رأت سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد 'تشاتام هاوس' أن المشهد الراهن بين طهران وواشنطن يواجه أربع عقبات جوهرية تحول دون الوصول إلى سلام دائم. وأوضحت في تحليل لها أن وقف إطلاق النار المعمول به منذ الثامن من نيسان/أبريل الماضي، لم يكن سوى أداة لمنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة، لكنه بات مهدداً بالانهيار الكامل.
وأشارت وكيل إلى أن الأسبوع الأخير شهد جولة تصعيد خطيرة كسرت حالة الهدوء النسبي، حيث نفذت الولايات المتحدة ضربات عسكرية استهدفت مواقع إيرانية. وفي المقابل، ردت طهران بشن هجمات طالت أهدافاً في الكويت والبحرين، بالتزامن مع تصعيد عسكري لافت في الجبهة اللبنانية من قبل دولة الاحتلال.
تتمثل العقبة الأولى في انعدام الثقة المتبادلة، حيث تشكك القيادة الإيرانية في جدية دونالد ترامب وقدرته على الالتزام بأي اتفاق مستقبلي. ولا يتوقف القلق الإيراني عند احتمال انسحاب واشنطن مجدداً، بل يمتد إلى الخشية من استمرار تغيير الشروط الأمريكية لتشمل ملفات الصواريخ والنفوذ الإقليمي بعد القيود النووية.
أما العائق الثاني فيكمن في غياب قنوات التواصل الفعال والمباشر بين البلدين، رغم اللقاء الذي جمع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس برئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في إسلام آباد. وبدلاً من تطوير هذا اللقاء إلى قناة مستدامة، لا تزال المفاوضات تعتمد بشكل مفرط على الوسطاء، مما يعيق تحويل الإشارات السياسية إلى حلول ملموسة.
وتبرز العقبة الثالثة في الفجوة الواسعة بين احتياجات الطرفين؛ فبينما تصر طهران على الحصول على تفاصيل دقيقة والتزامات قانونية وضمانات ضد التراجع الأمريكي، يبحث ترامب عن 'انتصار سريع'. ويسعى الرئيس الأمريكي إلى مذكرة تفاهم أقل صرامة يمكن تسويقها إعلامياً كإنجاز تاريخي دون الدخول في تعقيدات التنفيذ الطويلة.
وتلعب السياسة الداخلية في كلا البلدين دوراً معطلاً كعقبة رابعة، حيث يواجه أي تقارب هجوماً شرساً من 'الصقور' في واشنطن والمعارضين الديمقراطيين على حد سواء. وفي طهران، يُنظر إلى أي تنازل لا يتضمن رفعاً كاملاً للعقوبات وضمانات سيادية على أنه استسلام غير مقبول من قبل الجيل الجديد من القادة الصاعدين.
ووفقاً للتحليل، فإن الطرفين يعانيان من 'حس المنتصر'، حيث تعتقد إيران أنها نجت من سياسة الضغوط القصوى وحافظت على هيكلها القيادي رغم التحديات. وترى طهران أن إغلاق مضيق هرمز منحها نفوذاً استراتيجياً يجعل واشنطن مضطرة لخفض التصعيد لتجنب ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم العالمي.
الحقيقة هي أن كلا الطرفين خاسر؛ فأي اتفاق وقف إطلاق نار ينفجر دورياً في وجه الجميع، يقوض قدرة واشنطن على فرض النظام ويترك إيران في مواجهة اقتصاد منهك.
في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى الموقف من زاوية القوة العسكرية الساحقة التي أظهرتها مؤخراً، معتبرة أن قدرة الردع الإيرانية قد تآكلت بشكل كبير. وتفترض الدوائر السياسية في واشنطن أن الضغوط الاقتصادية الخانقة ستجبر طهران في نهاية المطاف على قبول اتفاق محدود لتجنب الانهيار الشامل.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يعيش الداخل الإيراني أزمة طاحنة، حيث قفزت معدلات التضخم إلى 77% خلال شهر أيار/مايو الماضي. كما سجل الريال الإيراني تراجعاً تاريخياً أمام الدولار، مما يضع القيادة الإيرانية تحت ضغط شعبي كبير لتبرير جدوى سياسة الصمود التي لم تتحول إلى انفراجة معيشية.
ولا تزال تداعيات احتجاجات كانون الثاني/يناير الماضي تلقي بظلالها على المشهد السياسي في إيران، خاصة مع تقارير تتحدث عن مقتل آلاف الأشخاص خلال عمليات القمع. وترى وكيل أن الإجراءات الأمنية المكثفة قد تنجح في احتواء الغضب الشعبي مؤقتاً، لكنها لا تعالج المظالم العميقة التي قد تنفجر في أي لحظة.
وحذرت وكيل من أن حالة الجمود الحالية في الشرق الأوسط نادراً ما تدوم، وأن التصعيد المتقطع هو السمة الغالبة على الوضع القائم. وأكدت أن استمرار وقف إطلاق النار دون مسار سياسي واضح سيؤدي حتماً إلى مأزق جديد له تداعيات اقتصادية وسياسية دولية خطيرة.
إن تحويل التوقف الحالي للأعمال العدائية إلى عملية سياسية يتطلب، حسب التحليل، تواصلاً مباشراً وتحركاً أسرع ضمن إطار زمني واقعي. ويحتاج هذا المسار إلى قيادة جريئة من الجانبين قادرة على تقديم حلول وسط، والاعتراف بأن القصف أو الحصار لن يؤديا إلى اتفاق مستدام.
وأوضحت مصادر مطلعة على التحليل أن الفشل في استغلال الفرصة الضئيلة المتاحة سيعني العودة إلى مربع التصعيد الأول. وبدون خطوات ملموسة، سيتحول اتفاق نيسان/أبريل من كونه بداية لخفض التوتر إلى مجرد استراحة قصيرة تسبق جولة أعنف من المواجهات الإقليمية.
وفي الختام، يبقى الرهان على قدرة الأطراف الدولية على جسر الهوة بين طموحات واشنطن الإعلامية ومطالب طهران السيادية. وبدون ذلك، سيظل الشرق الأوسط رهينة لسياسة 'حافة الهاوية' التي تهدد أسواق الطاقة العالمية والأمن الإقليمي لشركاء الولايات المتحدة في الخليج.





شارك برأيك
أربع عقبات تمنع السلام الدائم بين طهران وواشنطن: قراءة في مأزق 'اللاحرب واللاسلم'