أقلام وأراء

السّبت 28 فبراير 2026 8:08 صباحًا - بتوقيت القدس

أين اختفى ديب سيك؟

ينفجر اسم "ديب سيك" (DeepSeek) في سماء التكنولوجيا مطلع عام ٢٠٢٥ كقنبلة موقوتة، يهز عواصم التكنولوجيا من وادي السيليكون إلى وادي تشانغآن، يقدم أداءً ينافس "جي بي تي-٤" بتكلفة تدريب لا تتجاوز ٥٫٦ ملايين دولار فقط. يعتمد استراتيجية المصدر المفتوح التي تتيح للجميع تحميل النموذج وتجربته مجاناً، يحدث صدمة مدوية في الأسواق، يطلق موجة هلع غير مسبوقة، يتساءل الجميع: كيف استطاع الصينيون فعل ذلك بهذا القليل من المال والرقائق؟

يمر عام تقريباً على ذلك الانفجار، يخفت نجم "ديب سيك" بشكل ملحوظ، تؤكد الأرقام تراجعاً كبيراً خلال عام ٢٠٢٥، تشير التقارير إلى أن عدد المستخدمين النشطين شهرياً ينخفض بنحو الربع، ينتقل العديد من المستخدمين إلى تطبيقات منافسة مثل "دوباو" من بايت دانس أو المساعدين المدمجين في متصفحات "كيو كيو" و"بايدو". يعني هذا التراجع تحولاً في طبيعة اللعبة لا فشلاً ذريعاً، ينجح "ديب سيك" في مهمته الأهم: تغيير قواعد اللعبة إلى الأبد.

تدرك الشركات الكبرى بعد صدمة يناير أن نموذج المصدر المفتوح والكفاءة العالية يصبح ضرورة للبقاء، يطلق عمالقة التكنولوجيا مثل علي بابا وبايدو وتينسنت نماذجهم المفتوحة بشراسة، تخلق هذه المنافسة بيئة شديدة تعيد "ديب سيك" إلى حجمه الطبيعي كلاعب مهم ضمن سوق مزدحم، لم يعد الوحيد في الحقل بعد أن كان الظاهرة الأبرز.

يتزايد القول باختفاء "ديب سيك" لكنه وهم بصري، يشبه ما يحدث الآن تماماً ما حدث قبل عام: هدوء ما قبل العاصفة، تتزايد التسريبات والتقارير منذ أواخر عام ٢٠٢٥ حول الاستعداد لإطلاق الجيل الجديد: "ديب سيك-في ٤"، يُتوقع أن يكون هذا الجيل بمثابة الصدمة الثانية. يستهدف النموذج الجديد ساحة البرمجة بشكل أساسي، تشير التسريبات إلى أداء في مهام البرمجة يتفوق على عمالقة مثل "كلود" و"جي بي تي" في الاختبارات الداخلية، تعتمد هذه القفزة على معمارية جديدة ثورية تُعرف باسم "إنغرام" و"إم إتش سي"، تسمح هذه التقنيات للنموذج بفهم سياقات أطول تتجاوز مليون رمز، تمنع مشكلة النسيان الكارثي التي تعاني منها النماذج الحالية عند التعلم المستمر.

ينشغل "ديب سيك" خلال فترة "اختفائه" بإجراء جراحة تجميلية دقيقة لقدراته في غرف العمليات المغلقة، يعود إلى الواجهة في الأيام الأخيرة عبر حدث أكبر من إصدار نموذج جديد، يكشف اتهام أمريكي صريح قبل أيام قليلة أن "ديب سيك" يدرب نموذجه الجديد على رقائق "بلاكويل" من إنفيديا، تعتبر هذه الرقائق الأكثر تقدماً والمحظور تصديرها إلى الصين بموجب عقوبات التصدير الأمريكية.

تروي هذه الفضيحة قصة مختلفة تماماً، ينشغل "ديب سيك" بلعبة أكثر خطورة من المنافسة الشريفة، يخترق الحظر التكنولوجي بتهريب الرقائق عبر دول ثالثة، يعتقد المسؤولون الأمريكيون أن هذه الرقائق توجد في مركز بيانات تابع للشركة في منطقة منغوليا الداخلية، يعيد هذا الخبر الشركة إلى دائرة الضوء ليس كمنافس تجاري فحسب، بل كورقة في لعبة الشطرنج الكبرى بين واشنطن وبكين.

يختفي "ديب سيك" إذن في ثلاثة أماكن في وقت واحد، يختفي في معمعة المنافسة المحلية بعد أن أصبح نموذج المصدر المفتوح هو السائد، يختفي خلف أبواب المختبرات المغلقة لتطوير تقنيات الجيل القادم في البرمجة، يختفي في دهاليز التهريب التكنولوجي والصراع الجيوسياسي للحصول على أقوى رقائق العالم.

يقترب موعد إطلاق "ديب سيك-في ٤" المنتظر خلال أيام، يقف العالم على أعتاب لحظة فاصلة، ينتظر الجميع رؤية ما إذا كان النموذج الجديد سيقدم قفزة نوعية في البرمجة بتكلفة منخفضة، سيثبت عندها أن "ديب سيك" لم يكن ومضة عابرة، بل مدرسة متكاملة في كسر قواعد اللعبة. تتحول القصة من الذكاء الاصطناعي إلى مستقبل الهيمنة التكنولوجية العالمية إذا تأكدت اتهامات استخدام رقائق بلاكويل، يستعد الرجل الصيني الخفي للنزول من جديد إلى حلبة المصارعة، يحمل في جعبته ضربة قد تكون قاضية هذه المرة.

دلالات

شارك برأيك

أين اختفى ديب سيك؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.