•خدمات تطبيق "يبوس" تنطلق في مرحلة تجريبية خلال أسبوع وتشمل 3 آلاف موظف من عدة مؤسسات
•"يبوس" يوفر أداة للصمود وهو ليس حلا للأزمة المالية ولا بديلا عن صرف منتظم لنسبة من الراتب شهريا
•مبلغ الـ 500 شيكل لكل موظف ليس رقماً ثابتاً.. قد يزيد أو ينقص وفق نتائج التطبيق
•موظفو قطاع غزة مشمولون بالتطبيق إذا ما توفرت إمكانية الاستفادة منه
•نحتاج إلى قدر من الجرأة والتفكير خارج الصندوق لمواجهة التحديات الحالية
•الموظفون العموميون هم ركيزة استمرار المؤسسات وصمود شعبنا
•إسرائيل تعمل جاهدة على تصفير أموال المقاصة بذرائع مختلفة ونجدد مطالبة العالم بتحمل مسؤولياته
•لدينا فجوة مالية بقيمة 500 مليون شيكل لتوفير المبلغ اللازمة لصرف 50 % من الرواتب
رام الله- مهند ياسين- في ظل واحدة من أعقد الأزمات المالية التي تواجهها السلطة الوطنية، تستعد الحكومة لإطلاق المرحلة التجريبية من تطبيق "يبوس"، وهو نظام مالي جديد قائم على آلية التقاص يتيح للموظفين العموميين تسديد فواتير الخدمات الأساسية (الكهرباء، والمياه والصرف الصحي، والاتصالات، والإنترنت)، من خلال الاستفادة من جزء من مستحقاتهم المتراكمة لدى الحكومة.
وفي حوار شامل مع "ے"، يكشف وزير المالية والتخطيط الدكتور اسطفان سلامة تفاصيل التطبيق وآلية عمله وخطط تطويره المستقبلية، مؤكداً أن "يبوس" ليس مجرد أداة مؤقتة لإدارة الأزمة المالية، بل يشكل المحطة الأولى نحو بناء محفظة حكومية رقمية متكاملة. كما يتناول الحوار تداعيات الاقتطاعات الإسرائيلية الجديدة من أموال المقاصة، والدعم الأوروبي للموازنة، ومؤتمر المانحين المرتقب، إضافة إلى رؤيته لمستقبل المشروع.
وفيما يلي نص المقابلة
إنجاز استثنائي بموارد محدودة
•إلى أين وصلت عملية تطوير وإطلاق تطبيق "يبوس" في ظروف بالغة التعقيد والصعوبة؟
ج- ما أنجزناه في تطبيق "يبوس" يُعد إنجازاً استثنائياً بكل المقاييس، خاصة أنه تم تطويره خلال فترة زمنية قصيرة وبإمكانات محدودة، وكان هدفنا الأساسي منه مساعدة الموظفين والتخفيف من الأعباء المعيشية التي يواجهونها.
حتى الآن، جميع المؤشرات المتعلقة بالتطبيق إيجابية، سواء من حيث الجوانب الفنية المرتبطة بأمان التطبيق وسلامة العمليات وحماية البيانات، إذ اجتاز جميع الفحوص والاختبارات المطلوبة بنجاح، كما نواصل استكمال توقيع الاتفاقيات مع الشركات المزودة للخدمات تباعاً، وفق الخطة الموضوعة.
وقد أنهينا اختيار العينة التجريبية، وتسير مراحل التنفيذ وفق الجدول الزمني المحدد، ومن المقرر إطلاق المرحلة التجريبية خلال أسبوع من الآن، وستشمل نحو 3000 موظف من أربع مؤسسات هي: وزارة شؤون القدس، ومحافظة القدس، وجهاز الدفاع المدني، وجهاز الضابطة الجمركية.
وبعد استكمال تقييم المرحلة التجريبية، سنمضي نحو تعميم التطبيق على جميع الموظفين العموميين مطلع شهر تموز المقبل، أو قبل ذلك إذا ما سارت الأمور وفق ما هو مخطط له.
تقاص مالي لخدمة الجميع
•تطبيق "يبوس" يقوم على آلية تقاص تختلف عن المحافظ الإلكترونية التقليدية، كيف قمتم بمواءمة الخصائص الفنية للتطبيق مع تحديات الواقع المالي الحالي؟
ج- معظم النماذج المطبقة عالمياً ترتبط بشكل مباشر بالأنظمة المصرفية وأدوات الدفع التقليدية، أما "يبوس" فيعتمد على نموذج مختلف يقوم على آلية التقاص بين عدة أطراف، بما يحقق منفعة متبادلة للموظف والحكومة والشركات المزودة للخدمات.
جاءت هذه الفكرة استجابة لواقع استثنائي تمر به فلسطين، في ظل القيود المالية والاقتصادية المفروضة، ومحدودية الخيارات المتاحة. وفي الوقت الذي أغلقت فيه إسرائيل العديد من المنافذ المالية أمام الحكومة ، كان لا بد من البحث عن حلول محلية مبتكرة تضمن استدامة الخدمات الأساسية، وتحافظ على استقرار المؤسسات العامة، وتعزز صمود المشروع الوطني.
يقوم النموذج على حقيقة أن للموظفين مستحقات مالية متراكمة لدى الحكومة تُقدّر بنحو 3 مليارات دولار، وفي المقابل توجد التزامات مالية وضرائب تدفعها الشركات للحكومة، ومن هنا جاءت فكرة بناء دورة تقاص تتيح للموظف الاستفادة من جزء من مستحقاته في تسديد التزاماته الأساسية.
في المرحلة الأولى، سيُخصص لكل موظف مبلغ 500 شيكل يمكن استخدامه لتسديد فواتير الكهرباء والمياه والصرف الصحي والاتصالات والإنترنت، من خلال شركات جرى التوصل معها إلى ترتيبات واتفاقيات تضمن تنفيذ عمليات التقاص بشكل منظم ومتوازن.
وقد وُضعت سقوف مالية محددة لكل خدمة للحفاظ على التوازن بين المدفوعات المستحقة للشركات والإيرادات الحكومية، وضمان عدم التأثير سلباً على الإيرادات المحلية. وتشمل هذه السقوف 250 شيكلاً للكهرباء، و350 شيكلاً للاتصالات والإنترنت، و100 شيكل للمياه.
ونعمل حالياً على استكمال اتفاقيات مع 16 شركة ضمن المرحلة الأولى، التي ستبدأ تجريبياً خلال أسبوع. كما تتضمن خطتنا التوسع مستقبلاً نحو خدمات إضافية، سواء كانت حكومية أو بلدية أو حتى خدمات تجارية أخرى.
الهدف الأساسي من "يبوس" هو تخفيف الأعباء المعيشية عن موظف القطاع العام، بحيث يتمكن من توجيه جزء أكبر من دخله لتغطية احتياجاته الأخرى بدلاً من استنزافه في تسديد الفواتير الأساسية. كما أن التطبيق يشكل تأكيداً عملياً على التزام الحكومة بسداد مستحقات الموظفين، من خلال تمكينهم من الاستفادة من جزء منها بصورة مباشرة ومنظمة.
التقاص بديلاً عن السيولة
•إذا كان المبلغ المخصص للموظف عبر "يبوس" سيُخصم لاحقاً من مستحقاته المتراكمة، فلماذا لا يتم صرف هذه المستحقات بشكل مباشر؟
ج- السبب الرئيسي يتمثل في محدودية السيولة النقدية المتاحة للحكومة في المرحلة الحالية. لذلك اتجهنا إلى تطوير نموذج يعتمد على آلية التقاص، بما يتيح للموظف الاستفادة من جزء من مستحقاته رغم الظروف المالية الصعبة التي نمر بها.
هذه الآلية توفر حلاً عملياً في ظل نقص السيولة، وفي الوقت نفسه تحقق فائدة للموظف وللشركات المزودة للخدمات وللحكومة. وفي النهاية، الأهم بالنسبة للموظف هو أن يتمكن من الاستفادة من جزء من حقوقه بطريقة مقبولة وقابلة للاستخدام في تلبية احتياجاته الأساسية.
بعبارة أخرى، فأن الرصيد المخصص للتطبيق هو رصيد رقمي/ إلكتروني، وليس "كاش".
نعتقد أن هذه الصيغة تمثل حلاً مناسباً في الظروف الراهنة، وتوفر منفعة مباشرة لجميع الأطراف المشاركة فيها.
حلول جريئة خارج الصندوق
•لماذا اختارت وزارة المالية إنشاء منصة خاصة بها بدلاً من الاستفادة من المحافظ الإلكترونية وأنظمة الدفع الموجودة في السوق الفلسطيني؟
ج- الفرق الجوهري بين "يبوس" والمحافظ الإلكترونية القائمة في السوق أن الأخيرة ترتبط بالنظام المصرفي والمالي التقليدي، وتعتمد على وجود أرصدة نقدية فعلية متاحة للمستخدمين. أما "يبوس" فهو لا يقوم على السيولة النقدية، بل على آلية التقاص، ولذلك لا يمكن اعتباره محفظة إلكترونية بالمعنى التقليدي.
ما دفعنا إلى تطوير هذا النموذج هو عدم قدرة الحكومة في الظروف الحالية على توفير قيمة الـ 500 شيكل لكل موظف على شكل سيولة نقدية مباشرة، لذلك كان لا بد من إيجاد آلية مختلفة تتيح للموظف الاستفادة من جزء من مستحقاته دون الحاجة إلى توفير النقد اللازم لذلك.
كما أن لهذا النموذج فوائد إضافية تتجاوز مسألة دفع الفواتير، فهو يساهم في الحد من الاعتماد على الشيكل في الاقتصاد الفلسطيني في ظل أزمة تكدس الشيكل التي نعاني منها، ويخفف من استخدام النقد بشكل عام، ويوفر دعماً مباشراً للموظفين، كما يسهم في تحريك النشاط الاقتصادي المحلي، خاصة مع التوسع التدريجي في سلة الخدمات التي سيغطيها التطبيق مستقبلاً.
أدرك أن هذه الفكرة قد تبدو غير مألوفة للبعض، وأن أي مبادرة تخرج عن الأطر التقليدية تثير بطبيعة الحال حالة من القلق أو التساؤل. لكننا نعيش في ظروف استثنائية ونواجه تحديات غير مسبوقة، الأمر الذي يتطلب البحث عن حلول مبتكرة وغير تقليدية.
نحن بحاجة إلى قدر من الجرأة في صناعة السياسات واتخاذ القرارات، لأن طبيعة المرحلة تفرض علينا التفكير خارج الأطر المعتادة. وقد تكون لهذه التجربة بعض التحديات أو الآثار الجانبية المحدودة، لكننا نعتقد أن فوائدها وإيجابياتها، في ظل الظروف الراهنة، تفوق بكثير أي سلبيات محتملة.
تكامل رقمي على مراحل
•في ظل توجه الحكومة نحو التحول الرقمي، لماذا لم يتم ربط تطبيق "يبوس" منذ البداية بتطبيق "حكومتي" للاستفادة من البنية الرقمية الحكومية وتشجيع الموظفين على استخدام المنصتين معاً؟
ج- في المرحلة الحالية، تم ربط تطبيق "يبوس" بمنظومة (ID+) التي طورتها سلطة النقد الفلسطينية، والتي توفر خدمة التحقق من الهوية المالية الرقمية للموظفين، بما يضمن التأكد من هوية المستخدم عند التسجيل والاستفادة من خدمات التطبيق، ويعزز مستويات الأمان والموثوقية في تنفيذ العمليات.
وفي الوقت نفسه، نواكب مسار التحول الرقمي الحكومي، ونعمل بالتنسيق مع وزارة الاتصالات والاقتصاد الرقمي على ربط تطبيق "يبوس" بتطبيق "حكومتي"، إلا أن هذه العملية تتم بشكل تدريجي ووفق مراحل تنفيذية مدروسة.
لقد أُنجز تطبيق "يبوس" خلال فترة زمنية قياسية، ولذلك نعتبر ما يتم إطلاقه اليوم هو المرحلة الأولى فقط. ولن تتوقف عملية التطوير عند هذا الحد، بل سنواصل العمل على توسيع الخدمات، وتعزيز التكامل مع الأنظمة الحكومية الأخرى، وإضافة مزيد من الخصائص والتطبيقات المرتبطة به كلما أصبحت جاهزة للتشغيل.
مرونة بالدفع والاستفادة
•كيف سيتعامل تطبيق "يبوس" مع الموظفين الذين لا تُسجل فواتير الكهرباء أو المياه بأسمائهم، أو مع المناطق التي ترتبط فيها البلديات مباشرة بالشركة القطرية الإسرائيلية؟
ج- صممنا التطبيق بحيث لا يكون استخدامه مرتبطاً بضرورة أن تكون الخدمة أو الفاتورة مسجلة باسم الموظف نفسه، لأننا ندرك أن شريحة واسعة من الموظفين لا تُسجل فواتير الخدمات الأساسية بأسمائهم، فقد يكون الموظف مستأجراً والعقار مسجلاً باسم المؤجر، أو مقيماً مع أسرته وتكون الفواتير باسم أحد أفراد العائلة.
لذلك أتحنا للموظف إمكانية تسديد فواتير الكهرباء والمياه حتى لو لم تكن مسجلة باسمه، بما يضمن استفادة أكبر عدد ممكن من الموظفين من الخدمة.
أما في المناطق التي ترتبط فيها البلديات مباشرة بالشركة القطرية الإسرائيلية، ولا تكون مشمولة بآلية الدفع عبر الشركات الفلسطينية المتعاقدة، فيمكن للموظف الاستفادة من الرصيد من خلال تسديد فواتير كهرباء أو مياه لأحد أقاربه أو أفراد أسرته في المناطق المشمولة بالخدمة والمرتبطة بالشركات الفلسطينية.
وفيما يتعلق بخدمات الاتصالات والإنترنت، فقد جرى حصر الاستفادة ضمن نطاق الأسرة المباشر، بما يشمل الأب والأم والزوج والزوجة والأبناء، وذلك لضمان سهولة الاستخدام وفي الوقت نفسه ضبط العملية ومنع أي خلل أو إساءة استخدام.
التطبيق عبر الهواتف الذكية
•ماذا عن الموظفين الذين لا يملكون هواتف ذكية؟ وهل توجد آلية تتيح لهم الاستفادة من خدمات تطبيق "يبوس"؟
ج- في المرحلة الحالية، تم تصميم منظومة "يبوس" لتعمل من خلال الهواتف الذكية، حيث يتوجب على الموظف تحميل التطبيق وإنشاء حساب خاص به، ومن ثم يتم تخصيص الرصيد المالي له داخل التطبيق ليتمكن من استخدامه في تسديد الفواتير والخدمات المشمولة.
استخدام محلي حصراً
•هل سيكون تطبيق "يبوس" متاحاً للاستخدام خارج فلسطين أو لفئات أخرى غير الموظفين العموميين؟
ج- في المرحلة الحالية، يقتصر استخدام تطبيق "يبوس" على الموظفين العموميين الفلسطينيين فقط، وقد صُمم أساساً لتلبية احتياجات هذه الفئة والاستجابة للظروف المالية والاقتصادية التي تواجهها.
كما أن التطبيق مخصص للاستخدام داخل فلسطين، ويرتبط بمنظومة الخدمات والجهات المزودة للخدمات المشاركة فيه، وبالتالي لا يُستخدم خارج هذا الإطار أو خارج السوق الفلسطينية في الوقت الراهن.
استفادة أوسع لفئات متعددة
•ماذا عن موظفي قطاع غزة والمتقاعدين وموظفي العقود؟ هل سيشملهم تطبيق "يبوس"؟
ج- الفكرة الأساسية التي يقوم عليها "يبوس" هي أن يستفيد منه جميع من تنطبق عليهم شروط الاستحقاق، ولذلك فإن موظفي قطاع غزة مشمولون بالتطبيق من حيث المبدأ. لكن الاستفادة الفعلية ستبقى مرتبطة بالظروف الميدانية والسياسية ومدى القدرة على استخدام الخدمة في قطاع غزة، وهي عوامل قد تكون خارج نطاق سيطرة الحكومة.
وينطبق الأمر ذاته على بعض الموظفين الموجودين خارج فلسطين، مثل العاملين في السفارات والبعثات الدبلوماسية، إذ يمكنهم الاستفادة من التطبيق إذا كانت لديهم التزامات أو خدمات داخل فلسطين، بينما لا يمكن استخدام الرصيد أو الاستفادة منه خارج السوق الفلسطينية.
أما موظفو العقود، فالأمر يرتبط بطبيعة وضعهم المالي. فموظفو العقود الممولون من الجهات المانحة ويتقاضون رواتبهم كاملة لا تنطبق عليهم فلسفة التطبيق، في حين أن موظفي العقود الذين لديهم مستحقات مالية مترتبة على الحكومة سيكون بإمكانهم الاستفادة من الخدمة.
وفيما يتعلق بالمتقاعدين، فإننا ندرس حالياً إمكانية إدراجهم ضمن مراحل التطبيق المختلفة، سواء خلال المرحلة التجريبية أو في مراحل لاحقة. وما زلنا نقيم الجوانب الفنية والمالية المرتبطة بذلك، لكن المبدأ الأساسي هو أن المتقاعدين سيستفيدون من التطبيق، ويبقى النقاش حالياً مرتبطاً بالتوقيت وآلية التنفيذ وليس بمبدأ الاستفادة نفسه.
ليس حلا للأزمة
•هل أجرت وزارة المالية دراسات لتقييم الأثر الاقتصادي المتوقع لتطبيق "يبوس" على القوة الشرائية للموظفين وحركة السوق الفلسطينية؟
ج- نعم، أجرينا دراسات أولية لتقييم الأثر الاقتصادي المتوقع للتطبيق، وأظهرت النتائج مؤشرات إيجابية على مستوى تنشيط الحركة الاقتصادية وتحسين قدرة الموظفين على إدارة نفقاتهم.
فالفكرة تقوم على أن مبلغ الـ 500 شيكل الذي سيستخدمه الموظف لتسديد فواتيره الأساسية عبر "يبوس"، سيتيح له الاحتفاظ بجزء أكبر من دخله النقدي وتوجيهه نحو احتياجات أخرى في السوق المحلية، بدلاً من استهلاكه بالكامل في دفع فواتير الخدمات الأساسية.
وعند احتساب هذا الأثر على نطاق جميع الموظفين المستفيدين، فإننا نتحدث عما يقارب 100 مليون شيكل شهرياً، وهو ما من شأنه المساهمة في تحريك النشاط الاقتصادي وتعزيز القدرة الشرائية للمواطنين.
بطبيعة الحال، لا يشكل ذلك حلاً كاملاً للأزمة الاقتصادية، لكنه يمثل إحدى الأدوات والحلول المحلية التي نسعى من خلالها إلى التخفيف من آثار الأزمة المالية الراهنة ودعم الاقتصاد الوطني ضمن الإمكانات المتاحة.
التقييم بعد الشهر الأول
•ما الضمانات المتوفرة لضمان استدامة تطبيق "يبوس" وعدم تحوله إلى التزام مالي إضافي على الحكومة في المستقبل؟ وهل سيبقى سقف الـ 500 شيكل ثابتاً أم أنه قابل للتعديل؟
ج- بصراحة، التقييم النهائي والدقيق للتطبيق لن يكون ممكناً إلا بعد بدء تشغيله فعلياً واستخدامه على أرض الواقع. لقد أجرينا جميع الدراسات والتحضيرات اللازمة قبل إطلاقه، وشملت تقييم أثره على السوق والقوة الشرائية، وآليات التقاص، والإيرادات الضريبية، ومستحقات الموظفين، والعلاقة المالية مع الشركات، إضافة إلى قدرة الحكومة على تحمل كلفة هذه الخدمة وتحديد القيمة المناسبة للمبلغ المخصص للموظف.
لكن النتائج الفعلية ستتضح بعد انتهاء الشهر الأول من التطبيق، حيث سنجري مراجعة شاملة وتحليلات تفصيلية لقياس أنماط الاستخدام والأثر المالي والاقتصادي للتطبيق، سواء على الموظفين أو الإيرادات أو النشاط الاقتصادي بشكل عام. وقد صُممت المنظومة منذ البداية بما يتيح جمع البيانات وتحليلها بصورة دقيقة لدعم عملية التقييم واتخاذ القرار.
ومن المهم التأكيد أن مبلغ الـ 500 شيكل ليس رقماً ثابتاً أو التزاماً دائماً من الحكومة، بل سيخضع للتقييم والمراجعة وفق نتائج التطبيق. فمن الممكن زيادة المبلغ إذا أظهرت النتائج وجود قدرة مالية تسمح بذلك، كما يمكن تخفيضه إذا تبين أن له آثاراً سلبية على بعض المؤشرات المالية. وينطبق الأمر ذاته على سقوف الخدمات ونسب التوزيع بين القطاعات المختلفة، إذ ستبقى جميع هذه العناصر قابلة للمراجعة والتعديل استناداً إلى نتائج المرحلة الأولى من التطبيق.
قرارات تبنى على المعطيات
•ما الضمانات التي تمنع تحول تطبيق "يبوس" مستقبلاً إلى بديل عن صرف جزء من الرواتب أو المستحقات النقدية، خاصة مع إمكانية توسع استخدامه في السنوات المقبلة؟
ج- الغاية الأساسية من “يبوس” في المرحلة الحالية هي تمكين الموظفين من الاستفادة من جزء من مستحقاتهم المالية المتراكمة لدى الحكومة، وليس استبدال الرواتب أو الانتقاص منها. فنحن نتعامل مع واقع مالي استثنائي، ونسعى إلى إيجاد أدوات تساعد الموظف على الاستفادة من حقوقه بأفضل صورة ممكنة ضمن الإمكانات المتاحة.
أما فيما يتعلق بالحكومات المقبلة، فلا يمكنني التحدث باسم من سبقني أو من سيأتي بعدي. نحن نتخذ قراراتنا اليوم استناداً إلى المعطيات المتوفرة والاحتياجات القائمة والبيانات والدراسات والحقائق التي بين أيدينا، وهذا هو الأساس الذي تُبنى عليه السياسات العامة.
وبناءً على الظروف الحالية، نعتقد أن تطبيق "يبوس" سيشكل أداة مساندة للموظفين وسيحقق أثراً إيجابياً على أوضاعهم المعيشية. كما أن هذا الملف يُدار ضمن إطار مؤسسي وليس مرتبطاً بأشخاص، وبالتالي فإن أي قرارات مستقبلية ستخضع أيضاً للتقييم والدراسة واتخاذ القرار وفق المصلحة العامة والمعطيات المتاحة في حينه.
كلفة محدودة وعائد مرتفع
•ما الكلفة الإجمالية لتطوير وتشغيل وصيانة تطبيق "يبوس"؟ وهل خضعت الفكرة لتقييم أو مراجعة من خبراء اقتصاديين وتقنيين قبل إطلاقها؟
ج- قبل إطلاق المشروع، أجرينا مشاورات مع عدد من الخبراء الدوليين والمتخصصين في المجالات المالية والتقنية، وقد لاقت الفكرة تشجيعاً ودعماً كبيرين منهم. وأكد لنا العديد من هؤلاء الخبراء أن هناك تجارب مشابهة طُبقت في أماكن مختلفة حول العالم، وإن كانت تختلف عن النموذج الذي اعتمدناه والقائم على آلية التقاص، لكنها تستند إلى الفكرة ذاتها المتمثلة في توفير حلول مالية وخدمية ضمن ظروف استثنائية ومحدودة الموارد، وقد أثبتت نجاحها في تلك التجارب.
أما فيما يتعلق بكلفة تطوير التطبيق وتشغيله وصيانته، فهي ليست مرتفعة مقارنة بحجم الفائدة المتوقعة منه. ويمكن القول إن الكلفة، بالمفهوم الاقتصادي العام، تبقى محدودة جداً إذا ما قورنت بالعوائد والفوائد التي يمكن أن يحققها للموظفين والحكومة والاقتصاد المحلي.
ولا أستطيع الإفصاح عن أرقام أو تفاصيل مالية محددة نظراً لارتباطها باتفاقيات واعتبارات تجارية مع الجهة المطورة للتطبيق، لكن ما أستطيع تأكيده أن كلفة التطوير والتشغيل والصيانة تبقى منخفضة مقارنة بالأثر المتوقع للتطبيق.
•الحكومة ستكون في الوقت نفسه مالكة للتطبيق، ومشغلة له، فكيف ستضمنون وجود رقابة مستقلة وحقيقية على التطبيق في ظل غياب الفصل بين المشغل والجهة الخاضعة للرقابة؟
ج- هناك عدة طبقات من الرقابة غير المباشرة على تطبيق "يبوس"، هذا فضلا عن أن العمل الحكومي برمته خاضع لديوان الرقابة المالية والإدارية وفقا للقانون والأصول، وبخصوص الرقابة غير المباشرة فتتمثل بالموظف نفسه، الذي لديه قسيمة راتب شهرية، ومدون عليها قيمة مستحقاته لدى الحكومة، وهو سيتابع المبلغ الذي استفاد منه بواسطة التطبيق، هذا بالإضافة إلى مزودي الخدمات من القطاع الخاص وفي معظمهم شركات مساهمة عامة، ولديهم المدقق الداخلي والمدقق الخارجي، بالإضافة الى مجالس إدارة مستقلة.
نحو محفظة حكومية متكاملة
•إلى أين يمكن أن يصل مشروع "يبوس" مستقبلاً؟ وهل تنظرون إليه كتطبيق مؤقت أم كنواة لمنظومة مالية حكومية متكاملة؟
ج- أنظر إلى "يبوس" باعتباره الخطوة الأولى نحو تطوير محفظة حكومية رقمية متكاملة. فما نطلقه اليوم هو المرحلة التأسيسية للمشروع، لكن رؤيتنا تتجاوز نطاق الخدمات الحالية بكثير.
المحفظة الحكومية التي نطمح إليها مستقبلاً لن تقتصر على خدمات التقاص وتسديد الفواتير، بل ستتوسع تدريجياً لتشمل خدمات مالية وحكومية أوسع، بما في ذلك التعاملات النقدية المباشرة عندما تتوفر الظروف والإمكانات المناسبة لذلك.
ولهذا فإن المنظومة التي نبنيها اليوم لن تكون مؤقتة أو مرتبطة بالظروف الحالية فقط، بل ستشكل قاعدة يمكن البناء عليها وتطويرها بشكل مستمر، سواء من حيث الخدمات أو الفئات المستفيدة أو الأدوات المالية التي ستوفرها مستقبلاً.
نحن ننظر إلى “يبوس” كمشروع استراتيجي قابل للنمو والتوسع والتطوير، وليس كحل مرحلي أو مؤقت. وما نراه اليوم هو مجرد البداية، لأن سقف طموحاتنا في هذا المشروع كبير ا، وبصراحة فيما يتعلق بـ"يبوس" سقف طموحنا فيه مرتفع رغم التحديات.
تقدير لصمود الموظفين العموميين
•ما الرسالة التي تودون توجيهها للموظفين العموميين الذين سيبدأون الاستفادة من تطبيق "يبوس" خلال الفترة المقبلة؟
ج- أود أولاً أن أعبر عن تقديري الكبير لصمود الموظفين العموميين وعطائهم المتواصل رغم الظروف الصعبة التي يمرون بها. فهم يشكلون ركيزة أساسية لاستمرار عمل المؤسسات العامة، ويعتمد على جهودهم جزء مهم من قدرة شعبنا على الصمود والاستمرار.
نحن ندرك حجم التحديات التي واجهها الموظفون خلال السنوات الماضية، وندرك أيضاً حجم الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي تحملوها. كما أن الأهداف الإسرائيلية تجاه مؤسساتنا الوطنية واضحة، وتسعى إلى إضعاف قدرتها على الاستمرار والقيام بواجباتها.
لكننا جميعاً نواجه هذه التحديات في مركب واحد، ونعمل معاً من أجل تجاوز هذه المرحلة الصعبة. وأتطلع، كما يتطلع الجميع، إلى أن تحمل الفترة المقبلة ظروفاً أفضل للموظفين ولشعبنا ، وأن نتمكن من تجاوز هذه الأزمة بما يحفظ كرامة المواطن ويعزز صمود مؤسساتنا الوطنية.
تحركات لمواجهة الاقتطاعات الجديدة
•في ظل القرار الإسرائيلي الأخير باقتطاع مبالغ إضافية من أموال المقاصة، كيف تنظرون إلى تداعيات هذا القرار؟ وما الخيارات المتاحة أمام الحكومة للتعامل معه؟
ج- هذا القرار يؤكد صحة التحذيرات التي أطلقناها منذ أكثر من عام بشأن المخاطر التي تواجه أموال المقاصة. فمنذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية، كان واضحاً أنها تتجه نحو تقليص أموال المقاصة وصولاً إلى محاولة تصفيرها تدريجياً، تحت ذرائع ومبررات مختلفة.
القرار الأخير لا يُعد مفاجئاً بالنسبة لنا، لكننا نعمل حالياً على دراسة تداعياته المالية والاقتصادية بشكل دقيق، وتقييم حجم تأثيره على الوضع المالي الفلسطيني. وفي الوقت ذاته، نبحث مجموعة من الخيارات والآليات للتعامل مع هذا القرار والحد من آثاره.
وبحسب المعطيات المتوفرة لدينا، فإن تنفيذ القرار قد لا يكون فورياً أو سريعاً، ما يمنحنا مساحة للتحرك ومتابعة هذا الملف على أكثر من مستوى. ونأمل أن تشهد الفترة المقبلة وحتى نهاية العام تطورات إيجابية تسهم في تخفيف الضغوط المالية الناجمة عن هذه الإجراءات.
فجوة تمويلية تتطلب حلولاً
•وقعتم مؤخراً اتفاقية الدعم السنوية مع الاتحاد الأوروبي، وهناك حديث عن تسريع إجراءات تحويل المساعدات المالية للخزينة. ما طبيعة هذه الترتيبات الجديدة، وكيف سينعكس ذلك على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية؟
ج- وقعنا قبل نحو أسبوع الاتفاقية السنوية مع الاتحاد الأوروبي، والتي تتضمن دعماً مباشراً للموازنة العامة بقيمة 210 ملايين يورو. ونتوقع وصول الدفعة الأولى خلال الشهر الجاري، بما يتيح الاستفادة منها في دعم السيولة المالية والمساهمة في تغطية جزء من الالتزامات المستحقة.
نعمل بشكل متواصل مع الاتحاد الأوروبي، سواء من خلال الفريق العامل في فلسطين أو في بروكسل، ونثمن الجهود الكبيرة التي تُبذل لتسريع إجراءات تحويل الدفعة الأولى خلال هذا الشهر.
لكن يجب الإشارة إلى أن حجم الاحتياجات المالية للحكومة لا يزال أكبر بكثير من قيمة هذه الدفعات. فلكي تتمكن الحكومة من صرف ما نسبته 50% من رواتب الموظفين، فإنها تحتاج إلى ما لا يقل عن 650 مليون شيكل، في حين أن قيمة الدفعة الأولى المتوقعة من الاتحاد الأوروبي تعادل نحو 140 مليون شيكل، ما يعني أن هناك فجوة تمويلية تقارب 500 مليون شيكل لا تزال بحاجة إلى تغطية.
لذلك نواصل العمل على مدار الساعة لتأمين الموارد اللازمة لتغطية ما تبقى من فاتورة الرواتب، إلى جانب الوفاء بالالتزامات الأساسية الأخرى. وفي مقدمة هذه الالتزامات يأتي القطاع الصحي، الذي يشكل أولوية مطلقة في هذه المرحلة، سواء من خلال تسديد مستحقات المستشفيات أو توفير الأدوية والخدمات الصحية، إضافة إلى التزامات حكومية أخرى لا تقل أهمية، فالنفقات الحكومية لا تقتصر على الرواتب فقط.
ثلاث ملفات رئيسية أمام المانحين
•ستشاركون قريباً في مؤتمر المانحين الأوروبي، ما أبرز الملفات التي ستطرحونها أمام المانحين؟ وما هي توقعاتكم للنتائج التي يمكن أن يخرج بها المؤتمر؟
ج- مؤتمر المانحين، الذي يُعقد برعاية الاتحاد الأوروبي، ما زال يُعد تجمعاً حديث النشأة نسبياً، وهذه هي النسخة الثانية منه، ومن المتوقع عقده في 13 تموز المقبل بمشاركة ما بين 60 - 70 دولة ومؤسسة دولية.
لدينا على جدول الأعمال ثلاث ملفات رئيسية: الأول يتعلق بتعزيز الدعم الطارئ للحكومة في ظل الأزمة المالية الراهنة. والثاني يرتبط بأجندة الإصلاح الحكومية، حيث أنجزنا حتى الآن أكثر من 72% من برنامج الإصلاح، رغم أننا ما زلنا في منتصف الإطار الزمني المخصص لتنفيذه. أما الملف الثالث فيتعلق بقطاع غزة، وخاصة احتياجات التعافي وإعادة الإعمار.
المؤتمر سيتضمن اجتماعات وزارية وأخرى فنية، ونواصل العمل والتحضير على مختلف المستويات، ونأمل أن تترجم هذه الجهود إلى نتائج عملية ملموسة تسهم في دعم صمود المؤسسات الفلسطينية وتعزيز قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.





شارك برأيك
وزير المالية والتخطيط د. اسطفان سلامة في لقاء خاص مع "القدس" : "يبوس" نواة لمحفظة حكومية رقمية متكاملة ستكون رافعة للصمود المجتمعني