لم تكن ما عُرفت إعلامياً بـ 'صفقة القرن' مجرد حدث سياسي عابر أو مقترح عارض، بل مثلت تعبيراً مكثفاً عن مرحلة كاملة تهدف إلى إعادة هندسة المنطقة سياسياً واستراتيجياً. هذا التصور يتجاوز التفاصيل التقنية للخطة ليصل إلى الإطار المفاهيمي الذي أُعيد من خلاله تعريف القضية الفلسطينية وجوهرها التاريخي.
إن استخدام مصطلح 'صفقة' في سياق قضية وطنية بوزن فلسطين يحمل دلالات خطيرة على البنية القانونية والأخلاقية للصراع. فبينما تقوم الصفقات قانونياً على التكافؤ وتبادل المنافع، فإن استدعاءها في ظل احتلال قائم يهدف لنقل القضية من دائرة الحقوق الثابتة إلى مساحات المقايضة السياسية.
تعتبر الأرض والسيادة والهوية عناصر غير قابلة للمساومة في الوجدان الفلسطيني، إلا أن المنطق المؤسس للمشاريع الأخيرة يحاول جعلها بنوداً في جدول أعمال تجاري. ومن منظور القانون الدولي، يظل حق الشعوب في تقرير مصيرها قاعدة آمرة لا يمكن الالتفاف عليها عبر ترتيبات اقتصادية أو وعود تنموية زائفة.
إن الاحتلال لا يكتسب شرعية بمرور الزمن، ولا يمكن لواقع غير مشروع أن يتحول إلى قانوني بمجرد اعتراف قوى كبرى به. وفي هذا الإطار، لم يكن الدور الأمريكي في رعاية هذه المشاريع حيادياً، بل جاء منسجماً مع رؤية استراتيجية تعيد ترتيب أولويات الإقليم بما يخدم المصالح الإسرائيلية حصراً.
تجد هذه المشاريع والمخططات بيئة خصبة للتمدد في المجتمعات التي تعاني من الرخاوة السياسية والتشظي الهوياتي. فالأمم المنهكة بصراعاتها الداخلية وانقساماتها تصبح أقل قدرة على بلورة موقف وطني جامع، مما يجعلها أكثر عرضة للضغوط والمساومات الدولية التي تستهدف ثوابتها.
برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة إعادة توجيه بوصلة العداء في وعي بعض الأنظمة، حيث تم استبدال مركزية الصراع مع الاحتلال بخصومات إقليمية أخرى. هذا التحول يهدف إلى صناعة 'عدو بديل' في الوعي العام، مما يؤدي موضوعياً إلى تبديد الطاقات في صراعات جانبية تخدم استمرار الوقائع الاستيطانية على الأرض.
يقدم النموذج العراقي بعد غزو عام 2003 درساً قاسياً حول خطورة إدارة الدول وفق منطق المصالح الخارجية وتفكيك المؤسسات الوطنية. فقد أدت سياسات إعادة الهيكلة المفروضة إلى فتح المجال أمام صراعات داخلية عميقة، مما أثبت أن اختلال السيادة الوطنية يفضي حتماً إلى اختلال الاستقرار الشامل.
إن مجرد استخدام مصطلح 'صفقة' في سياق قضية بحجم فلسطين ينطوي على تحوّل خطير في البنية القانونية والأخلاقية للنزاع.
إن قراءة 'صفقة القرن' في ضوء المعطيات الراهنة تكشف أنها لم تكن مبادرة سلام حقيقية، بل محاولة لفرض سقف سياسي منخفض وتطبيع واقع غير شرعي. فالسلام الذي لا يقوم على إزالة الأسباب الجذرية للصراع، وفي مقدمتها الاحتلال، يظل سلاماً هشاً يفتقر للعدالة والديمومة.
يبرز الحديث المتداول عن تشكيل ما يسمى 'مجلس السلام' كخطوة مؤسسية متقدمة تهدف لترجمة رؤية الصفقات السياسية إلى هياكل تنظيمية دائمة. هذا الانتقال من مستوى المبادرات النظرية إلى البناء المؤسسي يعني محاولة مأسسة الأمر الواقع وجعله جزءاً لا يتجزأ من النظام الإقليمي الجديد.
إن إنشاء مثل هذه المجالس، إذا اتجه نحو تكريس الاختلال بدل معالجته، سيتحول إلى آلية لإدارة الصراع لا لإنهائه بشكل عادل. وهنا يبرز التساؤل الجوهري حول ما إذا كان السلام يُبنى على قواعد العدالة الدولية أم على قاعدة إعادة تنظيم الاحتلال في صور أقل كلفة سياسية.
تكمن الخطورة الحقيقية في بعض المشاريع السياسية فيما تؤسسه من بنى تحتية وهياكل دائمة قد تجعل التراجع عن آثارها مستقبلاً أمراً بالغ الصعوبة. لذا، فإن المعركة الراهنة ليست مجرد صراع على نصوص المبادرات، بل هي معركة وعي للتمييز بين السلام الحقيقي القائم على الكرامة والسلام المعلب.
إن منطق الحق يظل أكثر رسوخاً في التاريخ وأعمق أثراً في الضمير الجمعي من منطق الصفقات العابرة التي تفرضها موازين القوى المؤقتة. وبين هذين المنطقين يتحدد مستقبل القضية الفلسطينية، فإما تسوية تعيد إنتاج الظلم، أو مسار يستند إلى القانون والعدالة والكرامة الإنسانية.
تتطلب المرحلة الحالية يقظة سياسية قادرة على تفكيك الخطابات التي تحاول تغليف التنازلات بغلاف التنمية والازدهار الاقتصادي. فالسيادة الوطنية لا يمكن تعويضها بالمنح المالية، وحق العودة وتقرير المصير يظلان جوهر أي حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية في مواجهة محاولات التصفية.
في الختام، يبقى الرهان على قدرة الشعب الفلسطيني وقواه الحية في التمسك بالثوابت ورفض الانخراط في مسارات تشرعن الاحتلال. إن التاريخ يثبت أن المشاريع التي تتجاوز حقوق الشعوب وتتجاهل تطلعاتها المشروعة مآلها الفشل، مهما بلغت قوة الأطراف الدولية الداعمة لها.





شارك برأيك
من منطق الصفقات إلى ثبات الحقوق: تفكيك مخططات إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني