في بلدة برقين الوادعة إلى الغرب من مدينة جنين، لا تبدو كنيستها مجرد بناءٍ حجريٍ قديم؛ بل هي تجسيدٌ حيٌ لتلاحم الجغرافيا والذاكرة. تُعد كنيسة القديس جاورجيوس في برقين واحدة من أقدم الكنائس في العالم، وموقعها ليس اختياراً عشوائياً، بل هو حكايةٌ بدأت من مغارة. تزخر الكنيسة بمعالم تاريخية نادرة تجعل منها أيقونة أثرية؛ ففي قلبها يبرز 'جدار قدس الأقداس' الذي يعود تاريخه إلى القرن الثالث الميلادي، وهو جدارٌ حجريٌ صامدٌ يشهد على عراقة المكان منذ العصور الأولى. وإلى جانبه، ينتصب 'كرسي البطريرك' الحجري ، وهو كرسيٌ منحوتٌ بعنايةٍ فائقة، يعكس المكانة الإدارية والروحية التي كانت تحظى بها برقين كمركزٍ دينيٍّ هام في الحقبة البيزنطية. إن وجود هذه الآثار الحجرية داخل الكنيسة ليس مجرد تفصيلٍ معماري، بل هو حلقة وصلٍ تربطنا بجذور الإيمان الأولى في هذه الأرض.
تخبرنا الرواية التاريخية والتقليد الكنسي أن هذه الكنيسة قد بُنيت فوق المغارة التي شهدت إحدى معجزات السيد المسيح له المجد؛ حيث كان عشرة من البرص" يعيشون في عزلة قهرية داخل هذه المغارة، نبذهم المجتمع بسبب مرضهم، فكانت المغارة لهم سجناً وملاذاً في آنٍ واحد. وحين عبر السيد المسيح من ذلك الطريق وشفاهم، لم يكن عمله مجرد معجزةٍ للشفاء الجسدي فحسب، بل كان فعلاً تحويلياً شمولياً. لقد واجه السيد المسيح المرض في أبعاده الثلاثة: جسدياً، بانتشالهم من سقمهم وألمهم؛ واجتماعياً، بكسر حاجز النبذ الذي فرضته قيود العزلة، مُعيداً هؤلاء المهمشين إلى حضن عائلاتهم ومجتمعهم كأفرادٍ فاعلين؛ وروحياً، بإعادةِ وصلِ الإنسانِ بخالقهِ بعيداً عن أثقالِ الشعورِ بالدونية أو الخطيئة. لقد أدرك هؤلاء العشرة أن المغارة التي كانت سجناً لعزلتهم قد تحولت –بلمسةِ الرحمة– إلى فضاءٍ للولادة الجديدة؛ فالمسيح لم يشفِ أجسادهم فحسب، بل أعاد ترميم إنسانيتهم المكسورة، ليحول المغارة من رمزٍ للموت والنسيان إلى أيقونةٍ للرجاء والشفاء.
إن فهمنا لـ"المغارة" في فلسطين لا يكتمل إلا إذا أدركنا أنها ليست مجرد تجويفٍ صخري عشوائي، بل هي جزءٌ أصيل من هوية الأرض وتكوينها الجيولوجي الفريد. فبفعل الطبيعة الكلسية التي صقلت جبالنا عبر ملايين السنين، تشكلت هذه الكهوف لتكون شريكاً للإنسان الفلسطيني في رحلة البقاء؛ فهي الرحم الطبيعي الذي وفّر تنظيماً حرارياً مثالياً، جعل منها مستودعاً للحبوب في فترات القحط، وملاذاً آمناً للعائلات في أزمنة الخوف.
لكن هذه الوظائف النفعية لم تكن سقف طموح الذاكرة الفلسطينية، فقد ارتقى الإنسان بهذه المغارات من مخزنٍ للرزق إلى محرابٍ للروح. ولعل هذا التناغم يبلغ ذروته في التقليد الكنسي القديم؛ الذي يرى في المغارة المهد الأول لميلاد السيد المسيح، مؤكداً أن القداسة لا تسكن في القصور، بل في ذلك المعلف (المذود) المتواضع في جوف الأرض. لقد ترسخت صورة المغارة في الوجدان المسيحي المشرقي كرمزٍ للاتضاع، مستندةً إلى طبيعة العمارة القديمة التي كانت تدمج الكهوف الطبيعية بالمساكن.
ومن هذا المنطلق، تظل مغاراتنا ذاكرةٌ حية. ففي صمتها وبرودة صخورها، وجد الرهبان والنسّاك صوامع للانقطاع الروحي. ولم تكن المغارة في نظرهم مجرد مسكن، بل كانت ملاذاً للعزلة عن صخب العالم؛ حيث اختار قديسون كبار، أمثال القديس شاريتون -مؤسس نظام الأديرة في صحراء فلسطين وأقام في مغارات وادي القلط وبرية القدس. والقديس سابا الذي جعل من مغارات وادي قدرون (وادي النار في بيت لحم) معقلاً لنسكه- أن يتخذوا من الكهوف حدوداً جغرافية تفصلهم عن تعقيدات الدنيا، لا هرباً من الحياة، بل بحثاً عن الجوهر في أعماق الصمت. لقد دخلوا هذه المغارات ليتركوا العالم خلفهم، ويولدوا من جديد في خلواتهم الصخرية؛ ففي ضيق الكهف رحابةٌ لا يدركها إلا من تخلّى عن العالم ليجد ذاته في حضرة الله، جاعلين من عتمة الكهف فضاءً لولادةِ قداسةٍ نذروها للأرض.
إن كنيسة برقين اليوم هي جوهرةٌ مخفية تستحق أن تأخذ مكانها على خارطة السياحة العالمية. إن تنشيط السياحة إلى برقين ليس مجرد ترويجٍ لموقعٍ أثري، بل عملٌ يهدف إلى إحياء القرية وتثبيت أهلها، وتعريف العالم بهذا التراث الاصيل. إننا بحاجة إلى رؤية سياحية مستدامة تجعل من برقين وجهةً للحج والتأمل، ليتسنى للزائر أن يختبر روح المكان، وليساهم في دعم الاقتصاد المحلي لهذا الريف الأصيل.
إن برقين وكنيستها، بما تحمله من عراقة، تذكرنا بأننا في هذه البلاد نمتلك هندسة روحية خاصة؛ فنحن لا نهدم ماضينا، بل نقدّسه. نحن نأخذ المغارة –وهي أقدم شكل للسكن الإنساني– ونحولها إلى مساحة للتعايش والشفاء. وكما أخرجت برقين البرص من عتمة المغارة إلى نور الخلاص، تظل هذه الأرض تُخرج لنا من عتمة التاريخ قصصاً للرجاء، وتخبرنا أن كل مغارةٍ في فلسطين، مهما بدت صامتة، هي في حقيقتها مشروعُ قداستنا القادم.
أقلام وأراء
الأحد 19 يوليو 2026 10:16 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
مغارة برقين ذاكرة كهوف فلسطين