تأتي انتخابات مجلس الأمن للفترة 2027–2028 لتؤكد أن العالم يُدار بمنطق التوازنات المتغيرة والتحالفات المرنة، وصعود فاعلين جدد من خارج الدوائر التقليدية. شهدت انتخابات مجلس الأمن الدولي، التي جرت الأسبوع الأول من حزيران ٢٠٢٦، مزيجًا من الاستمرارية والتغيير، وجاءت الانتخابات في ظل انقسامات جيوسياسية متزايدة وحالة من الجمود المتكرر داخل مجلس الأمن، الهيئة الأممية المكلفة بحفظ السلم والأمن الدوليين ومنع اندلاع النزاعات. الدول الفائزة بعضوية مجلس الأمن (2027-2028) هي:
• النمسا والبرتغال عن مجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى.
• ترينيداد وتوباغو عن مجموعة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي.
• زيمبابوي عن المجموعة الأفريقية.
• قرغيزستان عن مجموعة آسيا والمحيط الهادئ.
حصلت البرتغال على 134 صوتًا، والنمسا على 131 صوتًا، متجاوزتين بسهولة الأغلبية المطلوبة (ثلثي أصوات الجمعية العامة)، فيما حصلت ألمانيا على 104 أصوات ولم تتمكن من الفوز بالمقعد. وفي مجموعة أمريكا اللاتينية والكاريبي، فازت ترينيداد وتوباغو بـ181 صوتًا. أما زيمبابوي، المرشحة الوحيدة عن أفريقيا، فحصلت على 182 صوتًا. وشهدت مجموعة آسيا والمحيط الهادئ المنافسة الأكثر حدة، حيث تنافست قرغيزستان مع الفلبين عبر أربع جولات من التصويت. الجولة الأولى: 105 أصوات لقرغيزستان مقابل 85 للفلبين. وفي الجولة الرابعة والحاسمة: 142 صوتًا لقرغيزستان مقابل 49 للفلبين. وبذلك تصبح قرغيزستان أول دولة من آسيا الوسطى تنضم إلى مجلس الأمن منذ انضمامها للأمم المتحدة عام 1992. فوز دول مثل النمسا والبرتغال، إلى جانب زيمبابوي وترينيداد وتوباغو، وانضمام قرغيزستان لأول مرة، لا يعكسان مجرد نتائج انتخابية، بل يعبران عن إعادة توزيع رمزي للشرعية داخل النظام الدولي، في لحظة يواجه فيها مجلس الأمن أزمة فعالية غير مسبوقة، نتيجة الانقسامات الحادة بين القوى الكبرى، وعجزه عن التعامل مع أزمات بحجم أوكرانيا وغزة. عدم فوز ألمانيا، رغم ثقلها الاقتصادي والسياسي، يحمل دلالات أعمق من كونه إخفاقًا انتخابيًا. فالنظام الدولي اليوم لم يعد يكافئ فقط القوة، بل يكافئ القدرة على قراءة المزاج الدولي وبناء تحالفات متعددة المستويات. مواقف ألمانيا، خاصة تجاه القضية الفلسطينية، عكست تموضعًا يُنظر إليه عالميًا على أنه غير متوازن مع قواعد القانون الدولي، في وقتٍ يتزايد فيه حضور الجنوب العالمي كفاعلٍ يطالب بإعادة تعريف العدالة الدولية. في هذا السياق، يمكن فهم الخسارة الألمانية كأزمة تموضع سياسي، لا كأزمة وزن أو تأثير.
يتكون مجلس الأمن من 15 عضوًا: 5 أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض (الفيتو):الصين, فرنسا, روسيا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة الأمريكية. و10 أعضاء غير دائمين يتم انتخابهم لمدة سنتين. وستحل الدول المنتخبة الجديدة محل: الدنمارك، اليونان، باكستان، بنما، الصومال. في المقابل، ستواصل الدول التالية عضويتها حتى نهاية عام 2027: البحرين، كولومبيا، جمهورية الكونغو الديمقراطية، لاتفيا، وليبيريا. مجلس الأمن القادم يتكون من كل من (الصين، فرنسا، روسيا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة الأمريكية، البحرين، كولومبيا، جمهورية الكونغو الديمقراطية، لاتفيا، ليبيريا، النمسا، البرتغال، ترينيداد، توباغو، زيمبابوي، قرغيزستان).
ورغم حالة الشلل التي يعيشها مجلس الأمن نتيجة الاستخدام المتكرر لحق النقض، فإنه لا يزال يحتفظ بمكانته كساحة مركزية للصراع السياسي الدولي. لكنه لم يعد فقط منصة لاتخاذ القرار، بل أصبح فضاءً لإدارة التوازنات وصياغة الروايات الدولية. وفي هذا التحول، تزداد أهمية الأعضاء غير الدائمين، الذين باتوا قادرين على التأثير في الخطاب السياسي، وبناء تحالفات داخل المجلس، والمساهمة في تشكيل الرأي العام الدولي، في هذه اللحظة، لا يمكن للفلسطينيين الاكتفاء بموقع المتلقي. المطلوب هو إعادة تعريف الدور الفلسطيني داخل النظام الدولي، والانطلاق من أن مجلس الأمن لم يعد المسار الوحيد للتأثير. أدوات القوة اليوم متعددة، من الجمعية العامة إلى محكمة العدل الدولية، ومن الرأي العام العالمي إلى التحالفات الإقليمية. كما أن صعود دول من الجنوب العالمي داخل المجلس يخلق فرصة لإعادة طرح القضية الفلسطينية بلغة التحالفات.
أما فيما يتعلق بالعضوية الكاملة لدولة فلسطين، فإن العائق لم يكن يومًا قانونيًا، بل سياسي، وتحديدًا داخل مجلس الأمن. إلا أن التحولات الحالية تجعل هذه المعركة أكثر انفتاحًا، خاصة إذا ترافق الضغط السياسي مع توسع الاعتراف الدولي، وتصاعد العزلة السياسية للاحتلال، وتفعيل أدوات المساءلة القانونية. في هذا الإطار، الدولة الفلسطينية مسار تراكميّ يمكن فرضه عبر مراكمة الوقائع السياسية والقانونية.
في النهاية، مجلس الأمن الجديد لن يغيّر المعادلة بشكل فوري، لكنه يكشف أن العالم يدخل مرحلة إعادة تشكيل حقيقية. في مثل هذه اللحظات، لا تُحسم النتائج مسبقًا، بل تُصنع عبر الفعل السياسي الذكي. السؤال لم يعد إن كانت هناك فرصة، بل إن كان هناك استعداد لالتقاطها. ففي عالمٍ يُعاد فيه توزيع القوة، من لا يعيد تعريف موقعه، يُعاد تعريفه من قبل الآخرين. فلسطين اليوم لا تحتاج فقط إلى دعم دولي، بل إلى دبلوماسية ذكية قادرة على قراءة اللحظة، وبناء التحالفات، وتحويل القانون إلى قوة، والرواية تبقى الحقيقة الفلسطينية بحاجة إلى من يحسن الدفاع عنها.
أقلام وأراء
الأحد 19 يوليو 2026 10:21 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
مجلس الأمن الجديد: أين تقف فلسطين؟