تحليل

السّبت 28 فبراير 2026 2:03 مساءً - بتوقيت القدس

نهاية عصر الهيمنة: كيف تسرع 'الترامبية' في تفكيك الإمبراطورية الأمريكية؟

يرى المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي أن الهيمنة العالمية للولايات المتحدة لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج استراتيجية إمبراطورية صاغتها النخب الاقتصادية والاجتماعية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. هذه النخبة سعت للحفاظ على مصالحها عبر أدوات عسكرية وسياسية واقتصادية، مع تجاهل صارخ لحقوق الإنسان رغم الشعارات الديمقراطية المرفوعة.

منذ عام 1945، برزت واشنطن كداعم رئيسي لأنظمة تورطت في انتهاكات جسيمة وتطهير عرقي، شملت مناطق جغرافية واسعة من السلفادور وكولومبيا وصولاً إلى إسرائيل وجنوب إفريقيا. هذا النهج لم يقتصر على الدعم السياسي، بل امتد ليشمل التدخلات العسكرية المباشرة في فيتنام ويوغوسلافيا وأفغانستان والعراق لضمان تدفق الموارد.

تؤكد التحليلات أن السياسة الخارجية الأمريكية، سواء كانت تحت إدارة ديمقراطية أو جمهورية، تلتزم بذات الأجندة التوسعية الرامية لتعزيز الهيمنة على الأسواق العالمية. ومع ذلك، يرى مراقبون أن وصول دونالد ترامب مجدداً إلى البيت الأبيض يمثل نقطة تحول سلبية بدأت تفقد فيها البلاد موقعها الريادي في الاقتصاد العالمي.

لقد ورثت الولايات المتحدة نفوذها عن الإمبراطورية البريطانية، وحولت العديد من الدول إلى كواكب تابعة تدور في فلكها عبر أنظمة موالية أو شركات عابرة للقارات. هذه الشركات، التي تشبه في تغولها شركة الهند الشرقية القديمة، ساهمت في تراكم هائل لرأس المال داخل أمريكا لكنه ظل محصوراً في يد فئة محدودة.

يعاني المجتمع الأمريكي اليوم من فجوة اقتصادية هائلة، حيث تتركز الثروات لدى شريحة 'الأوليغاركية' التي تتحكم في مفاصل الدولة من خلف الستار. وتشير الإحصاءات إلى أن 1% من السكان باتوا يسيطرون على نحو 35% من ثروات البلاد بحلول عام 2021، مما جعل المواطن الأمريكي الأكثر معاناة من عدم المساواة.

في الحقبة الترامبية الحالية، تزاوجت سلطة المال مع الخطاب الغوغائي، حيث قدم المليارديرات وأصحاب شركات التكنولوجيا الكبرى دعماً غير محدود لحملات ترامب الانتخابية. في المقابل، اعتمد ترامب على تحشيد القواعد الشعبية بشعارات قومية مثل 'أمريكا أولاً'، وهو ما اعتبره محللون إعلاناً رسمياً لنهاية عصر العولمة.

أدت سياسات ترامب الاقتصادية، القائمة على فرض رسوم جمركية باهظة، إلى نتائج عكسية قلصت من نفوذ واشنطن التجاري بدلاً من تعزيزه. هذه العزلة الاقتصادية دفعت شركاء تاريخيين، لا سيما في أوروبا، نحو تعزيز علاقاتهم مع الصين، الغريم الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة في الساحة الدولية.

لم تكتفِ الإدارة الحالية بالحروب التجارية، بل امتدت تهديداتها لتشمل الحلفاء والجيران، حيث لوح ترامب باحتلال أجزاء من كندا أو انتزاع قناة بنما. هذه التصريحات، التي وصفتها مصادر دبلوماسية بالجهالة السياسية، تسببت في اختلالات هائلة في منظومة الأمن الجماعي التي قادتها واشنطن لقرون.

وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، تتبنى الإدارة الحالية توجهاً متطرفاً يهدف لوضع قطاع غزة تحت وصاية أمريكية بغطاء دولي، بعد سنوات من استخدام الفيتو لمنع وقف الحرب. هذا التوجه يعكس رغبة في فرض حلول قسرية تتجاوز الحقوق الوطنية الفلسطينية وتخدم المصالح الأمنية للاحتلال الإسرائيلي.

تتسم خطابات ترامب الأخيرة بالتركيز المفرط على لغة الأرقام والتريليونات، مبتعدة عن الدبلوماسية التقليدية، مما أثار قلقاً دولياً واسعاً. وقد ذهب بعض السياسيين الأوروبيين، ومنهم برلمانيون فرنسيون، إلى حد التشكيك في الأهلية النفسية للرئيس الأمريكي بعد تحليل طروحاته الأخيرة في فبراير 2026.

إن التهديدات الأمريكية لم تتوقف عند حدود الجيران، بل شملت دولاً مثل إيران وفنزويلا، مما يعكس حالة من التخبط في إدارة الملفات الدولية. هذا السلوك العدواني يراه باحثون دليلاً على تآكل القوة الناعمة الأمريكية وتحولها إلى قوة تعتمد فقط على التهديد والوعيد العسكري.

يرى محللون أن ترامب، من حيث لا يقصد، يقوم بتقليم أظافر بلاده في الساحة الدولية عبر إضعاف التحالفات التقليدية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو). هذا التفكك في الروابط الدولية يؤذن ببداية نهاية العصر الأمريكي وبروز أقطاب دولية جديدة تسعى لملء الفراغ الذي تتركه واشنطن.

تاريخياً، كان النظام الرأسمالي الأمريكي يمتلك ضوابط تضمن حداً أدنى من التوازن، لكن الهيمنة الحالية لشركات مثل 'تيسلا' و'ميتا' غيرت قواعد اللعبة السياسية. أصبح القرار السياسي رهيناً لمصالح حفنة من الأثرياء الذين يفضلون المكاسب السريعة على الاستقرار الاستراتيجي طويل الأمد للدولة.

ختاماً، يبدو أن الولايات المتحدة تواجه اختباراً وجودياً في ظل قيادة تتبنى الجدل والصدام وسيلة للحكم، وهو ما يذكر بمقولات تاريخية حول هلاك الأمم بجهل قادتها. إن المسار الحالي يشير إلى أن 'الترامبية' قد تكون المعول الذي يهدم أركان الهيمنة التي بنيت على مدار ثمانية عقود.

دلالات

شارك برأيك

نهاية عصر الهيمنة: كيف تسرع 'الترامبية' في تفكيك الإمبراطورية الأمريكية؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.