شهدت منصات التواصل الاجتماعي في موريتانيا حالة من الغضب والجدل الواسع عقب تداول صور للوحة ترحيبية في مطار نواكشوط الدولي (أم التونسي). وتضمنت اللوحة عبارة ترحيب باللغة العبرية إلى جانب لغات عالمية أخرى، مما اعتبره ناشطون استفزازاً للمشاعر الشعبية الموريتانية الرافضة للتطبيع.
بدأت القصة عندما نشر الباحث والفقيه الموريتاني عبد الرحمن النحوي تدوينة لفت فيها الأنظار إلى وجود عبارة 'بروخيم هبايم' التي تعني 'مرحباً' بالعبرية. واستغرب النحوي إدراج هذه اللغة تحديداً في مطار يقع داخل 'الجمهورية الإسلامية الموريتانية'، متسائلاً عن الدوافع الحقيقية وراء هذا الاختيار اللغوي المثير للريبة.
أشار النحوي في طرحه إلى أن اللغة العبرية ترتبط في الوعي العربي والإسلامي المعاصر بدولة الاحتلال الإسرائيلي وممارساتها. كما انتقد تجاهل لغات عالمية وإسلامية أخرى يتحدث بها مئات الملايين، مقابل إبراز لغة لا تمثل ثقلاً ديموغرافياً أو سياحياً في الداخل الموريتاني.
تحولت الصورة سريعاً إلى مادة سجالية دسمة، حيث ذهب فريق من المعلقين إلى ربط الواقعة بالجهة المسؤولة عن إدارة المطار. وتدير مطار 'أم التونسي' شركة 'آفروبورت' الإماراتية بموجب عقد امتياز طويل الأمد يمتد لخمسة وعشرين عاماً، وهو ما عزز فرضيات الربط السياسي.
اعتبر نشطاء أن وجود العبرية في واجهة المطار يعكس توجهاً سياسياً يتجاوز مجرد التنوع اللغوي أو الاجتهاد الإداري العابر. ورأى البعض أن هذه الخطوة قد تكون 'بالون اختبار' لقياس مدى تقبل الشارع الموريتاني لمظاهر التطبيع الثقافي والرمزي مع الاحتلال.
في المقابل، برزت أصوات حاولت وضع النقاش في إطاره اللغوي الصرف، معتبرة أن العبرية لغة قديمة وقائمة بذاتها بعيداً عن الصراعات السياسية. وجادل أصحاب هذا الرأي بأن المطارات الدولية تسعى عادة لإظهار التعددية الثقافية والترحيب بجميع الزوار بغض النظر عن خلفياتهم.
لكن هذا التبرير لم يلقَ قبولاً واسعاً لدى الشارع الموريتاني الذي لا يزال يحتفظ بموقف صلب تجاه القضية الفلسطينية. وأكد معلقون أن اختيار العبرية دون غيرها من اللغات الواسعة الانتشار مثل الفارسية أو التركية يضع علامات استفهام كبرى حول المعايير المتبعة في التصميم.
اللافتة أغفلت لغات يتحدثها مئات الملايين حول العالم واختارت العبرية المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي.
أعادت الواقعة إلى الأذهان تاريخ العلاقات الموريتانية الإسرائيلية، حيث كانت نواكشوط قد أقامت علاقات دبلوماسية كاملة في منتصف التسعينيات. إلا أن تلك العلاقات جُمدت ثم قُطعت نهائياً في عام 2009 استجابة للضغط الشعبي والظروف السياسية آنذاك.
يرى مراقبون أن صمت إدارة المطار حتى الآن ساهم في زيادة حدة التكهنات والتحليلات عبر الفضاء الرقمي. ففي غياب توضيح رسمي، تظل التفسيرات الشعبية هي السائدة، والتي تميل في معظمها إلى رفض أي مظهر يوحي بالتقارب مع إسرائيل.
أكدت مصادر محلية أن آلاف المسافرين مروا عبر المطار طوال السنوات الماضية دون الانتباه لهذه التفصيلة الصغيرة في اللوحة. ومع ذلك، أثبتت قوة وسائل التواصل الاجتماعي قدرتها على تحويل كلمة واحدة إلى قضية رأي عام تهز الأوساط السياسية والاجتماعية.
تفاعل بعض المتابعين بسخرية مريرة، معتبرين أن الترحيب بالعبرية على أرض موريتانية هو 'دعوة مبطنة' لا تتماشى مع هوية البلاد. وشدد هؤلاء على أن الأرض الموريتانية 'طاهرة' ولا ترحب بمن يمثلون منظومة الاحتلال والعدوان على الشعب الفلسطيني.
من جهة أخرى، طرح البعض تساؤلات حول مدى علم السلطات الحكومية الموريتانية بتفاصيل هذه اللوحات الإرشادية والترحيبية. وتساءل ناشطون عما إذا كانت الشركات الأجنبية المشغلة للمرافق السيادية تملك الحرية الكاملة في فرض رموز ثقافية معينة دون مراجعة وطنية.
يبقى الجدل قائماً في ظل حالة الاستقطاب التي خلفتها الصورة، حيث يرى البعض ضرورة إزالة العبارة فوراً لتجنب المزيد من الاحتقان. ويؤكد المدافعون عن هذا المطلب أن الرموز في الأماكن السيادية مثل المطارات تحمل دلالات تتجاوز مجرد الكلمات المكتوبة.
ختاماً، تظل القضية الفلسطينية بوصلة أساسية في الوجدان الموريتاني، وهو ما يفسر الحساسية المفرطة تجاه أي إشارة عبرية. وسواء كانت العبارة خطأً إدارياً أو خياراً مقصوداً، فقد نجحت في إشعال عاصفة من النقاش حول الهوية والمبادئ والسيادة.





شارك برأيك
عبارة ترحيب بالعبرية في مطار نواكشوط تثير موجة غضب واسعة في موريتانيا