يتكرر في كل أزمة عربية وهمٌ مفاده أن القوى الخارجية تتدخل بدافع أخلاقي لإنقاذ الشعوب أو إعادة بناء الدول المنهارة. الحقيقة أن هذا التصور المريح نفسياً يتناقض كلياً مع طبيعة السياسة الدولية التي لا تعرف الجمعيات الخيرية، بل تتحرك الجيوش والأموال وفق حسابات استراتيجية دقيقة تتعلق بالنفوذ والأمن وتوازنات القوى الإقليمية.
عندما تقرر دولة ما دعم طرف في نزاع داخلي، فهي لا تفعل ذلك حباً فيه، بل لأنها تراه أداة تخدم موقعها الجيوسياسي أو تمنع خصماً من التقدم. هذا التوصيف ليس قراءة عاطفية، بل هو انعكاس للنظام الدولي الذي يحركه منطق المصلحة أولاً، حتى وإن غُلفت القرارات بلغة القيم والمبادئ الإنسانية الجذابة.
بالنظر إلى تجارب المنطقة في العقود الأخيرة، نجد أن التدخل الخارجي تحول إلى عنصر بنيوي في الصراعات، كما حدث في العراق بعد عام 2003 الذي فتح أبواباً لصراعات إقليمية لم تنتهِ. وكذلك في ليبيا عام 2011، حيث تحول التدخل من عملية محددة إلى مسار طويل من الانقسام المؤسسي والصراع المسلح الذي مزق البلاد.
إن المشترك بين حالات اليمن والسودان وليبيا ليس مجرد وجود أصابع خارجية، بل الهشاشة الداخلية التي سبقت هذا التدخل ومهدت له الطريق. من السهل دائماً إلقاء اللوم على 'الخارج' للهروب من مواجهة الأسئلة الصعبة المتعلقة بإدارة الدولة، والشرعية، وبناء المؤسسات الوطنية القادرة على استيعاب التعددية السياسية.
الدول لا تتحرك كجمعيات خيرية، بل وفق حسابات استراتيجية دقيقة تتعلق بالنفوذ والأمن والطاقة.
القوى الخارجية لا تستطيع النفاذ إلى بلد مستقر يتمتع بمؤسسات قوية وشرعية سياسية متينة بالسهولة التي تخترق بها المجتمعات المنقسمة. الدول التي تملك آليات قانونية واضحة لإدارة الخلافات وتداول السلطة تكون أقل عرضة للتحول إلى ساحات صراع بالوكالة، بينما تصبح البيئات المأزومة مسرحاً لتصفية الحسابات الدولية.
حين يشعر جزء من المجتمع بالإقصاء أو الظلم وتُغلق أمامه قنوات المشاركة السلمية، فإنه يبحث تلقائياً عن سند خارجي، وهنا يجد الخارج فرصته الذهبية. يتحول الصراع حينها من خلاف داخلي قابل للحل إلى عقدة إقليمية معقدة، حيث تصبح النوايا المعلنة لحماية المدنيين مجرد غطاء لانخراط طويل الأمد يحقق مصالح المتدخلين.
إن بناء دولة القانون والمؤسسات ليس مجرد مطلب أخلاقي، بل هو استراتيجية أمن قومي حقيقية لتحصين الجبهة الداخلية ضد أي اختراق. العدالة والمشاركة السياسية هما صمام الأمان الحقيقي، فكل إصلاح حقيقي في بنية الدولة يقلل من قابليتها للتحول إلى ساحة صراع، ويجعل أي تدخل خارجي مكلفاً سياسياً وأخلاقياً.





شارك برأيك
فيصل القاسم: الهشاشة الداخلية هي من يفتح أبواب التدخل الخارجي في الدول العربية