لم تعد آلة الدعاية الإسرائيلية، المعروفة بـ 'الهاسبارا'، تجد في الميادين العسكرية أو الأروقة الدبلوماسية ملاذاً آمناً لتسويق روايتها، بل انتقلت للتحصن خلف جدار فكري يعتمد على استغلال عجز الغرب عن تقبل المقاومة الفلسطينية حين تعبر عن نفسها بلغة الإسلام السياسي. هذا التحول يأتي في وقت تتهاوى فيه الأساطير المؤسسة للكيان الصهيوني، مثل مقولة 'الجيش الأكثر أخلاقية' أو 'واحة الديمقراطية'، أمام انكشاف الحقائق الميدانية للعالم أجمع.
تكمن الخدعة التضليلية الأخيرة التي لا تزال صامدة في وجه الانهيار الشامل للدعاية الإسرائيلية في عملية الشيطنة الممنهجة واللاعقلانية لحركات المقاومة ذات المرجعية الإسلامية. هذه الشيطنة لا تقتصر على الدوائر الغربية فحسب، بل تمتد لتشمل جزءاً من العالم العربي، مما يفسر ازدواجية المواقف تجاه القضية الفلسطينية والبرود تجاه الاتفاقيات التي تُفرض على دول المنطقة.
يرى مراقبون أن التضامن الغربي مع فلسطين غالباً ما يصطدم بحاجز الهوية الدينية للمقاومة؛ فالمثقف الغربي قد يبدي تعاطفاً مع الفلسطيني 'العلماني' أو 'اليساري'، لكنه يسحب هذا الدعم فوراً إذا استند المقاوم إلى مرجعية إسلامية. هذا التناقض يكشف عن رواسب استعمارية لم يتم تجاوزها، حيث يُقبل الآخر فقط إذا تبنى المعايير الكونية التي فرضها الغرب وسيلة وحيدة للتعبير.
في شهادة تاريخية تعود لعام 1992، أشار المفكر المصري طارق البشري إلى أن الغرب كان يجد دائماً تيارات سياسية تتفهم الطموحات القومية العربية طالما كُتبت بلغة ماركسية أو قومية. ولكن بمجرد استخدام مفردات الدين الإسلامي للتعبير عن التطلعات التحررية ذاتها، حدثت قطيعة تامة، وأصبح الصوت الفلسطيني غير مسموع وكأنه يتحدث لغة غريبة عن مفاهيم الحقوق الدولية.
إن السر في ديمومة هذا الانسداد الفكري يعود إلى أن التيار الإسلامي يمثل في المخيال الاستعماري الغربي 'إعلان استقلال' غير قابل للاحتواء. فالإسلاميون لا يرفضون التبعية السياسية فحسب، بل يرفضون أيضاً استخدام المعجم الثقافي الذي ظن الغرب أنه فرضه كقالب وحيد للحداثة والكونية، مما يجعلهم في نظر الغرب 'أسوأ' من القوميين التقليديين.
تستغل إسرائيل هذه الحساسية المفرطة تجاه الإسلام السياسي لنزع الطابع السياسي عن الصراع وتحويله إلى صراع طائفي أو ديني بحت. تروج الرواية الإسرائيلية بأن الفلسطينيين يقاومون لأنهم 'مسلمون' يكرهون الآخر، وليس لأنهم شعب يرزح تحت احتلال عسكري يسعى لاقتلاعهم من أرضهم، وهي حجة تهدف لتجريد المقاومة من مشروعيتها القانونية.
تاريخياً، لم ينتظر التفوق العنصري الإسرائيلي 'أسلمة' المقاومة لكي يمارس جرائم التجريم والقتل؛ فالمقاومة الفلسطينية كانت مستهدفة بذات الشراسة حين كانت تقودها فصائل علمانية ويسارية. ويستذكر التاريخ مقارنة أرئيل شارون عام 2001 حين حاول ربط ياسر عرفات بأسامة بن لادن، في محاولة مبكرة لاستغلال أحداث 11 سبتمبر لوسم النضال الوطني بالإرهاب العالمي.
إن جعل نقد حركة حماس شرطاً مسبقاً للاعتراف بالحقوق الأساسية للفلسطينيين يعادل تعطيل عالمية الحق ذاته.
لا يقتصر هذا الهوس بمعاداة الإسلام السياسي على الغرب، بل يتلقى دعماً قوياً من داخل المجتمعات العربية عبر أنظمة استبدادية ترى في هذا الخطاب وسيلة للبقاء. هذه الأنظمة تستخدم 'فوبيا الإسلاميين' كمنتج واسع الاستهلاك لتبرير قمع أي بديل ديمقراطي قد يهدد عروشها، مقدمةً نفسها للغرب كحصن أخير ضد 'التطرف'.
أفادت مصادر مطلعة بأن بعض المسؤولين العرب يتبنون خطاباً يفوق في حدته الخطاب الإسرائيلي تجاه قادة المقاومة، واصفين إياهم بأوصاف إجرامية مبالغ فيها لكسب ود المحاور الغربي. هذا التماهي مع الرواية الصهيونية يعكس عمق الأزمة التي تعيشها النخب الحاكمة التي فضلت الحفاظ على سلطتها على حساب الحقوق القومية لشعوبها.
إن جعل نقد حركة حماس أو أي فصيل مقاوم شرطاً مسبقاً للاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره هو مغالطة منطقية تهدف لتعطيل عالمية حقوق الإنسان. لا يحق لأي قوة خارجية أن تفرض على شعب تحت الاحتلال نوعية القادة الذين يجب أن يمثلوه، فالاختيار السياسي هو شأن داخلي سيادي بامتياز.
يواجه الباحثون والمفكرون الذين يحاولون تفكيك هذه الشيطنة حملات إقصاء ووصم بالتعاطف مع 'الإرهاب'، لمجرد أنهم يرفضون تجريم الخطاب الإسلامي بشكل أعمى. هذا الإرهاب الفكري يمنع إجراء نقاش عقلاني حول جذور الصراع ويحصر الخيارات في قوالب جاهزة تخدم استمرار الوضع الراهن للاحتلال.
في نهاية المطاف، يبقى الدفاع عن حق الفلسطينيين في الوجود هو المهمة الأخلاقية والإنسانية الأكثر إلحاحاً، بعيداً عن الأيديولوجيا التي يختارونها للتعبير عن أنفسهم. إن احترام التعددية السياسية داخل المجتمع الفلسطيني هو جزء لا يتجزأ من احترام حقهم في الحرية، وهو ما يتجاهله الغرب عمداً في تعامله مع الأزمة الراهنة.
إن التحدي الحقيقي أمام أحرار العالم اليوم هو كسر هذا الحصن الفكري الأخير للدعاية الإسرائيلية، والاعتراف بأن المقاومة هي رد فعل طبيعي وقانوني على وجود الاحتلال. لا يمكن رهن حقوق شعب كامل بمزاجية القوى الاستعمارية السابقة أو بمخاوف الأنظمة التي تخشى من صحوة شعوبها تحت أي مسمى كان.
ختاماً، يظل الصراع في فلسطين صراعاً على الأرض والحرية والكرامة، وليس صراعاً حول 'نوع الهوية' التي يحملها المقاوم. إن محاولات 'نزع السياسة' عن القضية وتحويلها إلى ملف أمني أو ديني هي محاولات محكومة بالفشل أمام صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بكافة أشكال التعبير عن حقه المشروع.





شارك برأيك
الحصن الأخير للهاسبارا: لماذا يرفض الغرب شرعية المقاومة بعباءتها الإسلامية؟