تشير القراءة المتأنية للمشهد الميداني في لبنان وفلسطين إلى أن اتفاقات وقف إطلاق النار المعلنة لم تكن سوى فترات انتقالية لفتح جبهات جديدة وتوسيع رقعة النار. ورغم الضجيج الإعلامي الذي رافق تدوينات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الوساطة، إلا أن الواقع على الأرض في جنوب لبنان شهد وتيرة أعنف من القصف الإسرائيلي، مما يعكس فجوة عميقة بين التصريحات السياسية والتحركات العسكرية.
وفي قطاع غزة، تكرر سيناريو الالتفاف على التفاهمات، حيث تراجعت قوات الاحتلال عن استحقاقات 'خطة ترامب' للسلام، وبدلاً من الانسحاب، عمدت إلى زيادة مساحة سيطرتها لتشمل نحو 70% من مساحة القطاع. هذا التوسع ترافق مع تضييق خانق على دخول المساعدات الإنسانية التي لم تتجاوز 20% من الحصص المتفق عليها، مما أفرغ الاتفاق من محتواه الإنساني والسياسي.
سجلت المصادر الميدانية أكثر من ثلاثة آلاف خرق إسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2025، مما أدى إلى ارتقاء نحو ألف شهيد فلسطيني جديد. هذه الخروقات لم تقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل شملت عمليات اغتيال ممنهجة استهدفت قيادات المقاومة، وسط صمت مطبق من الإدارة الأمريكية التي لم تبدِ أي اعتراض جدي على تقويض خطتها المزعومة.
المشهد في الضفة الغربية وسوريا ليس بعيداً عن هذا التصعيد، حيث تواصل سلطات الاحتلال خطط الضم والاستيطان وتفكيك السلطة الفلسطينية تمهيداً لإلغاء اتفاقات أوسلو قانونياً. وفي الجبهة السورية، استغل الاحتلال حالة الهدوء النسبي ليقضم مساحات واسعة من الجنوب السوري تعادل ضعف مساحة غزة، مضافاً إليها الجولان المحتل، في ظل غياب أي رد فعل دولي وازن.
إن ما بني على باطل فهو باطل، والنتيجة المرئية اليوم هي أن هجمات الاحتلال لم تتوقف، والمقاومة لا تضع سلاحها.
أما على الجبهة اللبنانية، فقد أثبتت التطورات أن سياسة الأرض المحروقة وإخلاء القرى الحدودية لم تنجح في كسر إرادة المقاومة أو تأمين المستعمرات الشمالية. ورغم ادعاءات الاحتلال بالسيطرة على نقاط استراتيجية مثل قلعة الشقيف، إلا أن طائرات حزب الله المسيرة وصواريخه الموجهة بالألياف الضوئية لا تزال تستنزف قدرات جيش الاحتلال وتوقع خسائر يومية في صفوف ضباطه وجنوده.
وعلى الصعيد الإقليمي، تبدو المواجهة الإيرانية الأمريكية مرشحة للانفجار رغم استمرار جولات التفاوض المتعثرة بسبب تعارض الأهداف الجذرية بين الطرفين. وتؤكد تقارير استخباراتية أن طهران نجحت في تعزيز دفاعاتها الجوية عبر شراكات مع الصين وروسيا، مع احتفاظها بترسانة صاروخية ضخمة في منشآت محصنة تحت الجبال، مما يجعل خيار الحرب الشاملة مكلفاً جداً للجانب الأمريكي.
إن الحالة الراهنة تشير بوضوح إلى أن المنطقة تذهب نحو حرب أوسع وأكثر شمولاً، حيث لم يحقق الاحتلال أهدافه الاستراتيجية رغم حجم الدمار الهائل. وفي المقابل، تواصل قوى المقاومة تطوير تكتيكات 'حرب العصابات' واستخدام تقنيات متطورة في الاستنزاف، مما يجعل حسم الصراع عسكرياً أمراً بعيد المنال ويفتح الباب أمام جولات مواجهة قد تشمل كافة الجبهات في آن واحد.





شارك برأيك
طبول حرب أوسع: لماذا تتحول اتفاقات وقف النار إلى عتبات للتصعيد؟