واشنطن – سعيد عريقات -28/2/2028
تحليل إخباري
لم تكن كلمات المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمام مجلس حقوق الإنسان هذا الأسبوع مجرد عرض دوري لتقرير حقوقي، بل بدت مؤشراً على تحول ملحوظ في طبيعة الخطاب الأممي تجاه الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
فحين تحدث تورك عن احتمال سعي إسرائيل إلى إحداث "تغيير ديموغرافي دائم" في قطاع غزة والضفة الغربية، استخدم أحد أكثر المصطلحات حساسية في القانون الدولي، وهو توصيف نادراً ما يظهر في بيانات أممية بهذا الوضوح السياسي والقانوني.
التقرير، الذي يغطي الفترة بين تشرين الثاني 2024 وتشرين الأول 2025، خلص إلى وجود ما وصفه المسؤول الأممي بـ"استهتار تام بحقوق الإنسان"، مشيراً إلى تدمير واسع النطاق للأحياء السكنية، وقيود مشددة على السكان، واستخدام المساعدات الإنسانية ضمن سياق الصراع العسكري.
وحذر تورك من إن تراكم هذه الإجراءات "يبدو أنه يهدف إلى تغيير ديموغرافي دائم"، محذراً من مخاوف متزايدة بشأن التطهير العرقي — وهو توصيف يحمل تبعات قانونية قد تتجاوز الإدانة السياسية إلى نقاشات المساءلة الدولية.
غزة: هدنة بلا نهاية للأزمة
رغم إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025، يشير التقرير إلى أن الواقع الإنساني في غزة لم يشهد تحسناً جوهرياً. فقد قُتل أكثر من 600 فلسطيني وأصيب أكثر من 1600 آخرين منذ بدء الهدنة، فيما وثّقت الأمم المتحدة نحو 1700 انتهاك شملت قيوداً على المساعدات ومنع العلاج الطبي والهجمات المتكررة.
وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت المجاعة في القطاع خلال أغسطس/آب 2025، بينما استمر انتشار سوء التغذية نتيجة محدودية تدفق الإمدادات الإنسانية.
وأشار تورك إلى إن المدنيين ما زالوا يموتون بسبب القصف والجوع والبرد والأمراض التي يمكن علاجها، مضيفاً أن ما يحدث "كان سيُعتبر أزمة عالمية كبرى لو وقع في أي مكان آخر".
وتشير تقديرات أممية إلى مقتل أكثر من 72 ألف فلسطيني، معظمهم من المدنيين، منذ أن شنت إسرائيل حربها الوحشية على غزة في تشرين الأول 2023، إضافة إلى تدمير أكثر من 80% من البنية التحتية في القطاع، ما أدى إلى انهيار شبه كامل لمقومات الحياة المدنية.
ويمثل استخدام الأمم المتحدة لمصطلح "التغيير الديموغرافي" نقطة تحول في توصيف النزاع، إذ تنتقل المؤسسة الدولية من توثيق النتائج الإنسانية للحرب إلى تحليل النوايا والأنماط السياسية طويلة الأمد. هذا التطور يعكس تزايد القلق داخل الأوساط القانونية الدولية من أن العمليات العسكرية لم تعد تُفهم فقط كاستجابة أمنية، بل كجزء من واقع جديد يُعاد تشكيله على الأرض. ومع ذلك، يبقى السؤال المركزي ما إذا كان التصعيد اللغوي سيتحول إلى ضغط سياسي فعلي أم سيظل ضمن حدود الإدانة الرمزية المعتادة.
الضفة الغربية: تغييرات إدارية ذات أبعاد إستراتيجية
في الضفة الغربية المحتلة، وصف التقرير الوضع بأنه "مقلق للغاية"، مشيراً إلى مقتل أكثر من ألف فلسطيني خلال الفترة نفسها، بالتوازي مع إجراءات إسرائيلية توسع نطاق الإدارة المدنية في مناطق كانت تخضع للحكم العسكري.
ويرى تورك أن هذه الخطوات تُرسخ واقعاً يقترب تدريجياً من الضم، وهو ما يعتبره القانون الدولي غير شرعي في الأراضي المحتلة. ويشير مراقبون إلى أن هذه التحولات الإدارية قد تكون أكثر تأثيراً على المدى الطويل من العمليات العسكرية نفسها، لأنها تغيّر البنية القانونية والسياسية للأرض.
ووصف المفوض السامي الوضع العام بأنه "كارثة من صنع الإنسان"، محمّلاً إسرائيل مسؤولية التهجير القسري، ومنتقداً غياب المساءلة الدولية عن الانتهاكات الجسيمة.
وتكشف تصريحات تورك عن معضلة أعمق تتجاوز الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي نفسه، وهي محدودية قدرة النظام الدولي على تحويل التقارير القانونية إلى إجراءات تنفيذية. فبينما تتراكم الأدلة والتوصيفات القانونية، تبقى آليات المحاسبة خاضعة لاعتبارات سياسية داخل مجلس الأمن والتحالفات الدولية. هذه الفجوة بين القانون والسياسة لا تؤثر فقط على مسار الصراع، بل تهدد أيضاً مصداقية منظومة حقوق الإنسان العالمية، إذ يزداد الانطباع بأن قوة الدولة، لا حجم الانتهاك، هي العامل الحاسم في تحديد مستوى المساءلة.
حقوق الإنسان كشرط للاستقرار
في ختام كلمته، شدد تورك على أن أي عملية إعادة إعمار أو مسار سياسي مستقبلي لن يكون قابلاً للاستدامة دون وضع حقوق الإنسان في مركز الحلول المطروحة.
وقال إن حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية "سُحقت"، مؤكداً أن تحقيق الاستقرار الدائم يتطلب معالجة جذور الأزمة وليس فقط إدارة تداعياتها الإنسانية.
وبينما تستمر الحرب في إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي للمنطقة، يبدو أن تقرير المفوض السامي لا يكتفي بوصف المأساة، بل يطرح سؤالاً أوسع أمام المجتمع الدولي: هل ما يجري أزمة إنسانية عابرة، أم لحظة إعادة رسم دائمة؟





شارك برأيك
اتهام أممي لإسرائيل بالسعي إلى تغيير ديموغرافي دائم: تصعيد لغوي يعكس تحولاً في الخطاب الدولي