تتسم حسابات الحروب بتعقيدات تتجاوز الميادين العسكرية لتطال البنى السياسية والاقتصادية، حيث يتطلب اتخاذ قرار المواجهة تحوطاً واستعداداً دقيقاً للمراحل كافة. ومع تصاعد الحديث عن مواجهة مرتقبة تشمل أطرافاً إقليمية ودولية، تبرز التساؤلات حول الكلفة التقديرية وأثر ذلك على الاقتصاد العالمي المنهك أساساً.
تعد منطقة الشرق الأوسط القلب النابض لقطاع الطاقة العالمي، حيث تساهم بنحو ثلث الإنتاج العالمي من النفط و17% من الغاز الطبيعي. وأي اضطراب في هذه المنطقة يعني تهديداً مباشراً لنحو 15% من إمدادات الطاقة التي يعتمد عليها العالم في تسيير قطاعاته الصناعية والخدمية.
يمثل مضيق هرمز شريان الحياة للتجارة الدولية، إذ تعبر من خلاله بضائع تقدر قيمتها بنحو 3 تريليونات دولار سنوياً، ما يعادل 12% من إجمالي التجارة البحرية. إن أي تهديد لهذا الممر المائي سيؤدي إلى شلل في حركة الملاحة العالمية ويجبر السفن على اتخاذ مسارات بديلة ومكلفة.
الواقع الميداني يشير إلى أن التوترات الحالية بدأت تفرض أعباء مالية ثقيلة حتى قبل اندلاع المواجهة الشاملة، حيث قفزت كلف شحن الناقلات بنسبة 300%. وارتفعت قيمة استئجار الناقلة الواحدة من 50 ألف دولار إلى نحو 170 ألف دولار، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع النهائية.
إلى جانب كلف الشحن، تضاعفت كلف التأمين على السفن المارة عبر مضيق هرمز، حيث تضاف مبالغ تصل إلى 200 ألف دولار عن كل رحلة مرور واحدة. هذه الأرقام تعكس حالة القلق لدى شركات التأمين العالمية من مخاطر الاستهداف المباشر أو غير المباشر في المنطقة.
في حال اندلاع شرارة الحرب، تتوقع مصادر اقتصادية أن تقفز أسعار النفط سريعاً لتلامس حاجز 100 دولار للبرميل نتيجة الهجمات المحتملة على المنشآت. وإذا ما استمرت الحرب لفترة طويلة مع تعطل سلاسل الإمداد، فإن الأسعار قد تتجاوز عتبة 120 دولاراً للبرميل بشكل غير مسبوق.
تشير الدراسات الاقتصادية إلى أن زيادة مستدامة في أسعار النفط بنسبة تتراوح بين 20% و30% كفيلة بتقليص معدلات النمو العالمي بنحو 1%. هذا التباطؤ سيؤدي إلى ركود تضخمي يضرب الاقتصادات الكبرى والناشئة على حد سواء، مما يعقد مهام البنوك المركزية في السيطرة على الأسواق.
الحروب لا تخلو أبداً من مفاجآت غير متوقعة تزيد من كلفة الفاتورة النهائية، والأخطر أن المتحاربين لا يضعون في حساباتهم تأثر استقرار الاقتصاد العالمي.
منظمة التجارة العالمية حذرت من أن اضطراب الملاحة في المضائق الحيوية سيجبر الخطوط الدولية على التحول نحو طريق رأس الرجاء الصالح. هذا التحول القسري يضيف ما بين 10 إلى 15 يوماً لزمن الرحلة بين آسيا وأوروبا، مما يرفع كلف التشغيل ويؤخر وصول السلع الأساسية.
الأمن الغذائي العالمي ليس بمنأى عن هذه التهديدات، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه دول المنطقة في صناعة البتروكيماويات والأسمدة. وتستحوذ دول الخليج على حصة تصل إلى 15% من تجارة الأسمدة النيتروجينية، وهي مكون أساسي لضمان الإنتاج الزراعي العالمي واستقرار أسعار الغذاء.
إيران بدورها تعد لاعباً رئيساً في إنتاج اليوريا والميثانول بحصة تبلغ 5% من التجارة العالمية، وأي توقف لإنتاجها سيزيد من حدة أزمة الأسمدة. هذا النقص سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية، مما يفاقم معاناة الدول الفقيرة التي تعتمد على الاستيراد لتأمين احتياجاتها.
تتجه الأنظار في أوقات الأزمات نحو الملاذات الآمنة، حيث يتوقع أن يسجل الذهب مستويات تاريخية مع هروب المستثمرين من أسواق الأسهم والعملات المتقلبة. هذا الهروب الجماعي نحو الذهب يعكس فقدان الثقة في الاستقرار المالي العالمي في ظل طبول الحرب التي تقرع في الإقليم.
تشير تقديرات دولية إلى أن كلفة الحرب الجديدة في المنطقة قد تصل إلى 400 مليار دولار خلال العقد المقبل، وهي مبالغ ضخمة كان يمكن استثمارها في التنمية. هذه الفاتورة الباهظة تشمل الدمار المباشر في البنى التحتية وفقدان الفرص الاقتصادية والنمو الضائع نتيجة النزاعات المسلحة.
بالعودة إلى التاريخ، أظهرت دراسات شملت 135 نزاعاً مسلحاً أن الدول المتورطة في الحروب تخسر نحو 13% من ناتجها المحلي الإجمالي في العقد اللاحق. كما يتراجع الاستهلاك والاستثمار بنسب مماثلة، مما يدخل هذه الاقتصادات في دوامة من التضخم المفرط والديون السيادية المتراكمة.
في المحصلة، يبدو أن الجميع سيخرج خاسراً من أي مواجهة عسكرية واسعة في المنطقة، حيث ستتأثر كل دول العالم بنسب متفاوتة. ومع ذلك، تبرز المخاوف من أن حكومة نتنياهو قد تدفع المنطقة نحو دمار غير محسوب العواقب، معتمدة على أطراف أخرى لتغطية الفواتير المالية والسياسية.





شارك برأيك
كوابيس اقتصادية تلاحق العالم: فاتورة الحرب المرتقبة في الشرق الأوسط