أقلام وأراء

الإثنين 08 يونيو 2026 8:16 صباحًا - بتوقيت القدس

الضاحية تغيّر قواعد الاشتباك… ترامب يضبط الإيقاع ونتنياهو الخاسر الأكبر


في مساء السابع من حزيران/يونيو 2026، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد بعد الضربات الإيرانية التي استهدفت إسرائيل، رداً على الهجوم الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية في لبنان. أهمية الحدث لا تكمن فقط في تبادل الضربات، بل في السياق الذي سبقه، إذ كانت إيران قد حذّرت مسبقاً من أن استهداف الضاحية سيقابله رد مباشر. وعندما وقع الهجوم، جاء الرد سريعاً، بما أكد أن الأمر ليس رد فعل عابر، بل جزء من معادلة ردع يجري تثبيتها عملياً.

ما جرى لا يمثل انقلاباً كاملاً في موازين القوى، لكنه يعكس تعديلاً واضحاً في قواعد الاشتباك. فالنمط التقليدي الذي اعتادت عليه المنطقة، حيث تبدأ إسرائيل بالهجوم ويأتي الرد لاحقاً ضمن حسابات “الزمان والمكان المناسبين”، تعرض هذا المرة لاختبار مختلف. الرد الإيراني المباشر حمل دلالة مهمة: انتقال نسبي في الإيقاع من موقع المتلقي إلى موقع المبادر، حتى لو بقيت موازين القوة الأساسية على حالها.

هذا التحرك لم يكن معزولاً عن حسابات دقيقة للموقف الأميركي. فواشنطن، رغم التزامها بأمن إسرائيل، لا تبدو راغبة في الانخراط في حرب إقليمية واسعة. كلفة التصعيد، داخلياً ودولياً، تجعل خيار الاحتواء أكثر حضوراً من خيار الحرب المفتوحة. لذلك راهنت إيران على أن الولايات المتحدة ستدعم إسرائيل وتردع الخصوم، لكنها في الوقت نفسه ستعمل على ضبط سقف التصعيد ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

في هذا السياق، تبرز زاوية سياسية مهمة تخص الرئيس الأميركي دونالد ترامب . فهذه التطورات تمنحه فرصة لإبراز أنه صاحب قرار مستقل، يتحرك وفق حسابات أميركية خالصة، لا وفقايقاع بنيامين نتانياهو. فإذا اختار احتواء التصعيد وضبطه، يمكنه أن يقدّم نفسه كمن يمسك بقرار الحرب والسلم، ويمنع انزلاق الولايات المتحدة إلى مواجهات لا تخدم مصالحها المباشرة. وبذلك يتحول “ضبط الإيقاع” إلى رسالة قوة سياسية، تؤكد أن القرار في واشنطن لا يُدار بالوكالة.

في المقابل، تبدو إسرائيل أكثر ميلاً إلى توسيع دائرة المواجهة، سواء لإعادة ترميم صورة الردع أو لإعادة صياغة قواعد الاشتباك في الإقليم. لكن هذا التوجه يصطدم بسقف أميركي حذر، ما يخلق ازدواجية واضحة: دفع إسرائيلي نحو التصعيد، مقابل ضبط أميركي لمحاولة احتوائه. والنتيجة هي استمرار تبادل الضربات ضمن حدود محسوبة، دون الوصول إلى حرب شاملة.

في هذا السياق، يظهر نتنياهو كأحد أبرز الخاسرين سياسياً حتى الآن. فالهجوم على الضاحية كان يُراد منه رفع مستوى الردع أو فرض معادلة جديدة، لكن الرد الإيراني المباشر، مقروناً بالاحتواء الأميركي، حدّ من قدرة الحكومة الإسرائيلية على تحويل التصعيد إلى مكسب استراتيجي واضح. انتقال إيران إلى موقع المبادر أضعف سردية التفوق المطلق، وجعل أي إنجاز عسكري إسرائيلي أقل قابلية للتحول إلى إنجاز سياسي حاسم.

كما أن تثبيت معادلة “الضاحية مقابل رد إيراني مباشر” يضيف قيداً جديداً على القرار الإسرائيلي، ويجعل كلفة أي تصعيد مستقبلي أعلى وأكثر تعقيداً. وبدلاً من توسيع هامش المناورة، وجد نتنياهو نفسه أمام بيئة إقليمية أكثر تقييداً لحركته.

مع ذلك، تبقى المخاطر قائمة. فهذه المرحلة تقوم على تقديرات دقيقة للنوايا وحدود الاحتمال، وأي خطأ في الحساب قد يحوّل الاحتواء إلى انفجار أوسع. ما جرى في 7 حزيران/يونيو 2026 لا يمثل نهاية الصراع، بل إعادة تشكيل لتوازن الردع. المعادلة لم تُلغَ، لكنها أصبحت أكثر تعقيداً وتوازناً.

بين رغبة إسرائيل في التصعيد، وسعي الولايات المتحدة إلى ضبط الإيقاع، ومحاولة إيران فرض معادلة ردع جديدة، تقف المنطقة أمام مرحلة دقيقة وحساسة. حرب شاملة ليست الخيار المرجح لمعظم الأطراف، لكن استمرار الضربات المتبادلة يبقي الجميع في دائرة اختبار مستمر للإرادة السياسية بقدر ما هو اختبار للقدرة العسكرية.

دلالات

شارك برأيك

الضاحية تغيّر قواعد الاشتباك… ترامب يضبط الإيقاع ونتنياهو الخاسر الأكبر

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.