فلسطين

الأربعاء 22 يوليو 2026 12:04 مساءً - بتوقيت القدس

شراكة الحكومة والمستوطنين: خطة إسرائيلية لفرض واقع جديد في الضفة الغربية

لم تعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية مجرد أحداث معزولة تنفذها مجموعات متطرفة، بل أصبحت تعبيراً عن مشروع سياسي متكامل تقوده الحكومة الإسرائيلية. ومع تغلغل نفوذ قادة الاستيطان في مفاصل صنع القرار، باتت الهجمات الميدانية تتزامن مع قرارات تشريعية ومالية تهدف إلى تغيير وجه المنطقة بالكامل.

وكشفت مصادر صحفية عن موافقة المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) على رصد ميزانية ضخمة تصل إلى 1.3 مليار شيكل، أي ما يعادل 370 مليون دولار، لتعزيز البناء الاستيطاني. وقد جرى التكتم على هذا القرار لفترة لتجنب الضغوط الدولية، خاصة من الجانب الأمريكي، حيث يهدف التمويل لإنشاء بؤر جديدة وتوسيع القائم منها.

وتشير المعطيات إلى أن هذه الميزانية ستخصص لبناء أحياء استيطانية جديدة وتطوير بنية تحتية متطورة تخدم المستوطنين بشكل حصري. ويأتي هذا التحرك ضمن مقترح مشترك قدمه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتعاون مع وزيري المالية والاستيطان، مما يؤكد تبني الحكومة للمشروع الاستيطاني كأولوية قصوى.

وتفتخر الحكومة الحالية بكونها الأكثر دعماً للاستيطان في تاريخ الاحتلال، حيث شهدت الضفة الغربية والقدس المحتلة تسارعاً غير مسبوق في الأنشطة العمرانية منذ نهاية عام 2022. ويقطن حالياً نحو 750 ألف مستوطن في مئات المستوطنات والبؤر، وهو ما تعتبره الأمم المتحدة خرقاً فاضحاً للقانون الدولي.

ويرى مراقبون أن وصول شخصيات تمثل الحركة الاستيطانية إلى مناصب وزارية حساسة قد حسم الجدل حول العلاقة بين الدولة والمستوطنين. فقد تم نقل صلاحيات واسعة في الإدارة المدنية والتخطيط إلى الوزير بتسلئيل سموتريتش، مما منح المستوطنين غطاءً قانونياً وإدارياً مباشراً لتنفيذ مخططاتهم.

وأفادت مصادر بأن التداخل بين المؤسسة العسكرية والمدنية في الضفة الغربية وصل إلى مستويات غير مسبوقة، حيث يتولى الجيش حماية البؤر التي تمولها وزارة المالية. هذا التكامل يهدف إلى خلق تواصل جغرافي بين الكتل الاستيطانية، مما يؤدي إلى تمزيق الأراضي الفلسطينية وتحويلها إلى جيوب معزولة.

وتعمل سلطات الاحتلال على إعادة تشكيل البنية التحتية للضفة عبر شبكة طرق التفافية ضخمة تهدف إلى ربط المستوطنات بالداخل المحتل. كما يتم فرض الرموز الإسرائيلية على المناطق الحيوية والمفترقات الرئيسية، في محاولة لطمس الهوية الفلسطينية وتغيير المشهد البصري والعمراني للمنطقة.

وتستهدف السياسات الإسرائيلية السيطرة على الموارد الطبيعية الاستراتيجية، بما في ذلك قمم الجبال ومصادر المياه الجوفية والأودية. وقد تسارعت هذه العمليات خلال العامين الأخيرين لتشمل آلاف الدونمات، مما يحرم الفلسطينيين من أبسط مقومات التنمية الاقتصادية والزراعية في مناطقهم.

وفي سياق متصل، حذر حقوقيون من أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكاً صارخاً للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر نقل سكان قوة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة. كما تتجاهل إسرائيل بشكل كامل قرار مجلس الأمن رقم 2334 الذي يطالب بوقف فوري لجميع الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن التجمعات البدوية في المناطق المصنفة (ج) تتعرض لحملة تهجير قسري ممنهجة تقودها ميليشيات المستوطنين تحت حماية الجيش. وقد تم توثيق آلاف الاعتداءات التي شملت تخريب الممتلكات والاعتداء الجسدي، مما أدى إلى إخلاء عشرات التجمعات السكنية الفلسطينية من مواقعها التاريخية.

وتعتبر مناطق (ج)، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، الساحة الرئيسية للصراع الديمغرافي، حيث تمنع إسرائيل الفلسطينيين من البناء فيها بينما تمنح المستوطنين تسهيلات واسعة. هذا التمييز الصارخ يهدف إلى إفراغ الأرض من سكانها الأصليين لصالح التوسع الاستيطاني المتسارع.

وحذرت منظمات حقوقية دولية وإسرائيلية من أن ما يحدث هو عملية 'ضم فعلي' للضفة الغربية دون إعلان رسمي، مما يقوض أي فرصة مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية. إن الاستثمار في الطرق والكهرباء والماء للمستوطنات يعزز الوجود الإسرائيلي طويل الأمد ويجعل من الانسحاب أمراً شبه مستحيل.

ويخشى الفلسطينيون من أن تؤدي هذه السياسات إلى 'نكبة جديدة' تقتلع آلاف العائلات من قراهم وبلداتهم، خاصة في ظل غياب المحاسبة الدولية. فالبؤر الاستيطانية التي كانت تعتبر غير قانونية حتى بموجب القانون الإسرائيلي، يتم الآن شرعنتها ومنحها موازنات حكومية رسمية.

إن المشهد الحالي في الضفة الغربية يعكس تحولاً جذرياً في استراتيجية الاحتلال، حيث انتقل من إدارة النزاع إلى محاولة حسمه من خلال فرض الحقائق على الأرض. ومع استمرار الدعم المالي والسياسي للمستوطنين، تظل آفاق السلام بعيدة المنال في ظل تقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية.

دلالات

شارك برأيك

شراكة الحكومة والمستوطنين: خطة إسرائيلية لفرض واقع جديد في الضفة الغربية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.