يواجه سكان قرية عابا والبلدات المجاورة شمالي الضفة الغربية خطراً داهماً يهدد أراضيهم الزراعية ومشاريعهم الاقتصادية، إثر شروع جيش الاحتلال في تهيئة البنية التحتية لإقامة معسكر جديد. ويقع هذا المعسكر على طريق حيوي يمثل شريان الحياة للقرى الشرقية في مدينة جنين، مما ينذر بتغيير جذري في جغرافيا المنطقة وأمن سكانها.
وتمتد المنشأة العسكرية الجديدة على مساحة تقدر بنحو 22 دونماً من أراضي بلدة عابا، وتعود ملكية هذه الأراضي لمواطنين من بلدة قباطية المجاورة. وكانت سلطات الاحتلال قد وضعت يدها على هذه المساحات بموجب أمر عسكري صدر في منتصف شهر مايو المنصرم، ضمن خطة لتوسيع الوجود العسكري في المنطقة.
ولا تتوقف المخاوف عند حدود الجدران الإسمنتية التي بدأت ترتفع في المكان، بل تمتد لتشمل تدمير الدفيئات الزراعية ومراعي الأغنام والمرافق السياحية التي كانت تستعد لموسم الصيف. ويخشى الأهالي من أن يؤدي وجود المعسكر إلى إغلاق طرق التنقل وحرمانهم من الوصول إلى مصادر رزقهم التي أسسوها على مدار سنوات طويلة.
وفي شهادة ميدانية، أفادت مصادر بأن جيش الاحتلال استولى على بيت اصطياف حديث يعود للمواطن علاء الأسمر، وحوله إلى نقطة مراقبة عسكرية متقدمة. هذا المبنى الذي كلف أصحابه نحو 1.5 مليون شيكل، تم الاستيلاء عليه قبل أن يتمكن أصحابه من تأجيره أو استخدامه لليلة واحدة مع بداية موسم الصيف.
وأوضح المواطن الأسمر أن قوة عسكرية أبلغته بالاستيلاء على 'الشاليه' لمدة مؤقتة، لكن الجنود لا يزالون يتمركزون فيه، مما يهدد بتحويل الضرر المؤقت إلى خسارة دائمة. وأشار إلى أن الزبائن والمستجمين سيمتنعون عن القدوم إلى المنطقة بسبب الوجود العسكري المكثف والمخاطر الأمنية المترتبة على ذلك.
من جانبه، ذكر برهان عزموطي، رئيس المجلس القروي في عابا أن المعسكر يقع في منطقة 'الأحواض' المحاذية تماماً لبلدة عابا الشرقية ومنطقة وادي الضبع. وأكد أن غالبية الأراضي المحيطة بالمعسكر مزروعة بأشجار الزيتون، التي تمثل العمود الفقري لاقتصاد العائلات الفلسطينية في تلك المنطقة.
ويحذر المجلس القروي من فرض قيود أمنية مشددة قد تمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، حتى تلك التي تبعد مسافات عن موقع المعسكر. كما سيتأثر رعاة الأغنام الذين يعتمدون على الوادي المجاور، مما سيضطرهم لشراء الأعلاف بأسعار مرتفعة نتيجة فقدان المراعي الطبيعية.
الخوف الأكبر لا يتعلق بالمعسكر وحده، بل بعلاقته بمسار أوسع لعودة الاستيطان شمال جنين، وخاصة في مستوطنتي غانيم وقاديم.
وعلى صعيد الحركة اليومية، بدأت تظهر حواجز عسكرية مفاجئة على الطريق الالتفافي المؤدي إلى مدينة جنين، مما يعيق حركة العمال والطلاب والمرضى. واضطر السكان للجوء إلى طرق بديلة وعرة وطويلة، مما زاد من تكاليف النقل والأعباء المعيشية على المواطنين في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
ويرى ناشطون مختصون في شؤون الاستيطان أن هذا المعسكر لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى التي تشهدها محافظة جنين مؤخراً. وأشار الناشط مفيد جلغوم إلى أن الاحتلال يسعى لإعادة رسم الواقع الميداني عبر بناء مراكز وأبراج عسكرية وشق طرق تربط بين المواقع الاستيطانية المختلفة.
وتشير التحليلات إلى أن الهدف الاستراتيجي من هذه التحركات هو التمهيد لعودة المستوطنين إلى المستوطنات التي أُخليت في عام 2005، مثل 'غانيم' و'قاديم'. وتقع إحدى هذه المستوطنات على بعد أقل من 200 متر من قرية عابا، مما يجعل المعسكر الجديد حلقة وصل في مشروع استيطاني متكامل.
وحذر خبراء من أن جنين تدخل مرحلة جديدة من الاحتكاك اليومي المباشر مع جيش الاحتلال والمستوطنين، بما يتجاوز تصنيفات اتفاقية أوسلو للمناطق 'أ' و'ب' و'ج'. هذا الواقع الجديد يهدف إلى تضييق الخناق على القرى الفلسطينية وتحويل أطرافها إلى مساحات مراقبة واعتداء دائم تحت ذريعة الأمن.
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى تصاعد حاد في الأوامر العسكرية الرامية لمصادرة الأراضي في محافظة جنين. فخلال شهر مايو وحده، تم استهداف نحو 393 دونماً، خُصصت في معظمها لإقامة مواقع ونقاط عسكرية جديدة لتعزيز السيطرة الميدانية.
ويأتي هذا التصعيد في سياق أوسع شمل توثيق نحو 40 ألف اعتداء نفذتها قوات الاحتلال والمستوطنون في الضفة الغربية منذ أكتوبر 2023 وحتى نهاية 2025. وأدت هذه الاعتداءات المنهجية إلى تهجير تجمعات سكانية كاملة والاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والرعوية.
وفي ظل هذه الوقائع، يبدو أن المعسكر الجديد في منطقة 'حداد' ليس مجرد منشأة عسكرية عابرة، بل هو أداة لفرض واقع جغرافي جديد. ويستمر الفلسطينيون في جنين في مقاومة هذه المخططات بشتى الوسائل المتاحة، رغم التكلفة العالية التي يدفعونها من أرزاقهم وأمنهم الشخصي.





شارك برأيك
احتلال الأراضي وتدمير السياحة.. معسكر إسرائيلي جديد يبتلع أراضي جنين