في المحاضر الرسمية، كلّ شيء يبدو قابلاً للضبط: وقت المداهمة، عدد الجنود، طبيعة الاقتحام.
لكن ما لا يُكتب هناك، هو ما يجعل الحدث إنسانيًا أصلًا: الصوت، الارتجاف، الارتباك، والمعنى الذي يتكسر في الداخل دون أن يُرى.
في قرية المغير شمال شرق رام الله، قبل أسبوعين، لم يكن ثمة "حدث" بالمعنى الذي تفهمه التقارير. كان هناك أطفال في زيارة لجدّتهم، في لحظة عائلية بسيطة، تكاد تكون خارج الزمن السياسي. بيت الجدة، في الذاكرة الإنسانية، ليس جدرانًا فقط؛ هو الامتداد الأكثر أمانًا لفكرة البيت، حيث تتراكم الطمأنينة بلا شروط، وحيث لا يُفترض أن يحدث شيء مفاجئ.
لكن ما حدث، لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان قاطعًا.
حين اقتحم جنود الاحتلال، لم يدخلوا إلى مكان فحسب، بل إلى معنى. عشرون جنديًا حول أجساد صغيرة، في مشهد لا يفسَّر بميزان القوة، بل يُفهم بوصفه إعلانًا لها. الأطفال، الذين تتراوح أعمارهم بين السادسة والحادية عشرة، لم يكونوا قادرين حتى على صياغة سؤال عمّا يحدث. وهذا، تحديدًا، ما يجعل التجربة أكثر قسوة: أن يحدث البطش خارج القدرة على الفهم.
الطفل الذي كان يستعد للنوم، وقد غطى جسده باللّحاف، لم يكن يفعل أكثر من ممارسة حقه البسيط في الانسحاب من العالم. النوم، في جوهره، فعل ثقة: أن تغمض عينيك لأنّك تعتقد أنّ أحدًا لن يؤذيك. لكن حين يُسحب طفل من تحت لحافه ويُضرب، فإنّ ما يُنتزع ليس راحته فقط، بل هذه الثقة نفسها.
اللحاف، هنا، ليس قماشًا.
إنّه الحدّ الأخير بين الطفل والعالم.
وحين يُنتزع، يُنتزع معه شيء لن يُعاد بسهولة.
الجدة، التي حاولت أن تدافع، لم تكن تدافع عن أطفال فقط، بل عن فكرة كاملة: أن يبقى البيت بيتًا، وأن تبقى الطفولة محمية بما يكفي لتستمر. لكن دفعة واحدة كانت كافية لإزاحتها، لا لأنّها خطر، بل لأنّها تمثل ما لا ينسجم مع منطق اللحظة: الحنان.
في تلك اللحظة، لا يُدفع جسدها فقط، بل يُدفع المعنى الذي تحمله.
في الخارج، كان الجيران يستمعون.
وهنا يتسع المشهد: من غرفة إلى حارة كاملة، من ألم مباشر إلى ألم مُشترك. الصراخ الذي يخرج من الداخل لا يتوقف عند الجدران، بل ينتقل إلى الآخرين، إلى أولئك الذين لا يستطيعون التدخل. أن تسمع دون أن تقدر، هو شكل آخر من أشكال الوجع—أقل ظهورًا، لكنّه أكثر رسوخًا في الذاكرة.
ثم يأتي الضابط، لا ليوقف ما يحدث، بل ليمنحه تفسيرًا.
يقول إنّ هذه "الحارة" تُلقى منها الحجارة، وإنّ مصيرها قد يكون كمصير أماكن أخرى هُدمت- رفح، مخيم جنين. في هذه الجملة، يُعاد ترتيب كل شيء: الأطفال يصبحون سياقًا، لا ذواتًا؛ الخوف يصبح تفصيلًا، لا تجربة؛ وما حدث للتوّ يتحول إلى مجرد مقدمة لشيء أكبر.
لكنّ الإنسان لا يعيش بوصفه "سياقًا".
الطفل لا يفهم نفسه كجزء من "حارة" تُعاقَب، بل كجسدٍ شعر بالألم، وكقلبٍ خاف دون أن يعرف لماذا. ما سيبقى معه ليس "السبب"، بل التجربة نفسها: كيف تحوّل اللّيل فجأة، وكيف لم يعد اللّحاف كافيًا، وكيف يمكن أن يُؤخذ من نومه دون أن يفهم ما الذي اقترفه.
وهنا تحديدًا تبدأ المسافة بين ما يُكتب وما يُعاش.
في الفلسفة، يُقال إنّ الإنسان غاية، لا وسيلة. لكن ما يحدث في مثل هذه اللحظات يكشف انزلاقًا خطيرًا: حين يُختزل الإنسان إلى وظيفة داخل مشهد أكبر، إلى أداة لإيصال رسالة أو تثبيت قوة. الأطفال، في تلك الغرفة، لم يُعاملوا كغايات، بل كوسائط: لإنتاج الخوف، ولتأكيد السيطرة، ولترسيخ فكرة أنّ المكان كلّه قابل لأن يُعاد تعريفه بالقوة.
وهذا ما لا يُكتب في محاضر الجنود.
لا يُكتب أنّ طفلًا قد يتردد في النوم في الليلة التالية، لأنّ النوم لم يعد فعل ثقة.
ولا يُكتب أنّ جدة ستجلس بعد ذلك وهي تحمل شعورًا ثقيلًا بالعجز، كأنّ دورها الطبيعي قد كُسر أمام عينيها.
ولا يُكتب أنّ الجيران سيبقون أسرى لذلك الصوت، لأنّ ما يُسمع في لحظة كهذه لا ينتهي بانتهائها.
ما يُكتب ينتهي بانتهاء العملية.
أما ما لا يُكتب، فيبدأ بعدها.
يبدأ في الذاكرة، حيث لا توجد لغة رسمية قادرة على احتواء ما حدث.
يبدأ في التفاصيل الصغيرة التي تبدو غير مهمة في التقارير، لكنّها، في الحقيقة، جوهر الحكاية: لحاف، دفعة، صراخ.
في النهاية، لن يبقى عدد الجنود دقيقًا في الذاكرة، ولن يهم توقيت المداهمة كما سُجّل.
لكن سيبقى شيء آخر، أكثر عنادًا:
طفلٌ سُحب من نومه،
وجدةٌ أُزيحت عن دورها،
وصوتٌ خرج من بيتٍ صغير ليملأ "حارة" كاملة بالعجز.
وهذا، تمامًا،
هو ما لا يُكتب.





شارك برأيك
قبسات سرديات ما لا يُكتب في محاضر الجنود (2): حين يُسحَب الطفل من نومه