشد إرهاقًا.

*باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي

فلسطين

السّبت 28 فبراير 2026 7:49 صباحًا - بتوقيت القدس

بأدوات بدائية وإرادة صلبة.. مزارعو غزة يواجهون 'إبادة الزراعة' ومخلفات الحرب

بعد مرور نحو أربعة أشهر على سريان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بدأ المزارعون الفلسطينيون رحلة العودة الشاقة إلى حقولهم التي استحال لونها الأخضر إلى رماد. هذه العودة لا تأتي ضمن ظروف طبيعية، بل هي محاولة لاسترداد الحياة من بين أنقاض تجريف ممنهج طال مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت تشكل سلة الغذاء للقطاع المحاصر.

يقف المزارع محمود الغول، البالغ من العمر 55 عاماً، وسط ركام أرضه في مدينة غزة، مستذكراً كيف كانت هذه المساحة تفيض بالخضروات قبل أكتوبر 2023. اليوم، يجد نفسه مضطراً لاستخدام الفؤوس والمجارف اليدوية البسيطة لإزالة السواتر الترابية والأعشاب اليابسة، في ظل عجز مادي كامل عن استئجار الآليات الثقيلة اللازمة لإعادة تسوية التربة.

وتعكس قصة الغول واقعاً مريراً يعيشه آلاف المزارعين الذين عادوا ليجدوا بنية تحتية محطمة بالكامل، حيث لم تنجُ شبكات الري ولا الآبار من عمليات التدمير. ويترقب هؤلاء المزارعون بآمال معلقة بدء مهام لجنة إدارة غزة نهاية الأسبوع الجاري، لعلها توفر لهم الدعم اللازم للصمود في وجه هذا الخراب الممتد.

في مواصي خان يونس، يصف المزارع أحمد أبو بريكة معاناته اليومية في محاولة إحياء تربة أنهكها القصف المتواصل على مدار عامين. ويؤكد أبو بريكة أن غياب المستلزمات الأساسية من بذور وأنابيب ري ومبيدات حشرية يجعل من العمل الزراعي معركة جسدية منهكة لا تضمن نتائج ملموسة في ظل انعدام الإمكانات.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن الأسواق المحلية تعاني من ندرة حادة في المواد الزراعية، وإن وجدت فإن أسعارها تفوق القدرة الشرائية للمزارعين المنهكين اقتصادياً. هذا الواقع دفع الكثيرين للعمل اليدوي الشاق لساعات طويلة، محاولين تعويض غياب الميكنة الزراعية التي منع الاحتلال دخولها أو دمر ما كان موجوداً منها.

وفي دير البلح، يبرز تحدٍ آخر يتمثل في الغلاء الفاحش الذي يفرضه بعض التجار تحت ذريعة صعوبات الاستيراد والتنسيق عبر المعابر. المزارع خليل الحج أشار إلى أرقام صادمة، حيث قفز سعر لفة أنابيب الري من 50 شيكلاً قبل الحرب إلى نحو 1000 شيكل في الوقت الراهن، مما يجعل الاستثمار في الأرض مغامرة غير محسوبة.

ولم تتوقف الزيادات عند المعدات فحسب، بل شملت المدخلات الأساسية مثل بذور البطاطس التي تضاعفت تكلفتها عشرات المرات، لتصل إلى 10 آلاف شيكل لثلاثة دونمات فقط. هذا الارتفاع الجنوني يهدد بانهيار ما تبقى من القطاع الزراعي، ويضع المزارع في مواجهة مباشرة مع خطر الإفلاس والجوع.

وتؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن مصادر حكومية ومنظمة الأغذية والزراعة (فاو) أن قطاع غزة تعرض لما يمكن وصفه بـ 'إبادة زراعية'. حيث تشير الإحصائيات إلى تدمير ما بين 90% و95% من المساحات الزراعية، مما أخرج المناطق الخصبة في بيت حانون وخزاعة والمواصي عن الخدمة بشكل شبه كامل.

الخسائر المباشرة لهذا القطاع الحيوي قُدرت بنحو 2.2 مليار دولار، شملت تدمير أكثر من 1100 بئر زراعي وسحق 12,500 دفيئة زراعية. هذه الأرقام تعني أن استعادة القدرة الإنتاجية للقطاع ستحتاج لسنوات طويلة من العمل المتواصل، خاصة مع تلوث التربة بمخلفات المتفجرات والمواد الكيميائية السامة.

وفي شمال القطاع، وتحديداً في منطقة الشيخ رضوان، يروي يوسف سالم كيف تعمدت قوات الاحتلال اقتلاع الأشجار المعمرة وسرقة أشجار الزيتون التي كانت تمثل رمزاً للصمود. ورغم تدمير منزله بالكامل، إلا أن سالم وعائلته أصروا على إنشاء مشتل صغير لزراعة البطاطس في محيط الركام، كرسالة تحدٍ واضحة للاحتلال.

ويرى المزارعون في غزة أن الزراعة اليوم ليست مجرد مهنة لتوفير الرزق، بل هي فعل مقاوم يهدف لتثبيت الوجود الفلسطيني على الأرض. هذا الإصرار يظهر في محاولاتهم المستمرة لزراعة ما يمكن زراعته رغم غياب الوقود اللازم لتشغيل مولدات المياه، والاعتماد الكلي على مياه الأمطار الموسمية.

من جانبه، يشدد الخبير الزراعي المهندس محمد أبو عودة على أن أي حديث عن تعافٍ حقيقي يظل رهناً بفتح المعابر بشكل كامل وغير مشروط. وأوضح أن الخطط الإغاثية ستبقى محدودة الأثر ما لم يتم إدخال الآليات الثقيلة لإزالة السواتر الترابية الضخمة التي خلفها جيش الاحتلال في قلب الحقول.

وأضافت مصادر فنية أن إعادة تأهيل الآبار وشبكات الري تتطلب تدفقاً منتظماً للمواد الإنشائية والوقود، وهو ما لا يتوفر حالياً بسبب القيود المفروضة. إن بقاء المزارع وحيداً في مواجهة هذه الأزمات المتلاحقة يعني تعميق الفجوة في الأمن الغذائي وزيادة الاعتماد على المساعدات الخارجية بدلاً من الإنتاج المحلي.

ختاماً، يبقى المشهد في حقول غزة مزيجاً من الألم والأمل؛ ألم الفقد والدمار الهائل، وأمل يغذيه إصرار المزارع الفلسطيني على حرث 'الأرض الرماد'. إن نجاح هذه الجهود الفردية يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً لرفع الحصار وتوفير الدعم التقني والمادي لإعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب في سلة غذاء غزة.

عربي ودولي

السّبت 28 فبراير 2026 7:18 صباحًا - بتوقيت القدس

ترامب يرفض تخصيب اليورانيوم الإيراني والوساطة العُمانية تعلن اتفاقاً على 'صفر تخزين'

أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحفظات شديدة على مسار المفاوضات الجارية مع طهران بشأن ملفها النووي، مؤكداً في تصريحات أدلى بها يوم الجمعة رفضه القاطع للسماح بأي عمليات تخصيب لليورانيوم داخل الأراضي الإيرانية. وشدد ترامب على أن واشنطن لن تقبل بالتخصيب حتى لو كان بنسبة ضئيلة تصل إلى 20 في المئة، معتبراً أن الجانب الإيراني لا يبدي مرونة كافية للتوصل إلى حل نهائي وشامل.

وفي سياق انتقاده للموقف الإيراني، أشار ترامب إلى أن طهران تسعى لتعزيز ثرواتها الاقتصادية دون تقديم التنازلات المطلوبة في الجانب التقني لبرنامجها النووي. وأضاف أن إيران تمتلك موارد نفطية هائلة ولا تحتاج إلى الطاقة النووية بهذا الشكل، واصفاً إصرارها على مواقفها الحالية بأنه أمر مؤسف يعيق التقدم في العملية الدبلوماسية التي تهدف لمنعها من امتلاك سلاح نووي.

من جانبه، كشف وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي عن تطور جوهري في المحادثات، حيث أكد أن إيران وافقت على عدم الاحتفاظ بأي مخزون من اليورانيوم المخصب بصفة نهائية. وأوضح البوسعيدي في مقابلة تلفزيونية أن هذا الالتزام الإيراني يمثل اختراقاً كبيراً، حيث يحول دون إمكانية تصنيع قنبلة نووية عملياً، ويجعل الجدل حول نسب التخصيب أقل أهمية أمام مبدأ 'صفر تخزين'.

واعتبر الوسيط العُماني أن هذا التوجه الجديد من طهران يهدف إلى تبديد المخاوف الدولية المتعلقة بالبعد العسكري لبرنامجها النووي، ويأمل أن يسهم هذا التنازل في تجنب اندلاع مواجهة عسكرية في المنطقة. وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه الضغوط الأمريكية على النظام الإيراني، وسط اتهامات مستمرة من إدارة ترامب بسعي طهران لامتلاك قدرات نووية عسكرية تهدد الأمن العالمي.

بالتوازي مع المسار النووي، اتخذت واشنطن خطوة تصعيدية جديدة بإدراج إيران ضمن لائحة 'الدول الراعية للاحتجاز غير المشروع'، وهو تصنيف مستحدث قد يمهد لفرض قيود إضافية وحظر سفر. وأوضح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن هذا الإجراء يأتي رداً على سياسة احتجاز الرهائن التي تنتهجها طهران، مطالباً بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المواطنين الأمريكيين المحتجزين هناك.

وتأتي هذه التطورات في ظل مناخ سياسي متوتر، حيث تتسم سياسة ترامب الخارجية بالتركيز على لغة الأرقام والمكاسب المباشرة، وهو ما يظهر في خطاباته التي تحظى بمتابعات جماهيرية قياسية تتجاوز أحياناً مشاهدات الأعمال السينمائية الكبرى. ويرى مراقبون أن الإدارة الحالية تربط الملفات السياسية بالضغوط الاقتصادية القصوى لتحقيق أهدافها في الشرق الأوسط.

وعلى صعيد متصل، تواصل الولايات المتحدة ممارسة نفوذها الدولي في ملفات المنطقة، حيث استمرت في استخدام حق النقض (الفيتو) لتعطيل قرارات وقف الحرب في قطاع غزة على مدار عامين. هذا الدور الأمريكي يتقاطع مع التهديدات الموجهة لدول أخرى مثل فنزويلا وبنما، مما يعكس استراتيجية واشنطن في فرض رؤيتها السياسية عبر أدوات الضغط المختلفة.

وفي ظل هذا التصعيد، تترقب الأوساط الدولية ما ستسفر عنه الأيام القادمة من نتائج للمفاوضات النووية، خاصة مع وجود فجوة بين ترحيب الوسيط العُماني بالتنازلات الإيرانية ورفض ترامب لأي صيغة تسمح بالتخصيب. ويبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة الدبلوماسية على نزع فتيل الأزمة في ظل التهديدات الأمريكية المستمرة باللجوء إلى الخيار العسكري.

فلسطين

السّبت 28 فبراير 2026 6:48 صباحًا - بتوقيت القدس

خطاب حال الاتحاد 2026: ترامب يواجه اتهامات بالتضليل الاقتصادي وتجاهل الأزمات الدولية

شهدت الساحة السياسية الأمريكية خطاباً تاريخياً للرئيس دونالد ترامب بمناسبة حال الاتحاد لعام 2026، حيث استغرق 108 دقائق محطماً الرقم القياسي السابق المسجل باسم بيل كلينتون. وبالرغم من الطول الزمني الاستثنائي، واجه الخطاب انتقادات لاذعة وصفت بأنه 'مضبطة اتهام' وتفنيد لمزاعم اقتصادية بعيدة عن الواقع المعاش. وقد ركز ترامب في حديثه على ملفات الضرائب والرسوم الجمركية، محاولاً رسم صورة وردية للاقتصاد الأمريكي تتعارض مع التقارير المستقلة.

أفادت مصادر تحليلية بأن الخبير الاقتصادي جاك رامزوس فند ادعاءات ترامب بشأن انخفاض البطالة والنمو المطرد، مؤكداً أن الاقتصاد الأمريكي يشهد تباطؤاً متسارعاً. وأوضحت التقارير أن التضخم الحقيقي بلغ ضعف الأرقام المعلنة عند قياسه بأسعار الاستهلاك والناتج القومي الإجمالي. كما أشارت التحليلات إلى أن العجز في الميزانية يواصل الارتفاع، بينما تذهب المكاسب الكبرى لصالح أصحاب المليارات فقط.

وفي سياق الإنفاق العسكري، كشف الخطاب عن نية الإدارة الأمريكية منح البنتاغون ميزانية إضافية تقدر بـ 400 مليار دولار، في وقت توصف فيه الإعفاءات الضريبية للطبقة العاملة بأنها 'أضحوكة'. وتأتي هذه التوجهات في ظل استمرار ترامب في تجاوز الأعراف القانونية والدستورية، مستنداً إلى تعيينات موالية له في هيكلية المحكمة العليا. هذا النهج الداخلي يلقي بظلاله الثقيلة على مكانة الولايات المتحدة كدولة مؤسسات أمام المجتمع الدولي.

وعلى صعيد السياسة الخارجية، اتسم الخطاب بـ 'البخل' في تناول الملفات الحارقة، وعلى رأسها حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة ضد قطاع غزة والانتهاكات في الضفة الغربية. ورغم ترؤس ترامب لما يسمى 'مجلس السلام' الخاص بغزة بمشاركة شخصيات مثيرة للجدل مثل جاريد كوشنر وتوني بلير، إلا أن الواقع الميداني يعكس استمرار الدعم العسكري المطلق للاحتلال. وقد استخدمت واشنطن حق النقض (الفيتو) على مدار عامين لمنع أي قرار جدي بوقف إطلاق النار.

تجاهل الرئيس الأمريكي في خطابه قضايا البيئة بشكل كامل، حيث غابت مفردة 'المناخ' عن حديثه الطويل، مما يعكس انسحاباً من المسؤوليات الدولية تجاه الأزمات الكونية. وفي المقابل، برزت لغة التهديد والوعيد ضد إيران والتلويح بعدوان عسكري جديد دون تفويض واضح من الكونغرس. هذا السلوك يعزز من صورة ترامب كقائد يعتمد لغة القوة والمكاسب المالية 'البزنس أولاً' على حساب الدبلوماسية التقليدية.

أما فيما يخص التحالفات الدولية، فقد واصل ترامب نهج الاستخفاف بالحلف الأطلسي، معتبراً إياه عبئاً مالياً يستنزف ميزانية الدفاع الأمريكية. وتشير مصادر إلى أن تعامله الجانبي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ملف أوكرانيا يأتي على حساب مصالح الاتحاد الأوروبي. هذه السياسات دفعت دولاً حليفة مثل كندا للبحث عن شركاء تجاريين جدد كالصين، هرباً من وطأة الرسوم الجمركية الترامبية التي تذكر بحقبة الأربعينيات.

ختاماً، يرى مراقبون مثل ألفرد ماكوي أن شعار 'إعادة أمريكا عظيمة' (MAGA) لا يعدو كونه محاولة لتدوير أفكار قديمة لم تعد تتناسب مع موازين القوى الحالية. فالحقيقة الرقمية تشير إلى أن حصة أمريكا من الاقتصاد العالمي تراجعت إلى 15% فقط، مما يجعل الهيمنة الكونية في طور المحاق. إن ما تبقى من 'القرن الأمريكي' بات يعيش في ظلال سياسات غير مدروسة قد تسرع من هبوط الولايات المتحدة إلى مقام قوة إقليمية محدودة التأثير.

اقتصاد

السّبت 28 فبراير 2026 6:18 صباحًا - بتوقيت القدس

كوابيس اقتصادية تلاحق العالم: فاتورة الحرب المرتقبة في الشرق الأوسط

تتسم حسابات الحروب بتعقيدات تتجاوز الميادين العسكرية لتطال البنى السياسية والاقتصادية، حيث يتطلب اتخاذ قرار المواجهة تحوطاً واستعداداً دقيقاً للمراحل كافة. ومع تصاعد الحديث عن مواجهة مرتقبة تشمل أطرافاً إقليمية ودولية، تبرز التساؤلات حول الكلفة التقديرية وأثر ذلك على الاقتصاد العالمي المنهك أساساً.

تعد منطقة الشرق الأوسط القلب النابض لقطاع الطاقة العالمي، حيث تساهم بنحو ثلث الإنتاج العالمي من النفط و17% من الغاز الطبيعي. وأي اضطراب في هذه المنطقة يعني تهديداً مباشراً لنحو 15% من إمدادات الطاقة التي يعتمد عليها العالم في تسيير قطاعاته الصناعية والخدمية.

يمثل مضيق هرمز شريان الحياة للتجارة الدولية، إذ تعبر من خلاله بضائع تقدر قيمتها بنحو 3 تريليونات دولار سنوياً، ما يعادل 12% من إجمالي التجارة البحرية. إن أي تهديد لهذا الممر المائي سيؤدي إلى شلل في حركة الملاحة العالمية ويجبر السفن على اتخاذ مسارات بديلة ومكلفة.

الواقع الميداني يشير إلى أن التوترات الحالية بدأت تفرض أعباء مالية ثقيلة حتى قبل اندلاع المواجهة الشاملة، حيث قفزت كلف شحن الناقلات بنسبة 300%. وارتفعت قيمة استئجار الناقلة الواحدة من 50 ألف دولار إلى نحو 170 ألف دولار، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع النهائية.

إلى جانب كلف الشحن، تضاعفت كلف التأمين على السفن المارة عبر مضيق هرمز، حيث تضاف مبالغ تصل إلى 200 ألف دولار عن كل رحلة مرور واحدة. هذه الأرقام تعكس حالة القلق لدى شركات التأمين العالمية من مخاطر الاستهداف المباشر أو غير المباشر في المنطقة.

في حال اندلاع شرارة الحرب، تتوقع مصادر اقتصادية أن تقفز أسعار النفط سريعاً لتلامس حاجز 100 دولار للبرميل نتيجة الهجمات المحتملة على المنشآت. وإذا ما استمرت الحرب لفترة طويلة مع تعطل سلاسل الإمداد، فإن الأسعار قد تتجاوز عتبة 120 دولاراً للبرميل بشكل غير مسبوق.

تشير الدراسات الاقتصادية إلى أن زيادة مستدامة في أسعار النفط بنسبة تتراوح بين 20% و30% كفيلة بتقليص معدلات النمو العالمي بنحو 1%. هذا التباطؤ سيؤدي إلى ركود تضخمي يضرب الاقتصادات الكبرى والناشئة على حد سواء، مما يعقد مهام البنوك المركزية في السيطرة على الأسواق.

منظمة التجارة العالمية حذرت من أن اضطراب الملاحة في المضائق الحيوية سيجبر الخطوط الدولية على التحول نحو طريق رأس الرجاء الصالح. هذا التحول القسري يضيف ما بين 10 إلى 15 يوماً لزمن الرحلة بين آسيا وأوروبا، مما يرفع كلف التشغيل ويؤخر وصول السلع الأساسية.

الأمن الغذائي العالمي ليس بمنأى عن هذه التهديدات، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه دول المنطقة في صناعة البتروكيماويات والأسمدة. وتستحوذ دول الخليج على حصة تصل إلى 15% من تجارة الأسمدة النيتروجينية، وهي مكون أساسي لضمان الإنتاج الزراعي العالمي واستقرار أسعار الغذاء.

إيران بدورها تعد لاعباً رئيساً في إنتاج اليوريا والميثانول بحصة تبلغ 5% من التجارة العالمية، وأي توقف لإنتاجها سيزيد من حدة أزمة الأسمدة. هذا النقص سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية، مما يفاقم معاناة الدول الفقيرة التي تعتمد على الاستيراد لتأمين احتياجاتها.

تتجه الأنظار في أوقات الأزمات نحو الملاذات الآمنة، حيث يتوقع أن يسجل الذهب مستويات تاريخية مع هروب المستثمرين من أسواق الأسهم والعملات المتقلبة. هذا الهروب الجماعي نحو الذهب يعكس فقدان الثقة في الاستقرار المالي العالمي في ظل طبول الحرب التي تقرع في الإقليم.

تشير تقديرات دولية إلى أن كلفة الحرب الجديدة في المنطقة قد تصل إلى 400 مليار دولار خلال العقد المقبل، وهي مبالغ ضخمة كان يمكن استثمارها في التنمية. هذه الفاتورة الباهظة تشمل الدمار المباشر في البنى التحتية وفقدان الفرص الاقتصادية والنمو الضائع نتيجة النزاعات المسلحة.

بالعودة إلى التاريخ، أظهرت دراسات شملت 135 نزاعاً مسلحاً أن الدول المتورطة في الحروب تخسر نحو 13% من ناتجها المحلي الإجمالي في العقد اللاحق. كما يتراجع الاستهلاك والاستثمار بنسب مماثلة، مما يدخل هذه الاقتصادات في دوامة من التضخم المفرط والديون السيادية المتراكمة.

في المحصلة، يبدو أن الجميع سيخرج خاسراً من أي مواجهة عسكرية واسعة في المنطقة، حيث ستتأثر كل دول العالم بنسب متفاوتة. ومع ذلك، تبرز المخاوف من أن حكومة نتنياهو قد تدفع المنطقة نحو دمار غير محسوب العواقب، معتمدة على أطراف أخرى لتغطية الفواتير المالية والسياسية.

أقلام وأراء

السّبت 28 فبراير 2026 6:18 صباحًا - بتوقيت القدس

فيصل القاسم: الهشاشة الداخلية هي من يفتح أبواب التدخل الخارجي في الدول العربية

يتكرر في كل أزمة عربية وهمٌ مفاده أن القوى الخارجية تتدخل بدافع أخلاقي لإنقاذ الشعوب أو إعادة بناء الدول المنهارة. الحقيقة أن هذا التصور المريح نفسياً يتناقض كلياً مع طبيعة السياسة الدولية التي لا تعرف الجمعيات الخيرية، بل تتحرك الجيوش والأموال وفق حسابات استراتيجية دقيقة تتعلق بالنفوذ والأمن وتوازنات القوى الإقليمية.

عندما تقرر دولة ما دعم طرف في نزاع داخلي، فهي لا تفعل ذلك حباً فيه، بل لأنها تراه أداة تخدم موقعها الجيوسياسي أو تمنع خصماً من التقدم. هذا التوصيف ليس قراءة عاطفية، بل هو انعكاس للنظام الدولي الذي يحركه منطق المصلحة أولاً، حتى وإن غُلفت القرارات بلغة القيم والمبادئ الإنسانية الجذابة.

بالنظر إلى تجارب المنطقة في العقود الأخيرة، نجد أن التدخل الخارجي تحول إلى عنصر بنيوي في الصراعات، كما حدث في العراق بعد عام 2003 الذي فتح أبواباً لصراعات إقليمية لم تنتهِ. وكذلك في ليبيا عام 2011، حيث تحول التدخل من عملية محددة إلى مسار طويل من الانقسام المؤسسي والصراع المسلح الذي مزق البلاد.

إن المشترك بين حالات اليمن والسودان وليبيا ليس مجرد وجود أصابع خارجية، بل الهشاشة الداخلية التي سبقت هذا التدخل ومهدت له الطريق. من السهل دائماً إلقاء اللوم على 'الخارج' للهروب من مواجهة الأسئلة الصعبة المتعلقة بإدارة الدولة، والشرعية، وبناء المؤسسات الوطنية القادرة على استيعاب التعددية السياسية.

القوى الخارجية لا تستطيع النفاذ إلى بلد مستقر يتمتع بمؤسسات قوية وشرعية سياسية متينة بالسهولة التي تخترق بها المجتمعات المنقسمة. الدول التي تملك آليات قانونية واضحة لإدارة الخلافات وتداول السلطة تكون أقل عرضة للتحول إلى ساحات صراع بالوكالة، بينما تصبح البيئات المأزومة مسرحاً لتصفية الحسابات الدولية.

حين يشعر جزء من المجتمع بالإقصاء أو الظلم وتُغلق أمامه قنوات المشاركة السلمية، فإنه يبحث تلقائياً عن سند خارجي، وهنا يجد الخارج فرصته الذهبية. يتحول الصراع حينها من خلاف داخلي قابل للحل إلى عقدة إقليمية معقدة، حيث تصبح النوايا المعلنة لحماية المدنيين مجرد غطاء لانخراط طويل الأمد يحقق مصالح المتدخلين.

إن بناء دولة القانون والمؤسسات ليس مجرد مطلب أخلاقي، بل هو استراتيجية أمن قومي حقيقية لتحصين الجبهة الداخلية ضد أي اختراق. العدالة والمشاركة السياسية هما صمام الأمان الحقيقي، فكل إصلاح حقيقي في بنية الدولة يقلل من قابليتها للتحول إلى ساحة صراع، ويجعل أي تدخل خارجي مكلفاً سياسياً وأخلاقياً.

أقلام وأراء

السّبت 28 فبراير 2026 6:18 صباحًا - بتوقيت القدس

ترامب والسياسة بعيون المقاول: قراءة في ظاهرة القوة والمال

تجمع الأوساط السياسية والشعبية حول العالم على أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمثل حالة استثنائية ومثيرة للجدل في تاريخ القيادة الدولية. يظهر ترامب في لقاءاته مع قادة العالم بأسلوب يمزج بين الاستفزاز والهزل، مما يجعل المتابع يشعر وكأنه أمام فصول مسرحية لا تنتهي، ورغم ذلك، تظل كلماته تحظى بصدى واسع وتأثير ممتد عبر القارات، كما حدث في خطابه الأخير الذي حقق أرقام متابعة قياسية.

تفتقر خطابات الرئيس الأمريكي إلى الصياغات السياسية التقليدية التي تهم المستمع غير الأمريكي، إذ يطغى عليها أسلوب رجل الأعمال أو المقاول الذي يحسب الأرباح بدقة متناهية. تبرز في حديثه لغة الأرقام والتريليونات بشكل يفوق الحديث عن المبادئ الاقتصادية أو التوجهات السياسية، مما يعكس رؤية تقسم العالم إلى تابعين أو مجبرين على الانصياع للقوة المالية والعسكرية، بعيداً عن شعارات الديمقراطية والنزاهة.

بثقة مفرطة، يروج ترامب لما يصفه بـ 'الفترة الذهبية' التي جعلت الولايات المتحدة القوة الوحيدة والآمرة في العالم خلال شهور وجيزة. ولم تقتصر هذه القوة على الجانب الاقتصادي، بل تجلت في استخدام حق النقض 'الفيتو' لتعطيل أي محاولات لإنقاذ المدنيين في قطاع غزة من الحرب المستمرة، بالإضافة إلى ممارسة ضغوط سياسية وعسكرية وصلت إلى حد تهديد دول بالاحتلال المباشر من بنما إلى إيران.

يتسم النهج السياسي لترامب بالصراحة الصادمة التي تتجاوز حدود الدبلوماسية، حيث يقيم الدول والشعوب بناءً على ثرواتها وما تمتلكه من أصول مالية. هذا التوجه أثار انتقادات واسعة، وصلت إلى حد وصف بعض السياسيين الأوروبيين لأسلوبه بالتهور الذي يفتقر للاتزان النفسي، خاصة مع تجاهله للحقائق الجغرافية والتاريخية في سبيل تحقيق مكاسب آنية تخدم رؤيته 'الصفقاتية' للحكم.

في نهاية المطاف، يبدو أن العالم يعيش حالة من الذهول أمام هذا النموذج القيادي الذي يفضل 'صلصلة النقود' على استقرار المنظومة الدولية. وإذا ما استمرت هذه النماذج في قيادة القوى العظمى بنفس العقلية، فإن البشرية قد تجد نفسها أمام أزمة جنون جماعي تهدد السلم العالمي، في ظل غياب الرقابة الأخلاقية والقانونية على القرارات التي تمس مصير الشعوب المقهورة في غزة وفنزويلا وغيرها.

فلسطين

السّبت 28 فبراير 2026 5:48 صباحًا - بتوقيت القدس

العفو الدولية: التوسع الاستيطاني في الضفة تحدٍ سافر للقانون الدولي وتكريس للضم

أكدت منظمة العفو الدولية أن السلطات الإسرائيلية بدأت منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي تصعيداً غير مسبوق في إجراءاتها الاستيطانية بالضفة الغربية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية. وأوضحت المنظمة في تقرير حديث أن هذه التحركات تأتي عبر حزمة من القرارات الممنهجة التي تهدف إلى تكريس ضم الأراضي الفلسطينية وفرضها كأمر واقع على المجتمع الدولي.

وشملت الخطوات الإسرائيلية الأخيرة طرح مناقصات لبناء وحدات استيطانية جديدة، والمصادقة على إنشاء مستوطنات إضافية، وتوسيع القائم منها بشكل كبير. كما رصدت المنظمة إجراءات قانونية وإدارية تتعلق بتسجيل مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية تحت مسمى 'أراضي دولة' لسهولة السيطرة عليها لاحقاً.

وسلط التقرير الضوء على مناقصة طُرحت في العاشر من ديسمبر الماضي لبناء 3401 وحدة سكنية في منطقة 'إي 1' الاستراتيجية الواقعة شرق القدس المحتلة. وتهدف هذه الخطة إلى توسيع مستوطنة 'معاليه أدوميم' وربطها جغرافياً بالقدس الشرقية، مما يهدد بقطع التواصل الجغرافي للضفة الغربية.

وحذرت المنظمة الدولية من أن تنفيذ هذا المشروع الاستيطاني سيؤدي حتماً إلى تقسيم الضفة الغربية إلى جزأين منفصلين، مما يقوض أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية متصلة. كما سيؤدي هذا التوسع إلى تهجير قسري للعديد من التجمعات الفلسطينية البدوية التي تقيم في تلك المنطقة منذ عقود طويلة.

من جانبه، صرحت المسؤولة في منظمة العفو الدولية، إريكا غيفارا روساس، بأن إسرائيل تضرب بعرض الحائط كافة قرارات الأمم المتحدة والفتوى القانونية الصادرة عن محكمة العدل الدولية. وأشارت إلى أن استمرار التوسع الاستيطاني يمثل تحدياً سافراً للقانون الدولي، ويسهم في ترسيخ نظام فصل عنصري 'أبارتهايد' يخنق حياة الفلسطينيين.

وفي سياق الأرقام، صادق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي مؤخراً على خطط لإنشاء 19 مستوطنة جديدة، ليصل عدد المستوطنات التي أُقرت خلال السنوات الثلاث الماضية إلى 68 مستوطنة. وتعكس هذه الأرقام تسارعاً مخيفاً في وتيرة الاستيلاء على الأراضي مقارنة بالفترات الزمنية السابقة.

وتشير الإحصاءات الحالية إلى وجود نحو 210 مستوطنات رسمية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، يقطنها ما يقارب 750 ألف مستوطن إسرائيلي. وتعمل هذه الكتل الاستيطانية كأدوات للسيطرة العسكرية والمدنية على الموارد الطبيعية والمساحات الجغرافية المتبقية للفلسطينيين.

ونقلت المنظمة عن مصادر حقوقية إسرائيلية أن عام 2025 شهد وحده إنشاء 86 بؤرة استيطانية جديدة، اتخذ معظمها طابعاً رعوياً أو زراعياً للسيطرة على مساحات شاسعة من المراعي. وتترافق هذه البؤر عادة مع تصاعد في اعتداءات المستوطنين ضد المزارعين الفلسطينيين لترهيبهم وإجبارهم على الرحيل.

وفي تطور إداري خطير، أعلنت الإدارة المدنية الإسرائيلية في يناير الماضي تخصيص 694 دونماً من أراضي بلدات شمال الضفة كأراضي دولة. وتبع ذلك قرار حكومي بتخصيص 244 مليون شيكل لنقل صلاحيات تسجيل الأراضي في المنطقة 'ج' إلى وزارة العدل الإسرائيلية، في خطوة تمهد لتغيير الوضع القانوني للضفة.

وعلى صعيد ميداني، استنكرت منظمات حقوقية هجوماً نفذه مستوطنون ملثمون على ناشطين في قرية قصرة شمالي الضفة الغربية باستخدام العصي والأدوات الحادة. وأسفر الاعتداء عن إصابة شخصين بجروح نُقلا على إثرها للمستشفى، في ظل صمت مطبق من قوات الأمن الإسرائيلية المتواجدة في المنطقة.

ووصفت مصادر حقوقية هذه الاعتداءات بأنها تمثل 'عنف دولة' منظم و'إرهاباً' يمارس تحت غطاء رسمي لتسريع عمليات الاستيلاء على الأراضي. وتندرج هذه الهجمات ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تضييق الخناق على الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة 'ج' وتفريغها من سكانها الأصليين.

وخلصت المنظمات الدولية والمحلية إلى أن تصاعد وتيرة الاستيطان يتزامن مع تغييرات تشريعية تمنح المستوطنين صلاحيات واسعة في مجالات التخطيط والبناء والمياه. وتؤكد هذه المعطيات أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تمضي قدماً في خطة الضم الفعلي للضفة الغربية، متجاهلة كافة التحذيرات الدولية من تداعيات هذه السياسة.

اسرائيليات

السّبت 28 فبراير 2026 5:04 صباحًا - بتوقيت القدس

دبلوماسي إسرائيلي: مجلس السلام الذي أسسه ترامب يمهد الطريق للدولة الفلسطينية

شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن انطلاق الاجتماع الأول لمجلس السلام الذي أسسه الرئيس دونالد ترامب، وسط ترقب إقليمي ودولي لمخرجات هذا الكيان الجديد. ورغم إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انضمام تل أبيب لهذا المجلس، إلا أنه اختار عدم الحضور الشخصي للمناقشات الافتتاحية.

تشير تقديرات سياسية إلى أن غياب نتنياهو قد يكون نابعاً من رغبته في تجنب الظهور العلني إلى جانب قادة دول تربطهم علاقات متوترة مع إسرائيل، مثل تركيا وقطر. ويبدو أن الحساسيات الدبلوماسية المتبادلة حالت دون مشاركة مباشرة للقيادة الإسرائيلية في هذه الجلسات التأسيسية.

اعتبر نداف تامير، الرئيس التنفيذي لمؤسسة جي ستريت أن إنشاء هذا المجلس يمثل تحولاً جوهرياً في هيكلية الساحة الدولية وإدارة الأزمات الإقليمية. وأوضح أن الطموحات التي يقودها ترامب تتجاوز مجرد إعادة إعمار قطاع غزة لتصل إلى تصميم إطار دولي جديد وأكثر فاعلية.

يرى تامير أن المجلس يسعى للعمل بالتوازي مع منظمة الأمم المتحدة، مع التركيز على آليات تنفيذية أكثر مرونة ومحدودية في العضوية لضمان سرعة الإنجاز. ويطرح الاجتماع الأول تساؤلات جدية حول قدرة هذه الهيئة على الحفاظ على وقف إطلاق النار في غزة على المدى الطويل.

أكدت مصادر تحليلية أن السؤال الجوهري ليس في قدرة المجلس على استبدال الأمم المتحدة، بل في كيفية التكامل بين الآليات الدولية المختلفة لتحقيق الاستقرار. فالمجلس يمتلك القدرة على خلق زخم إقليمي وحركة دبلوماسية تعتبر ضرورية لكل من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني في هذه المرحلة.

شدد الكاتب على ضرورة عدم وضع إسرائيل في موقف الاختيار بين الساحات الدولية المختلفة، بل يجب عليها التحرك بذكاء في كافة المسارات المتاحة. فالانضمام إلى تحالف إقليمي قوي سيسهم في تمكين عمليات إعادة البناء وضمان استقرار المنطقة تحت غطاء دولي شرعي.

أوضح تامير أن اللحظة الراهنة تمثل فرصة تاريخية لا تتكرر، ويجب على القيادة الإسرائيلية استغلالها بدلاً من تفويتها تحت ضغوط داخلية. ويتطلب ذلك فهماً عميقاً للتحولات الجيوسياسية التي أحدثتها الحرب الأخيرة في قطاع غزة وتداعياتها على الأمن القومي الإسرائيلي.

طالب الدبلوماسي الإسرائيلي بضرورة ترجمة حالة الإلحاح الدولي والإقليمي إلى مسار سياسي واضح ومحدد لا يقبل التراجع. هذا المسار يجب أن يفضي في نهاية المطاف إلى إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح تضمن دمج الأطراف كافة في منظومة الشرق الأوسط الجديد.

أشار التحليل إلى أن ما يحدث في غزة لم يعد شأناً محلياً، بل باتت أصداؤه تتردد في كافة أنحاء المنطقة وتؤثر على السياسات العالمية الكبرى. وإنشاء مجلس السلام هو اعتراف صريح بضرورة وجود حلول جذرية تتجاوز المسكنات الأمنية المؤقتة التي اعتمدت في العقود الماضية.

حذر تامير من مغبة وضع 'العصي في العجلات' أمام الترتيبات السياسية المقترحة، داعياً الحكومة الإسرائيلية إلى عدم الهروب من استحقاقاتها التاريخية. فالعالم اليوم يتحرك بكتلة واحدة نحو تعزيز الاستقرار الإقليمي على قاعدة حل الدولتين كخيار وحيد ومستدام.

أكد المقال أن التحركات سواء داخل مجلس السلام أو في أروقة الأمم المتحدة تصب في اتجاه واحد وهو إنهاء الصراع عبر تسوية سياسية شاملة. وهذه التسوية هي الكفيلة وحدها بتحقيق السلام الدائم الذي تنشده شعوب المنطقة بعيداً عن دوامات العنف المتكررة.

تبدي أوساط إسرائيلية مخاوف مكتومة من طبيعة الدور الذي سيلعبه ترامب عبر هذا المجلس، خاصة فيما يتعلق بفرض إرادته السياسية على ملف غزة. وهناك قناعة متزايدة بأن واشنطن قد تفرض مشاريع محددة تتطلب من تل أبيب تقديم تنازلات جوهرية ومؤلمة.

يمثل مجلس السلام بداية فصل جديد في الدبلوماسية الإقليمية، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الترتيبات الأمنية والسياسية. وتجد إسرائيل نفسها أمام اختبار حقيقي لموازنة علاقاتها مع الإدارة الأمريكية وبين رؤيتها اليمينية لإدارة الصراع مع الفلسطينيين.

في الختام، يخلص تامير إلى أن الضغوط الدولية لن تتوقف عند حدود التهدئة، بل ستدفع باتجاه حلول نهائية وشاملة. والاعتراف بالدولة الفلسطينية بات جزءاً لا يتجزأ من أي رؤية مستقبلية يطرحها المجتمع الدولي، بما في ذلك الحلفاء المقربون في واشنطن.

اسرائيليات

السّبت 28 فبراير 2026 5:04 صباحًا - بتوقيت القدس

حرب الممرات: خطة إسرائيلية لترسيخ 'طريق الحرير' الجديد ومواجهة النفوذ التركي القطري

كشفت مصادر صحفية عبرية عن تفاصيل استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى إعادة صياغة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، من خلال التركيز على ما يُعرف بـ 'محور الفرص'. ويقوم هذا التوجه على استبدال الصراعات التقليدية بشراكات اقتصادية واسعة تشمل مجالات الطاقة والتجارة والألياف البصرية.

وأوضحت المصادر أن الجوهر الحقيقي لهذه التحركات يكمن في إنشاء 'طريق حرير' جديد يمتد من الشرق الأقصى وصولاً إلى العالم الغربي. ويُعتبر ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC) هو العمود الفقري لهذا المشروع الذي تراهن عليه واشنطن وتل أبيب لتغيير وجه المنطقة.

وتلعب الهند دور البوابة الشرقية لهذا الممر الحيوي، بينما يتموضع الاحتلال الإسرائيلي كبوابة غربية رئيسية تطل على القارة الأوروبية. ويهدف هذا الربط إلى جعل إسرائيل نقطة ارتكاز لا يمكن تجاوزها في أي تدفقات تجارية أو طاقية قادمة من آسيا.

وفي قلب هذا الممر، تبرز أهمية دول مثل الإمارات والسعودية والأردن كممرات برية حيوية لنقل البضائع بعد تفريغها من السفن. وتعمل الخطة على تحويل هذه الجغرافيا إلى شبكة متصلة من السكك الحديدية وأنابيب الطاقة التي تخدم المصالح المشتركة للمحور الجديد.

وقد اتخذت إسرائيل خطوات فعلية لتعزيز 'الجناح الغربي' لهذا التحالف من خلال إبرام اتفاقيات دفاعية وأمنية مع قبرص واليونان. ويضمن هذا التحالف وصول الصادرات الإسرائيلية، سواء كانت بضائع أو غازاً طبيعياً، إلى العمق الأوروبي عبر الموانئ اليونانية ومنها إلى إيطاليا وفرنسا.

وتكتسب زيارة رئيس الوزراء الهندي الأخيرة أهمية بالغة، حيث اعتُبرت إعلاناً رسمياً عن تدشين 'الجناح الشرقي' للمحور الاقتصادي. وتعزز هذه الخطوة من مكانة الهند كقوة اقتصادية صاعدة وشريك استراتيجي يمنح إسرائيل ثقلاً دولياً إضافياً في مواجهة التحديات الإقليمية.

في المقابل، تشير التحليلات إلى وجود صراع محتدم مع أطراف إقليمية أخرى، وتحديداً تركيا وقطر، اللتين تسعيان لتقويض هذا المسار. وتعمل أنقرة والدوحة على طرح بدائل تجارية تمر عبر الأردن وسوريا وصولاً إلى الأراضي التركية، لتجاوز الموانئ الإسرائيلية بشكل كامل.

وتحاول القوى المنافسة استمالة الموقف السعودي للتخلي عن الانخراط الكامل في المشروع الإسرائيلي، وهو ما دفع تل أبيب للبحث عن بدائل جغرافية. ومن بين هذه البدائل، برز التوجه نحو الاعتراف بـ 'صوماليلاند' نظراً لموقعها الاستراتيجي المتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.

وعلى صعيد الموانئ، وقعت مجموعة موانئ أبوظبي اتفاقية طويلة الأمد لإدارة وتشغيل ميناء العقبة في الأردن لمدة عشرين عاماً. وتأتي هذه الخطوة في إطار تأمين الممرات البرية والبحرية التي تخدم انسيابية البضائع ضمن رؤية الممر الاقتصادي المشترك.

وفي سياق متصل، أبرمت شركة 'أداني' الهندية، التي تدير ميناء حيفا حالياً، شراكة استراتيجية مع ميناء مرسيليا الفرنسي. ويعكس هذا التعاون الربط المباشر بين الموانئ التي تسيطر عليها شركات المحور، مما يسهل حركة التجارة من المحيط الهندي إلى قلب أوروبا.

ويرى مراقبون أن إسرائيل تحاول استغلال التوترات الإقليمية لفرض واقع اقتصادي جديد يجعل من وجودها ضرورة أمنية واقتصادية للقوى الكبرى. وتعتبر هذه الاستراتيجية أداة لإضفاء الطابع المؤسسي على العلاقات مع الدول العربية المنخرطة في المشروع تحت غطاء 'التحالف الدفاعي'.

ورغم التحديات، تترك الخطة الباب موارباً أمام السعودية للعودة كلاعب رئيسي في حال توفرت الظروف السياسية الملائمة. بل إن بعض السيناريوهات المتفائلة في الأوساط العبرية تذهب إلى إمكانية فتح طرق برية عبر إيران في حال حدوث تغيير جذري في نظامها السياسي.

إن نجاح إسرائيل في ترسيخ ضلعي المحور من الشرق والغرب يمثل، حسب المصادر، انتصاراً استراتيجياً يعزز قيمتها كحليف للولايات المتحدة. ويؤدي هذا الترابط إلى جعل إسرائيل جزءاً عضوياً من البنية التحتية العالمية للتجارة، مما يصعب من عمليات عزلها سياسياً.

ختاماً، تظل 'حرب الممرات' هي العنوان الأبرز للصراع القادم في المنطقة، حيث تتداخل المصالح الجيوسياسية مع الطموحات الاقتصادية. وسيكون لقدرة إسرائيل على تنفيذ ممر IMEC أثر حاسم في تحديد موازين القوى بين المحاور المتنافسة في الشرق الأوسط.