فلسطين

السّبت 13 يونيو 2026 9:58 مساءً - بتوقيت القدس

من المقاطعة إلى الطرد القاري: تاريخ المواقف العربية ضد التطبيع الرياضي في كأس العالم

تستعد المنتخبات العربية لتدشين مرحلة تاريخية جديدة في نسخة كأس العالم 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، حيث تسجل الدول العربية أكبر مشاركة لها منذ انطلاق البطولة قبل نحو قرن، بواقع ثمانية منتخبات. وتأتي هذه الزيادة النوعية مستفيدة من النظام الجديد الذي أقره الاتحاد الدولي لكرة القدم برفع عدد المشاركين إلى 48 منتخباً، مما منح فرصاً أوسع للقارات المختلفة مقارنة بالنسخ الأولى التي كانت تقتصر على عدد محدود جداً من المقاعد.

وبالعودة إلى التاريخ، يبرز التباين الكبير بين التسهيلات الحالية والمواقف المبدئية الصارمة التي اتخذتها الدول العربية في خمسينيات القرن الماضي. ففي تصفيات مونديال 1958، فضلت دول عربية عديدة التضحية بفرصها النادرة في الوصول إلى النهائيات العالمية على أن تنخرط في أي نشاط رياضي يكرس التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، في وقت كانت فيه البطولة تضم 16 منتخباً فقط وتفتقر لنظام توزيع المقاعد العادل بين القارات.

شهدت تصفيات نسخة السويد 1958 موقفاً عربياً وإسلامياً موحداً ضد محاولات الاحتلال التسلل إلى المحفل العالمي عبر بوابة التصفيات المشتركة لآسيا وأفريقيا. في ذلك الوقت، لم يكن النظام القاري الحالي قد تبلور، حيث دمجت القارتان في مسار تأهيلي واحد يمنح مقعداً وحيداً لثمانية منتخبات، وهو ما فجر سلسلة من الانسحابات السياسية التي أربكت حسابات الاتحاد الدولي لكرة القدم حينها.

بدأت شرارة الانسحابات من تركيا التي احتجت على معايير التصنيف، ليعقبها موقف حاسم من إندونيسيا التي رفضت مواجهة منتخب الاحتلال على أرضه أو استقباله، واقترحت اللعب في أرض محايدة. ومع رفض الاحتلال لهذا المقترح، أعلنت إندونيسيا انسحابها الرسمي، لتجد كل من مصر والسودان نفسيهما في مواجهة مباشرة مع استحقاق اللعب ضد الكيان المحتل في المراحل المتقدمة من التصفيات.

أفادت مصادر تاريخية بأن القيادة الرياضية في مصر استبقت الموقف وأعلنت الانسحاب الكامل من التصفيات قبل مواجهة السودان، ليتخذ الجانب السوداني خطوة مماثلة فوراً. هذا الموقف الجماعي أدى إلى تأهل منتخب الاحتلال 'افتراضياً' عن مجموعة آسيا وأفريقيا دون أن يخوض مباراة واحدة، وهو ما وضعه في موقف محرج أمام القوانين الدولية التي تمنع التأهل دون منافسة فعلية.

أمام هذا المأزق، رفض 'الفيفا' منح بطاقة التأهل المباشر للاحتلال، وقرر تنظيم ملحق استثنائي يجمعه مع منتخب ويلز من القارة الأوروبية. وأسفرت تلك المواجهة عن خسارة الاحتلال ذهاباً وإياباً بمجموع أربعة أهداف دون رد، ليفشل في الوصول إلى مونديال السويد، وتنتصر إرادة المقاطعة العربية التي حرمته من استغلال الثغرات القانونية للتواجد في المحفل الدولي.

لم تكن المقاطعة في تصفيات 1958 مجرد حدث عابر، بل مثلت حجر الأساس لسياسة رياضية عربية منسقة انتقلت لاحقاً إلى أروقة الاتحادات القارية. فقد شهدت العقود التالية تحركات دبلوماسية رياضية مكثفة قادتها دول عربية، وعلى رأسها الكويت، بهدف عزل الاحتلال رياضياً وتصحيح المسار داخل الاتحاد الآسيوي لكرة القدم الذي تأسس بمشاركة إسرائيلية ودعم من نظام الشاه في إيران.

تؤكد السجلات الرياضية أن الاحتلال كان عضواً مؤسساً في الاتحاد الآسيوي عام 1954، وشارك في عدة نسخ من كأس آسيا بل وحقق لقبها عام 1964 في ظل غياب التواجد العربي الفاعل آنذاك. ومع نيل الدول العربية استقلالها وانضمامها للاتحادات الدولية، بدأت المواجهة تأخذ طابعاً رسمياً ومؤسسياً داخل الملاعب وخارجها، حيث توالت انسحابات الأندية العربية من البطولات القارية.

من أبرز تلك المواقف، انسحاب نادي هومنتمن اللبناني أمام نادي هابويل تل أبيب، وتبعه الموقف الشهير لنادي الشرطة العراقي الذي رفض خوض نهائي بطولة الأندية الآسيوية أمام مكابي تل أبيب، مفضلاً التضحية باللقب القاري على مصافحة ممثلي الاحتلال. هذه المواقف الفردية للأندية شكلت ضغطاً شعبياً ورسمياً كبيراً دفع باتجاه البحث عن حل جذري لوجود الاحتلال في القارة الصفراء.

قاد أحمد السعدون، رئيس الاتحاد الكويتي لكرة القدم في نهاية الستينيات، حملة دبلوماسية واسعة لتوحيد الموقف العربي داخل الاتحاد الآسيوي. ونجح السعدون في إقناع دول مثل البحرين والأردن وقطر والإمارات وسوريا بالانضمام للاتحاد القاري لتشكيل كتلة تصويتية قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تحقق بالفعل خلال دورة الألعاب الآسيوية في طهران عام 1974.

في عام 1976، وخلال مؤتمر تاريخي عقد في العاصمة الماليزية كوالالمبور، نجحت الجهود العربية في استصدار قرار رسمي بطرد إسرائيل من الاتحاد الآسيوي لكرة القدم. وصوتت 17 دولة لصالح القرار مقابل معارضة 13 دولة وامتناع 6 دول عن التصويت، في لحظة فارقة أعادت صياغة الخارطة الرياضية في القارة وأنهت وجود الاحتلال فيها بصفة رسمية.

كشف السعدون في شهادات لاحقة عن حجم الضغوط والاتصالات التي أجريت مع الاتحادات الآسيوية لشرح عدالة القضية الفلسطينية وضرورة عزل الكيان الذي يمارس الاحتلال. وأوضح أن التحرك لم يكن عاطفياً فحسب، بل استند إلى استراتيجية قانونية وتنظيمية استثمرت ثقل الدول العربية الصاعدة في ذلك الوقت لفرض واقع جديد يرفض التطبيع الرياضي بكافة أشكاله.

نتيجة لهذا الطرد، ظل الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم يعيش في عزلة دولية لسنوات طويلة دون نشاط رسمي في أي قارة، قبل أن يتم قبوله كعضو في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA) عام 1992. وجاء هذا الانضمام رغم عدم انتماء الاحتلال جغرافياً للقارة الأوروبية، في محاولة دولية لإنقاذه من العزلة التي فرضتها عليه المواقف العربية الصلبة.

اليوم، ومع وصول عدد المنتخبات العربية في المونديال إلى ثمانية، يستذكر الشارع الرياضي تلك الحقبة التي كان فيها الموقف السياسي يتقدم على الطموح الرياضي. وتظل قصة تصفيات 1958 وطرد الاحتلال من آسيا شاهداً على أن الرياضة العربية كانت دائماً في قلب الصراع، وأن الملاعب لم تكن يوماً منفصلة عن قضايا الأمة وحقوق الشعب الفلسطيني.

دلالات

شارك برأيك

من المقاطعة إلى الطرد القاري: تاريخ المواقف العربية ضد التطبيع الرياضي في كأس العالم

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.