تتجلى في المشهد السياسي التونسي الراهن حالة من الاستقطاب الحاد التي تعيد صياغة مفاهيم الصراع، حيث يبرز سجن رئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي كعنوان لهذه المرحلة. إن الأحكام المتراكمة التي تجاوزت نصف قرن بحق رجل في تسعينياته، تعكس ذهنية إقصائية ترى في الخلاف معركة كسر عظم لا منافسة ديمقراطية.
لا يمكن اختزال سيرة الغنوشي في محنة السجن الحالية فحسب، بل يجب قراءتها من خلال مسار فكري اختار الممارسة العملية على ترف التنظير المجرد. لقد سعى الرجل طوال مسيرته إلى تنزيل قيم الوسطية والتوافق على أرض الواقع، محولاً إياها من شعارات خطابية إلى ممارسات سياسية معقدة.
بعد أحداث عام 2011، برز الغنوشي كمهندس لسياسة المصالحة الوطنية، متجاوزاً مرارات السجون والمنافي التي عاشها في العهود السابقة. لقد آمن بأن استقرار تونس يقتضي خفض منسوب الاحتقان، حتى لو تطلب ذلك دفع أثمان سياسية باهظة من رصيد حركته ومكانته الشخصية.
اتسمت رؤية الغنوشي بتقدير دقيق لموازين القوى، حيث فضل التنازل في لحظات الاضطراب لتجنيب البلاد منزلقات دموية شهدتها دول أخرى في المنطقة. كان يهدف من ذلك إلى تقديم تونس كنموذج فريد للانتقال السلمي للسلطة في محيط عربي متلاطم الأمواج.
على الصعيد الدولي، سعى الغنوشي إلى بناء جسور بين الهوية الإسلامية وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، رافضاً ثنائية الصدام مع الغرب أو الذوبان فيه. وقد ساهم حضوره في المحافل العالمية في تعزيز صورة تونس كدولة تسعى لمواءمة الأصالة مع مقتضيات العصر الحديث.
في الجانب الفكري، يُعد الغنوشي من أبرز المنظرين لتيار الاعتدال في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، حيث جاهد لوصل المرجعية الدينية بمفاهيم الدولة المدنية. أكد في كتاباته أن التعددية السياسية ليست نقيضاً للعقيدة، بل هي الإطار الأمثل لتنظيم الاختلافات البشرية وحمايتها.
لم يكن مشروع الغنوشي صدامياً، بل اتسم بكونه إصلاحياً تراكمياً يهدف إلى بناء الثقة بين الإسلاميين وخصومهم الأيديولوجيين. وقد عمل بجهد لتحويل حركته من جماعة احتجاجية إلى حزب مدني فاعل ينخرط في مؤسسات الدولة ويحترم قواعد اللعبة الديمقراطية.
السياسة أخلاق قبل أن تكون سلطة، والاختلاف إذا أُدير بالحكمة صار طاقة بناء لا معول هدم.
حين واجه المسار الديمقراطي تحديات كبرى، لم يتردد الغنوشي في الدفاع عن الشرعية الانتخابية ومبدأ التداول السلمي على السلطة. ورغم إدراكه للكلفة الشخصية العالية لموقفه، إلا أنه اختار العودة إلى موقع المعارض متمسكاً بقناعاته في الحرية وحكم القانون.
المفارقة اللافتة في تجربة الغنوشي تكمن في استمراره بالدفاع عن دولة القانون من داخل زنزانته، رافضاً تبني خطاب الثأر أو الاستئصال. إن هذا الثبات الأخلاقي يعيد إلى الأذهان تجارب قادة عالميين حولوا السجن إلى قوة أخلاقية ملهمة لشعوبهم.
يذكرنا التاريخ بنماذج مثل نيلسون مانديلا وغاندي، الذين خرجوا من معتقلاتهم بروح تصالحية أنقذت بلدانهم من الحروب الأهلية. هؤلاء القادة أثبتوا أن السجن لا ينقص من قيمة الفكرة، بل قد يكون الاختبار الحقيقي لمدى تمسك القائد بقيمه الإنسانية والسياسية.
قد يختلف الكثيرون مع الغنوشي في خياراته السياسية أو اجتهاداته الفكرية، وهذا حق مكفول في الفضاء العام. إلا أن الاتساق الداخلي الذي أظهره الرجل، وقدرته على الربط بين التضحية الشخصية والمشروع الوطني، يفرض نوعاً من الاحترام لمسيرته الطويلة.
إن الدولة القوية في المنظور السياسي السليم ليست تلك التي تبرع في إغلاق الأبواب أمام خصومها، بل التي تملك الحكمة لفتح قنوات الحوار. الاحتواء في لحظات الاحتقان التاريخي يظل دائماً أبلغ أثراً وأكثر استدامة من سياسات الغلبة والإقصاء القسري.
يبقى راشد الغنوشي في زنزانته صوتاً يتحدث لغة الأمل رغم ضيق السبل، مجسداً صورة المفكر الذي لم يهرب من استحقاقات الممارسة. إن التاريخ لا يحفظ ضجيج اللحظات العابرة، بل يبقي على المعاني العميقة للتضحية في سبيل المبادئ الكبرى.
في نهاية المطاف، الكتابة عن هذه الشخصيات ليست مجرد مديح، بل هي دفاع عن حق الاختلاف وضرورة المساءلة والحوار. إن بناء الأوطان يتطلب اعترافاً متبادلاً بالوجود السياسي، وإدراكاً بأن السياسة في جوهرها هي ممارسة أخلاقية تهدف لخدمة الإنسان وحريته.





شارك برأيك
أخلاقيات السياسة في مواجهة المحنة: قراءة في تجربة راشد الغنوشي