عربي ودولي

السّبت 14 مارس 2026 6:18 مساءً - بتوقيت القدس

تقارير دولية: الذكاء الاصطناعي يقود ثورة في إدارة الحروب الأمريكية وتوليد الأهداف

كشفت تقارير صحفية دولية عن تحول جذري في استراتيجيات إدارة الحروب لدى الجيش الأمريكي، حيث بات الذكاء الاصطناعي المحرك الأساسي لعمليات اتخاذ القرار الميداني. وظهر هذا التطور بوضوح خلال العمليات العسكرية الأخيرة في إيران، إذ تمكن البنتاغون من استهداف أكثر من ألفي موقع في غضون أربعة أيام فقط، وهي وتيرة تتجاوز بمراحل القدرات البشرية التقليدية في التخطيط والتحليل.

تعتمد هذه الوتيرة غير المسبوقة على أنظمة ذكاء اصطناعي متطورة تقوم بمعالجة تدفقات هائلة من البيانات الاستخباراتية المستمدة من الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة. وتسمح هذه التقنيات بتوليد خيارات قصف فورية، مما يقلص الوقت اللازم لتحديد الأهداف من أيام وساعات إلى مجرد ثوانٍ أو دقائق معدودة، وهو ما يمثل أول استخدام ميداني واسع لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي في ساحات القتال.

أوضحت مصادر مطلعة أن وزارة الدفاع الأمريكية دمجت خلال العامين الماضيين تكنولوجيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي بشكل مكثف، وعلى رأسها نظام 'Maven Smart System'. هذا النظام الذي طورته شركة 'بالانتير' يعمل كمنصة تشغيل أساسية لبيانات البنتاغون، ويتم استخدامه جنباً إلى جنب مع نماذج لغوية متطورة مثل 'Claude' لتحليل المواقف القتالية في الوقت الفعلي.

يرى خبراء تقنيون أن الأهمية الكبرى لهذه النماذج تكمن في انتقالها من مجرد تلخيص البيانات إلى مرحلة الاستنتاج والتفكير المنطقي في المشكلات العسكرية خطوة بخطوة. وقد أدى هذا التحول إلى زيادة هائلة في حجم القرارات العسكرية المتخذة، مما منح القادة الميدانيين قدرة فائقة على المناورة والرد السريع في بيئات القتال المعقدة والمزدحمة بالمعلومات.

على الرغم من الوعود التكنولوجية بتسريع الحسم العسكري، إلا أن هذه التقنيات تثير مخاوف عميقة تتعلق بالرقابة والمسؤولية القانونية. وقد تصاعد الجدل مؤخراً حول حدود استخدام هذه النماذج بعد خلافات بين شركات التكنولوجيا والبنتاغون، خاصة فيما يتعلق بالمخاطر المرتبطة بتوليد أهداف قد لا تخضع لمراجعة بشرية كافية قبل التنفيذ.

سلطت تقارير حقوقية الضوء على تداعيات هذه السرعة الفائقة، مشيرة إلى قصف منشآت مدنية حساسة مثل مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب الإيرانية. ولا يزال الغموض يكتنف مدى تورط أنظمة الذكاء الاصطناعي في إدراج مثل هذه المواقع ضمن قوائم الاستهداف، وما إذا كان الخطأ ناتجاً عن خلل تقني أو تقدير بشري غير دقيق.

تشير بيانات الهلال الأحمر الإيراني إلى أن العمليات المشتركة للولايات المتحدة ودولة الاحتلال أسفرت عن تضرر أكثر من 20 ألف مبنى غير عسكري، من بينها آلاف الوحدات السكنية. هذا الحجم الهائل من الدمار يطرح تساؤلات ملحة حول معايير اختيار الأهداف في ظل الاعتماد المتزايد على الخوارزميات التي قد تفتقر إلى الحس الإنساني والتقدير الأخلاقي.

قارنت الباحثة جيسيكا دورسي بين الحملة الحالية والحملة السابقة ضد تنظيم الدولة، موضحة الفارق الشاسع في الكفاءة العملياتية والسرعة. فبينما استغرق التحالف الدولي ستة أشهر لتنفيذ ألفي ضربة في العراق وسوريا، حققت القوات الأمريكية نفس الرقم في أربعة أيام فقط، مما يبرز حجم التحول الذي أحدثته التكنولوجيا في 'سلسلة القتل'.

يعمل نظام 'مايفن' بمثابة العقل البرمجي الذي يدير سلسلة القتل الكاملة، بدءاً من تحديد الهدف وترتيب الأولويات وصولاً إلى اختيار السلاح المناسب وتقييم الأضرار. وكانت هذه السلسلة تعتمد سابقاً على إجراءات ورقية بيروقراطية تتطلب موافقات من قيادات رفيعة، وهو ما كان يتسبب في تأخير العمليات العسكرية بشكل كبير.

تؤكد صوفيا غودفريند، الباحثة في جامعة كامبريدج أن النماذج اللغوية الضخمة أثبتت قدرة فائقة على إعداد قوائم أهداف ضخمة مقارنة بالجهد البشري. وتسمح هذه التكنولوجيا للجيوش بالعمل بنطاق غير مسبوق، مما يجعل الاستهداف الجوي عملية مستمرة وشاملة تغطي مساحات جغرافية واسعة في أوقات قياسية.

وفقاً لتصريحات مسؤولين في الاستخبارات الجغرافية الأمريكية، فإن عدد مستخدمي نظام 'مايفن' تجاوز 20 ألف مستخدم عبر عشرات الجهات العسكرية حتى منتصف عام 2025. وتشير التقديرات إلى أن هذا العدد في تصاعد مستمر، مع انضمام حلفاء دوليين مثل حلف شمال الأطلسي لاستخدام هذه المنظومة المتطورة في عملياتهم.

يسعى القادة العسكريون الأمريكيون للوصول إلى هدف طموح يتمثل في اتخاذ ألف قرار عالي الجودة خلال ساعة واحدة فقط في ساحة المعركة. هذا التوجه يعكس الرغبة في تحويل الحرب إلى عملية حسابية دقيقة، حيث يتم استبعاد أو اختيار الأهداف بناءً على تحليلات لحظية تجريها الماكينات بسرعة البرق.

إلى جانب أنظمة الاستهداف، يتم استخدام الذكاء الاصطناعي في الملاحة الذاتية والرؤية الحاسوبية في مناطق نزاع مختلفة تشمل غزة وأوكرانيا أيضاً. وتساعد برامج التعرف على الصور في تحديد منصات إطلاق الصواريخ والأصول العسكرية المتحركة، مما يحل مشكلة 'عنق الزجاجة' التي كانت تواجه الجنود عند مراجعة تسجيلات المسيرات يدوياً.

تختتم دورسي تساؤلاتها حول مدى القدرة على ممارسة سيطرة بشرية فعلية على أنظمة تجري ملايين العمليات الحسابية في الثانية الواحدة. ويبقى التحدي الأكبر أمام القانون الدولي هو كيفية تتبع هذه القرارات ومحاسبة المسؤولين عنها في حال وقوع انتهاكات، خاصة عندما يصبح 'الحكم البشري' مجرد إجراء شكلي أمام سرعة الآلة.

عربي ودولي

السّبت 14 مارس 2026 6:03 مساءً - بتوقيت القدس

عملية 'العصف المأكول' تربك حسابات الاحتلال وتكشف ثغرات في تقديرات الجبهة الشمالية

تشهد الأوساط السياسية والعسكرية في إسرائيل تحولاً لافتاً في نبرة الخطاب تجاه قدرات حزب الله العسكرية، وذلك في أعقاب سلسلة من الهجمات النوعية التي نفذها الحزب مؤخراً. وأفادت مصادر ميدانية بأن هذا التطور أعاد فتح باب الجدل داخل المؤسسة الأمنية حول مدى دقة التقديرات السابقة التي كانت تشير إلى تراجع القوة القتالية للحزب.

وكانت التقديرات الإسرائيلية الرسمية منذ حرب عام 2024 تروج لفكرة أن 'قوات الرضوان'، التي تمثل وحدة النخبة في الحزب، قد تعرضت لضربات قاصمة أفقدتها فاعليتها. وادعت تلك التقارير أن العمليات العسكرية السابقة، لا سيما ما عُرف بعملية 'البيجر'، قد أدت إلى شلل كبير في منظومة القيادة والسيطرة التابعة للحزب.

وبلغ التفاؤل الإسرائيلي ذروته مع انطلاق المواجهات الحالية، حيث اعتبر مسؤولون في تل أبيب أن الحزب بات عاجزاً عن شن هجمات واسعة النطاق. واستندت هذه القناعة إلى طبيعة الردود الأولية التي اعتبرتها إسرائيل محدودة، مما عزز الانطباع بأن الترسانة العسكرية للحزب قد استنزفت بشكل كبير.

إلا أن هذه القناعات بدأت تتلاشى بعد تنفيذ حزب الله لعملية أطلق عليها اسم 'العصف المأكول' خلال الأسبوع الماضي. وتميزت هذه العملية بتنسيق عالٍ وهجمات متزامنة انطلقت من محاور متعددة، مستهدفةً مساحات واسعة في منطقة الجليل المحتل، مما أحدث صدمة في الأوساط العسكرية الإسرائيلية.

وذكرت مصادر صحفية أن التقارير الاستخباراتية الأخيرة أظهرت مفاجأة غير متوقعة للمؤسسة الأمنية، تمثلت في قدرة الحزب على إعادة نشر وحدات من 'أفواج الرضوان' في مناطق تقع جنوب نهر الليطاني. وتأتي هذه المعلومات لتناقض الرواية الرسمية التي زعمت نجاح الجيش في تطهير المناطق الحدودية وتدمير البنية التحتية العسكرية فيها.

وفي سياق متصل، كشفت تقارير إعلامية دولية عن توجه إسرائيلي جديد يهدف إلى توسيع رقعة العمليات العسكرية في العمق اللبناني. ونقلت مصادر عن مسؤولين في واشنطن وتل أبيب أن هناك دراسة جدية للوصول بالعملية البرية إلى مجرى نهر الليطاني بذريعة القضاء على الوجود العسكري للحزب هناك.

وتشير المعطيات إلى أن الاحتلال قد يتبنى في جنوب لبنان استراتيجية 'الأرض المحروقة' التي اتبعها في قطاع غزة خلال الأشهر الماضية. ويهدف هذا التوجه إلى تدمير شامل للمناطق السكنية والبنى التحتية لضمان عدم عودة المظاهر العسكرية إلى المنطقة الحدودية، وسط تحذيرات من تداعيات إنسانية كارثية.

وعلى الصعيد الداخلي، تصاعدت حدة الانتقادات الموجهة للحكومة والجيش من قبل محللين وصحفيين إسرائيليين شككوا في صدقية البيانات الرسمية. واعتبر هؤلاء أن المبالغة في تصوير ضعف حزب الله كانت تهدف للاستهلاك المحلي، لكن الواقع الميداني أثبت وجود فجوات استخباراتية كبيرة.

ميدانياً، يواصل جيش الاحتلال عدوانه الواسع على الأراضي اللبنانية منذ مطلع شهر مارس الجاري، مخلفاً خسائر بشرية ومادية جسيمة. وحسب الإحصائيات الرسمية، فقد ارتقى مئات الشهداء، بينهم نسبة كبيرة من الأطفال والنساء، جراء الغارات الجوية المكثفة التي استهدفت الضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب.

وتتزامن هذه التطورات مع تصعيد إقليمي أوسع بدأ في أواخر فبراير الماضي، حيث انخرطت قوى دولية في مواجهات مباشرة. وقد جاء رد حزب الله باستهداف مواقع عسكرية حساسة تأكيداً على استمرار معادلة الردع رغم اتفاقات وقف إطلاق النار الهشة التي تم الحديث عنها في فترات سابقة.

وفي ظل استمرار التوغل البري المحدود الذي بدأ في الثالث من مارس، تشهد القرى الحدودية اشتباكات عنيفة من مسافات صفرية بين مقاتلي الحزب وقوات الاحتلال. وتؤكد المصادر أن المقاومة اللبنانية تبدي صموداً كبيراً في وجه محاولات التقدم، مما يزيد من تعقيد الحسابات الإسرائيلية للمرحلة المقبلة.

أحدث الأخبار

السّبت 14 مارس 2026 6:03 مساءً - بتوقيت القدس

إصابات وأضرار واسعة في موجة قصف صاروخي إيراني استهدفت إيلات وتل أبيب

شهدت الساعات الأخيرة تصعيداً ميدانياً كبيراً عقب إعلان مصادر رسمية إيرانية عن إطلاق موجات متتالية من الصواريخ باتجاه أهداف إسرائيلية. وتأتي هذه الرشقات ضمن ما وصفته طهران بالرد المستمر على الاعتداءات التي طالت أراضيها، مؤكدة أن العملية تندرج تحت مسمى 'الوعد الصادق 4' التي تستهدف العمق الإسرائيلي بشكل مباشر.

وفي الداخل الإسرائيلي، أكدت مصادر طبية نقل سبعة أشخاص إلى المستشفيات في مدينة إيلات الساحلية لتلقي العلاج جراء سقوط صواريخ إيرانية. وأشارت التقارير الميدانية إلى أن إحدى هذه الإصابات وصفت بالخطيرة، بينما سادت حالة من الهلع في صفوف المستوطنين عقب دوي الانفجارات العنيفة التي هزت المدينة الجنوبية.

وامتدت حالة الاستنفار لتشمل مدينة القدس المحتلة، حيث دوت صفارات الإنذار في أرجاء المدينة والمناطق المحيطة بها، مما دفع السكان للجوء إلى الملاجئ. وأفادت مصادر محلية بسماع دوي انفجارات ضخمة في سماء المدينة ناتجة عن محاولات اعتراض الصواريخ القادمة، فيما سقطت شظايا في مناطق متفرقة.

وفي منطقة تل أبيب الكبرى، رصدت وسائل إعلام سقوط صاروخ في منطقة مفتوحة، مما تسبب في حالة من الإرباك المروري وتوقف الحركة في بعض المرافق. كما تضررت عدة مواقع في وسط إسرائيل جراء الرشقة الصاروخية الأخيرة، حيث سجلت أضرار مادية في البنية التحتية والمباني القريبة من مواقع السقوط.

وعن أسباب تغير تكتيكات القصف، أوضحت مصادر مطلعة أن انخفاض عدد الصواريخ المطلقة في هذه المرحلة لا يعني تراجع القدرات، بل هو نتاج استراتيجية عسكرية محددة. حيث ركزت المرحلة الأولى من الهجمات على تحييد وتدمير رادارات ومنظومات الدفاع الجوي التابعة للقواعد الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.

هذا التحييد المسبق للدفاعات الجوية جعل وصول الصواريخ إلى أهدافها أكثر سهولة وفعالية من ذي قبل، مما قلل الحاجة لإطلاق مئات الصواريخ دفعة واحدة لتشتيت المنظومات. ويرى قادة عسكريون أن عدداً محدوداً من الصواريخ بات كافياً الآن لتحقيق الإصابات المباشرة بعد تراجع كفاءة الاعتراض لدى الجانب الآخر.

وعلى صعيد التطور التقني، بدأت القوات الإيرانية في استخدام الجيلين الثالث والرابع من صواريخها الباليستية، وهي طرازات تتميز بدقة عالية وقدرة تدميرية مضاعفة. وتعتمد هذه الصواريخ على تقنيات حديثة في التوجيه تجعل من الصعب رصدها أو إسقاطها قبل وصولها إلى نقطة الصفر المحددة لها.

وتكمن الخطورة الكبرى في الرؤوس الحربية العنقودية التي تحملها هذه الصواريخ، حيث يزن الرأس الواحد أكثر من طن من المتفجرات. وعند اقتراب الصاروخ من هدفه، ينفجر الرأس الرئيسي ليتشظى إلى أكثر من 80 صاروخاً صغيراً، مما يضمن مساحة تدمير واسعة النطاق ويصعب مهام فرق الإنقاذ والإطفاء.

وفي منطقة الجليل الغربي، استمرت صفارات الإنذار بالعمل لفترات طويلة تحسباً لسقوط صواريخ أو مسيرات انتحارية قد تدخل الأجواء من جبهات مختلفة. وتبقى الأوضاع الميدانية مرشحة لمزيد من التصعيد في ظل استمرار الرشقات الصاروخية الإيرانية وتوعد الاحتلال بالرد على هذه الهجمات غير المسبوقة.

تحليل

السّبت 14 مارس 2026 4:50 مساءً - بتوقيت القدس

مأزق ترامب في الأسبوع الثالث: صمود إيراني وتوسيع لجبهات المواجهة

دخلت الحرب العدوانية التي يشنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران أسبوعها الثالث، وسط ما يمكن وصفه بـ 'المأزق الأمريكي'. حيث يواجه البيت الأبيض استعصاءً في تحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل في الإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية وتحويل البلاد إلى تابع يدور في الفلك الأمريكي والصهيوني.

يرى مراقبون أن ترامب سعى منذ اللحظة الأولى لتكرار السيناريو الفنزويلي في طهران، طمعاً في السيطرة على الثروات الإيرانية وتحييد أكبر قلاع المقاومة في المنطقة. إلا أن هذا المخطط واجه عقبات غير متوقعة نتيجة تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية رغم كثافة النيران الأمريكية المستخدمة.

لقد أحدثت هذه الحرب نوعاً من الإجماع العربي والإسلامي الرافض للعدوان، ليس بالضرورة حباً في النظام الإيراني، بل خوفاً من تداعيات كسر موازين القوى لصالح المشروع الصهيوني. حيث تدرك دول المنطقة أن نجاح ترامب في مسعاه سيهدد الخريطة السياسية والوجودية لجميع دول الجوار بلا استثناء.

بالرغم من استشهاد الإمام علي الخامنئي في الأسبوع الأول من المواجهة، إلا أن إيران أظهرت ثباتاً استراتيجياً فاجأ الدوائر الاستخباراتية الغربية. فقد استوعبت طهران الصدمة العسكرية الأولى وانتقلت سريعاً إلى مرحلة الرد المنظم على المستويات السياسية والعسكرية والشعبية.

شهدت المدن الإيرانية خروج ملايين المواطنين إلى الشوارع في تظاهرات حاشدة أكدت الالتفاف الشعبي حول القيادة الجديدة. هذا الحراك الجماهيري أعطى رسالة واضحة لترامب بأن الحرب لن تكون نزهة قصيرة، بل مواجهة نظامية وشعبية طويلة الأمد لا تقبل الاستسلام.

مع مطلع الأسبوع الثالث، تسلم الإمام مجتبى الخامنئي زمام القيادة، وبدأت إيران بفرض شروط مضادة نقلها الوسطاء إلى الجانب الأمريكي. وتصر القيادة الجديدة على أن أي تفاهم لوقف إطلاق النار يجب أن يكون شاملاً للمنطقة بأسرها، رافضة أي حلول جزئية تتعلق بالداخل الإيراني وحده.

تطورت العمليات العسكرية في الأسبوع الثاني لتأخذ طابعاً إقليمياً منسقاً، تجلى في ليلة القصف المشترك بين الحرس الثوري وحزب الله اللبناني. هذا التنسيق الميداني المباشر أربك الحسابات الأمريكية والصهيونية، وأثبت أن جبهة المقاومة تعمل وفق غرفة عمليات موحدة.

لم يقتصر التصعيد على الجبهة اللبنانية، بل امتد ليشمل دخول الحشد الشعبي العراقي على خط المواجهة بشكل فاعل ومؤثر. هذا التوسع في رقعة الصراع أكد فشل استراتيجية عزل إيران، وحول الحرب إلى استنزاف واسع النطاق يهدد المصالح الأمريكية في عدة دول.

يراهن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على القوة التكنولوجية والجوية الأمريكية لحسم المعركة، لكن الوقائع الميدانية أثبتت محدودية هذا الرهان. فرغم التفوق التقني الهائل، لم تنجح الصواريخ والطائرات في كسر إرادة المقاتلين في الحرس الثوري والباسيج والجيش الإيراني.

يعيش ترامب حالياً حالة من فقدان الأمل في إمكانية تحقيق نصر سريع أو إحداث تغيير جذري في بنية النظام السياسي الإيراني. فالصمود الذي أبدته طهران في الأسبوعين الأول والثاني وضع الإدارة الأمريكية أمام خيارات أحلاها مر، وسط ضغوط دولية متزايدة لوقف التصعيد.

إن الحشود العسكرية التي جمعها ترامب، والتي تعد الأضخم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تنجح في انتزاع استسلام إيراني بلا قيد أو شرط. بل على العكس، أصبحت واشنطن هي من تبحث عن مخارج ديبلوماسية تحفظ ماء وجهها أمام حلفائها وخصومها على حد سواء.

أثبتت التجربة الحالية أن السيطرة الجوية المطلقة لا تعني بالضرورة كسب الحرب على الأرض، خاصة أمام شعوب مستعدة للتضحية. فالجماهير المليونية التي ملأت الساحات شكلت درعاً سياسياً لا يمكن اختراقه بالصواريخ الذكية أو القنابل الارتجاجية.

تترقب العواصم العالمية ما ستسفر عنه الأيام القادمة من الأسبوع الثالث، في ظل تصلب الموقف الإيراني وتوسيع دائرة الاشتباك. ويبدو أن الرهان الأمريكي على 'الصدمة والترويع' قد تآكل أمام واقعية 'حرب الاستنزاف' التي تتقنها القوى الإقليمية المتحالفة مع طهران.

في الختام، يظل 'مأزق ترامب' عنواناً للمرحلة الحالية، حيث وجد نفسه عالقاً في حرب لا أفق واضحاً لنهايتها. وبينما كانت واشنطن تنتظر اتصالاً هاتفياً لطلب الاستسلام، أصبحت تتلقى شروطاً قاسية لإعادة الهدوء إلى المنطقة المشتعلة.

فلسطين

السّبت 14 مارس 2026 4:50 مساءً - بتوقيت القدس

الحرب على إيران وتحولات النظام الدولي: قراءة في أبعاد التصعيد وموقع العرب

في خطوة تصعيدية تعكس تفضيل الخيار العسكري على المسارات الدبلوماسية، اختارت الولايات المتحدة وإسرائيل مهاجمة إيران بالقوة العسكرية للمرة الثانية خلال عام واحد. وجاء هذا الهجوم في توقيت حساس كانت فيه المفاوضات غير المباشرة تقترب من تحقيق اختراق حقيقي بشأن الملف النووي، مما يبعث برسالة مفادها أن الدبلوماسية قد تُجهض عمداً عند اقترابها من الحل.

أكدت مصادر دبلوماسية، نقلاً عن وزير الخارجية العماني الذي تقود بلاده جهود الوساطة أن اتفاقاً وشيكاً كان في متناول اليد قبل ساعات فقط من وقوع القصف. إلا أن الواقع الميداني كشف أن الحسابات الاستراتيجية لواشنطن وتل أبيب تتجاوز التفاهمات التقنية، حيث يسعى نتنياهو منذ عقود لتقويض ما يصفه بالتهديد الإيراني الوجودي.

ترى إسرائيل في تنامي القدرات العسكرية الإيرانية، لا سيما في مجال الصواريخ الباليستية والتكنولوجيا غير التقليدية، خطراً يهدد تفوقها النوعي في المنطقة. وتهدف العمليات العسكرية الأخيرة إلى استنزاف هذه المقدرات ومنع طهران من الوصول إلى حالة ردع متبادلة قد تغير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط بشكل نهائي.

من جانبها، تنظر الإدارة الأمريكية إلى إيران كعقبة رئيسية أمام نفوذها المتراجع في المنطقة، وتحاول عبر الضغط العسكري كبح جماح تحالفاتها المتنامية مع الصين. وتأتي هذه التحركات في ظل سعي واشنطن لإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية بما يضمن استمرار هيمنتها في مواجهة القوى الصاعدة في النظام الدولي الجديد.

على الصعيد الداخلي الإيراني، أثبتت الوقائع أن الضغوط الخارجية غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية لما يخطط له مهندسو الحرب. فقد رصدت مصادر ميدانية حالة من التلاحم المجتمعي الواسع، حيث اصطفت قوى معارضة في الداخل والخارج خلف الدولة في مواجهة الهجمات، مما أضعف الرهانات على انهيار النظام من الداخل.

تراقب موسكو المشهد بحذر واهتمام، حيث يمنحها التصعيد في الشرق الأوسط فرصة لتخفيف الضغوط الغربية المسلطة عليها بسبب الحرب في أوكرانيا. كما أن ارتفاع أسعار النفط والغاز الناتج عن التوترات يوفر شريان حياة للاقتصاد الروسي، رغم مخاوفها من انفجار إقليمي قد يطال مناطق نفوذها في القوقاز.

أما بكين، فيتركز قلقها الأساسي على أمن ممرات الطاقة في الخليج العربي ومضيق هرمز، وهو ما يدفعها لدعم مسارات التهدئة ظاهرياً. ومع ذلك، تشير تقارير إلى استمرار الدعم الصيني النوعي لإيران بتقنيات متطورة تساهم في تعزيز دقة الصواريخ والمسيرات الإيرانية في مواجهة التهديدات الخارجية.

يكشف الصراع الراهن عن تآكل القواعد التي حكمت النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة، حيث أصبح القانون الدولي عاجزاً عن ضبط سلوك القوى الكبرى. وباتت المؤسسات الدولية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية، تتعرض لضغوط وعقوبات أمريكية مباشرة، مما يعزز منطق القوة العسكرية على حساب الشرعية الدولية.

إن امتناع الولايات المتحدة عن دفع مساهماتها المالية للأمم المتحدة، والتي تصل إلى خمس الميزانية العامة، ساهم بشكل مباشر في شلل المنظمات الدولية. هذا الفراغ القانوني والمؤسسي يفسح المجال لبروز نظام عالمي متعدد الأقطاب، لا تستطيع فيه قوة واحدة فرض إرادتها المطلقة على الآخرين.

أظهرت المواجهات الأخيرة قدرة إيرانية على الصمود واستهداف مواقع استراتيجية في العمق الإسرائيلي، بالإضافة إلى تهديد المصالح العسكرية الأمريكية في المنطقة. هذه الاستراتيجية تهدف إلى رفع كلفة الحرب وجعل أي عدوان واسع النطاق مغامرة غير مضمونة النتائج للأطراف المهاجمة.

يجد العالم العربي نفسه اليوم أمام اختبار استراتيجي مفصلي يتطلب تجاوز الانقسامات البينية التي جعلت المنطقة ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى. إن اللحظة الراهنة تفرض على الدول العربية إعادة التفكير في تموضعها بما يضمن لها هامشاً من الاستقلالية في ظل التوازنات العالمية المتغيرة.

يتطلب النجاح في هذا الاختبار تعزيز التنسيق في سياسات الطاقة والاقتصاد، وبناء علاقات متوازنة مع كافة الأقطاب الدولية الصاعدة. فالقدرة على قراءة التحولات الجيوسياسية بواقعية هي السبيل الوحيد لحماية المصالح العربية في عالم يتجه نحو تعددية قطبية لا تعترف إلا بالأقوياء.

إن الحرب على إيران ليست مجرد جولة عسكرية عابرة، بل هي مخاض لنظام دولي جديد تتشكل ملامحه وسط دخان الانفجارات. وفي هذه المرحلة الانتقالية، تتراجع فاعلية القواعد القديمة لصالح توازنات جديدة تعتمد بشكل أساسي على التفوق التكنولوجي والقدرة على الصمود الاستراتيجي.

في الختام، يبقى السؤال الجوهري ليس حول من سيربح المعركة العسكرية فحسب، بل حول طبيعة النظام العالمي الذي سيولد من رحم هذه الأزمات. ومن الضروري أن يحدد العالم العربي موقعه في الجانب الصحيح من التاريخ، مستفيداً من دروس الماضي لبناء مستقبل يحفظ سيادة شعوبه ومقدراتها.

اقتصاد

السّبت 14 مارس 2026 4:49 مساءً - بتوقيت القدس

تراجع قياسي للجنيه المصري والدولار يتخطى حاجز 52 جنيهاً في البنوك

شهدت الأسواق المالية المصرية تراجعاً ملحوظاً في قيمة العملة المحلية، حيث صُنف الجنيه المصري كصاحب الأداء الأضعف بين العملات العالمية خلال تعاملات الأسبوع الماضي. وتأتي هذه التطورات وفقاً لبيانات موقع 'تريدينغ إيكونوميكس' المتخصص في رصد المؤشرات الاقتصادية، مما يعكس ضغوطاً متزايدة على الاقتصاد المحلي وحركة رؤوس الأموال.

وفي مستهل تعاملات اليوم السبت 14 مارس 2026، كشفت البيانات المصرفية عن تجاوز سعر صرف الدولار الأمريكي حاجز 52 جنيهاً في أغلب البنوك العاملة في مصر. وقد سجل البنك المركزي المصري متوسطاً سعرياً بلغ نحو 52.38 جنيهاً لعمليات الشراء و52.48 جنيهاً للبيع، وهو ما يلقي بظلاله على قرارات المستهلكين والمستثمرين في السوق المحلية.

وتفاوتت أسعار الصرف بين المؤسسات المصرفية، حيث سجل مصرف أبوظبي الإسلامي وبنك كريدي أجريكول أعلى سعر للدولار عند مستوى 52.5 جنيهاً للشراء و52.6 جنيهاً للبيع. وفي المرتبة الثانية من حيث الارتفاع، جاء 'ميد بنك' الذي عرض الدولار بسعر 52.49 جنيهاً للشراء و52.59 جنيهاً للبيع، وفقاً لآخر التحديثات اللحظية لشاشات التداول.

على الجانب الآخر، استقر أقل سعر للدولار في البنك المصري لتنمية الصادرات عند مستوى 51.9 جنيهاً للشراء و52 جنيهاً للبيع. كما تقاربت الأسعار في بنكي القاهرة والعربي الإفريقي الدولي، حيث سجلت نحو 51.93 جنيهاً للشراء و52.03 جنيهاً للبيع، مما يظهر فجوة طفيفة في تسعير العملة الصعبة بين البنوك الحكومية والخاصة.

وفي سياق متصل، سجلت بنوك الإسكندرية والإمارات دبي الوطني مستويات سعرية وصلت إلى 52.29 جنيهاً للشراء و52.39 جنيهاً للبيع. بينما استقرت الأسعار في المصرف المتحد وبنك أبوظبي التجاري وبنك البركة عند حدود 52.35 جنيهاً للشراء و52.45 جنيهاً للبيع، مما يشير إلى حالة من الترقب في القطاع المصرفي تجاه تحركات العملة القادمة.

ويرى مراقبون أن هذا التراجع المستمر في قيمة الجنيه يؤثر بشكل مباشر على تكلفة الاستيراد ومعدلات التضخم في البلاد. كما سجلت بنوك أخرى مثل المصري الخليجي والتنمية الصناعية أسعاراً قاربت 51.94 جنيهاً للشراء، في حين استقر سعر الصرف في بنك 'سايب' عند 51.95 جنيهاً للشراء و52.05 جنيهاً للبيع، وسط متابعة دقيقة من الأوساط الاقتصادية.

أحدث الأخبار

السّبت 14 مارس 2026 4:48 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد أمريكي ضد 'سي إن إن': البنتاغون والبيت الأبيض يهاجمان تغطية الحرب مع إيران

شهدت العلاقة بين الإدارة الأمريكية ووسائل الإعلام تصعيداً جديداً، حيث وجه البنتاغون والبيت الأبيض انتقادات لاذعة لشبكة 'سي إن إن' على خلفية تغطيتها لمجريات الحرب مع إيران. وجاء هذا الهجوم في وقت حساس تشهد فيه المنطقة عمليات عسكرية مكثفة، مما يعكس عمق الفجوة بين الخطاب الرسمي والتقارير الصحفية المستقلة.

وخلال مؤتمر صحافي عُقد يوم الجمعة، خصص وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث جانباً من حديثه لمهاجمة الشبكة الإخبارية، مركزاً على تقرير تناول قدرات طهران العسكرية. واعتبر هيغسيث أن ما نشرته الشبكة حول احتمال تقليل واشنطن من قدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز هو أمر يفتقر للمصداقية تماماً.

ووصف الوزير الأمريكي التقرير بأنه 'سخيف بشكل واضح'، مطالباً بظهور ما أسماه 'صحافة وطنية حقيقية' تتماشى مع المصالح القومية في أوقات النزاع. ولم يكتفِ هيغسيث بنقد المحتوى، بل تطرق إلى الجوانب الإدارية للشبكة، معرباً عن أمله في انتقال ملكيتها وإدارتها إلى جهات جديدة في أقرب وقت ممكن.

وأشار هيغسيث في تصريحاته إلى ديفيد إليسون، رئيس شركة 'باراماونت سكاي دانس'، كبديل مرتقب لقيادة الشبكة، معتبراً أن توليه المنصب سيكون خطوة إيجابية. وتأتي هذه التصريحات في ظل استعداد شركة إليسون لإتمام صفقة استحواذ ضخمة على مجموعة 'وارنر براذرز ديسكفري' المالكة للشبكة الإخبارية.

ويرتبط هذا التحول في الملكية بتوازنات سياسية، حيث يعد لاري إليسون، والد ديفيد ومؤسس شركة 'أوراكل'، من الممولين الأساسيين للصفقة ومن الداعمين البارزين للرئيس ترمب. ورغم هذه الروابط، فقد تعهد ديفيد إليسون في وقت سابق بالحفاظ على استقلالية الخط التحريري للشبكة وعدم خضوعها للضغوط السياسية.

من جانبه، دخل البيت الأبيض على خط المواجهة عبر المتحدثة باسمه كارولاين ليفيت، التي استخدمت منصة 'إكس' لوصف تقرير الشبكة بأنه 'مزيّف بنسبة 100%'. وأكدت ليفيت أن الخطط العسكرية لمواجهة أي تهديد في مضيق هرمز موجودة وجاهزة للتنفيذ منذ عقود، وهي جزء أصيل من الاستراتيجية الحالية.

وأوضحت المتحدثة أن سيناريوهات التعامل مع إغلاق الممرات البحرية كانت مدرجة ضمن خطط إدارة ترمب حتى قبل انطلاق العملية العسكرية الواسعة التي تُعرف باسم 'الغضب العارم'. وشددت على أن التشكيك في الجاهزية الأمريكية لا يستند إلى حقائق ميدانية بل يهدف إلى إثارة القلق غير المبرر.

في المقابل، لم تتأخر إدارة 'سي إن إن' في الرد على هذه الاتهامات، حيث أصدر رئيسها التنفيذي مارك تومسون بياناً دافع فيه عن نزاهة العمل الصحفي للشبكة. وأكد تومسون أن الهدف الأساسي يظل دائماً هو نقل الحقيقة للمشاهدين، بغض النظر عن طبيعة الضغوط التي قد تمارسها السلطة التنفيذية.

واختتم تومسون بيانه بالإشارة إلى أن القادة السياسيين يلجؤون عادةً إلى التشكيك في مصداقية الصحافة عندما تطرح أسئلة جوهرية حول قراراتهم المصيرية. وشدد على أن التهديدات والإهانات لن تثني الشبكة عن أداء واجبها المهني في مراقبة السلطة وتقديم المعلومات الدقيقة للجمهور العالمي.

أقلام وأراء

السّبت 14 مارس 2026 4:18 مساءً - بتوقيت القدس

الجزائر بين ذاكرة الانفتاح وتحديات الراهن: دعوة لاستعادة دور النخب والثقافة

تستحضر الذاكرة الجزائرية حقبة كانت فيها البلاد مأوى للحالمين ومنارة للراغبين في التحرر من قيود الاستعمار في القارة الإفريقية. في تلك السنين، كانت الأرض خصبة بالإبداع الأدبي والمسرحي والسينمائي، حيث وصلت السينما الجزائرية إلى منصات التتويج العالمية في مهرجانات 'كان' والأوسكار، ونمت المسارح في القرى النائية كجزء أصيل من الحوار اليومي للمواطنين.

كان الفضاء العام في الماضي يتسع للاختلاف، حيث جهرت الطبقة السياسية بآرائها المعارضة دون وجل، وكانت السجون تقتصر على مرتكبي الجرائم الجنائية والمالية فقط. كما تمتعت المرأة بحرية الحركة في الشوارع دون مضايقات من 'شرطة الأخلاق' أو قيود العادات المتزمتة، مما جعل من الإنسان مسؤولاً عن سلوكه الفعلي لا عن قناعاته الفكرية التي ظلت ملكاً له.

أما اليوم، فتبدو الصورة قد انقلبت بشكل يثير التساؤل، حيث تراجع دور المؤسسات الثقافية وتحولت قاعات السينما إلى هياكل صامتة من الإسمنت والحديد. لقد انحسر فعل القراءة وغابت الحيوية عن المكتبات التي باتت تستضيف أنشطة لا تمت بصلة للكتاب، مما يعكس حالة من اللامبالاة تجاه الفنون التي كانت يوماً ما طينة هذا البلد وهويته الناصعة.

يرى مراقبون أن الانغلاق الداخلي أدى بالشباب إلى الارتماء في أحضان إعلام بديل يبث من الخارج عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب وتيك توك. هذه القنوات، التي يديرها أفراد من بقايا تيارات معينة، تعمل على إحباط الروح المعنوية ونشر أخبار زائفة، مستغلة الفراغ الذي تركه غياب الإعلام الحر والمستقل في الداخل الجزائري.

إن المخرج من هذا المأزق يتطلب شجاعة في مراجعة الذات، والاعتراف بأن الثقافة ليست مجرد ديكور للاجتماعات الرسمية بل هي ركيزة أساسية للعيش الكريم. يجب على السلطة أن تصغي بتمعن للنقد الداخلي البناء، وأن تفتح الأبواب أمام المثقفين الذين تشتتوا بين صمت الداخل ومرارة المهجر، ليعودوا ويتصدروا المشهد كما كان حالهم في العصور الذهبية.

تحتاج الجزائر اليوم إلى مصالحة حقيقية مع أبنائها وانفتاح أكبر على محيطها الإقليمي والدولي لتستعيد دورها التاريخي كنقطة التقاء بين الشرق والغرب. إن الاستمرار في سياسة التغييب الثقافي واستبدال الحوار الحقيقي بضجيج الساسة على شاشات التلفزيون لن يؤدي إلا إلى مزيد من التعتيم على الإخفاقات الواقعية وتأخير خطوات التقدم المنشودة.

في نهاية المطاف، تظل الجزائر تمتلك كافة المؤهلات التي تمكنها من تدارك ما فاتها واستعادة بريقها المفقود إذا ما توفرت الإرادة السياسية للإعلاء من شأن الحرية. إن النظر في مرآة الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو التغيير، حيث يطمح الجزائريون إلى بلد يحترم الفكر ويحتضن الجميع دون تفرقة، ليعود مقصداً للحالمين كما كان دائماً.

فلسطين

السّبت 14 مارس 2026 4:18 مساءً - بتوقيت القدس

لماذا تضع إسرائيل الجماعة الإسلامية في لبنان ضمن بنك أهدافها؟

لم تعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية مقتصرة على مواجهة حزب الله فحسب، بل امتدت لتشمل ملاحقة ممنهجة لكوادر ومراكز الجماعة الإسلامية. وقد تجلى هذا التوجه في الغارات الأخيرة التي استهدفت مقرات الجماعة في مدينة صيدا، بالإضافة إلى سلسلة من الاغتيالات التي طالت قيادات ميدانية بارزة خلال الأشهر القليلة الماضية.

تجاوز التصعيد الإسرائيلي حدود القصف الجوي ليصل إلى العمليات البرية الخاطفة، حيث نفذت قوة خاصة عملية تسلل في قرية الهبارية الحدودية اختطفت خلالها أحد القياديين من منزله. هذه التحركات تشير إلى أن الاحتلال بات ينظر إلى الجماعة كطرف فاعل ومباشر في المواجهة العسكرية الدائرة على الجبهة الشمالية منذ انطلاق حرب الإسناد.

برز اسم 'قوات الفجر'، الجناح العسكري للجماعة الإسلامية، بشكل لافت عقب أحداث السابع من أكتوبر، حيث أعلنت مسؤوليتها عن تنفيذ رشقات صاروخية وعمليات عسكرية ضد مواقع الاحتلال. ورغم أن هذه العمليات قد لا تضاهي من حيث الكثافة ما يقوم به حزب الله، إلا أنها أعادت التنظيم إلى واجهة العمل المقاوم بعد عقود من الانكفاء.

يعود تاريخ تأسيس قوات الفجر إلى عام 1982، إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان، حيث خاضت مواجهات ضارية في مناطق شرق صيدا والجنوب. ومع ذلك، شهد دورها العسكري تراجعاً ملحوظاً بعد اتفاق الطائف عام 1990 وبسط الدولة اللبنانية سيادتها، تزامناً مع صعود قدرات حزب الله العسكرية المدعومة إقليمياً.

تثير التقارير الميدانية تساؤلات حول طبيعة التنسيق العسكري بين الجماعة الإسلامية وحركة حماس، خاصة مع تداخل إعلانات المسؤولية عن بعض العمليات. فقد لوحظ أن كتائب القسام تنعى أحياناً شهداء سقطوا في صفوف الجماعة، مما يوحي بوحدة حال ميدانية تتجاوز مجرد التنسيق السياسي التقليدي.

لم تقتصر الضغوط على الجانب العسكري الإسرائيلي، بل امتدت لتشمل ملاحقة سياسية ودولية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية. ففي يناير الماضي، أدرجت واشنطن الجماعة الإسلامية على قوائم الإرهاب، وفرضت عقوبات مشددة على أمينها العام محمد طقوش، في خطوة تهدف لتجفيف منابع دعم المقاومة.

تُعرف الجماعة الإسلامية نفسها بأنها تنظيم إسلامي سني يمثل امتداداً لفكر الإخوان المسلمين في لبنان، وقد حصلت على ترخيصها الرسمي في منتصف الستينات. ومنذ نشأتها، وضعت القضية الفلسطينية في صلب أدبياتها السياسية، معتبرة إياها القضية المركزية التي لا يمكن التنازل عنها تحت أي ظرف.

تاريخياً، لعبت الجماعة دوراً محورياً في حماية الوجود الفلسطيني في لبنان، خاصة خلال فترة 'حرب المخيمات' في الثمانينات. فقد تصدت لمحاولات حصار المخيمات وقدمت الدعم اللوجستي والعسكري للمقاتلين الفلسطينيين، في مواجهة القوى التي كانت تسعى لتنفيذ أجندات إقليمية تهدف لتصفية الوجود المسلح للفلسطينيين.

ساهمت الجماعة بشكل مباشر في تأسيس 'الرابطة الإسلامية لطلبة فلسطين'، والتي اعتبرت الحاضنة الأولى للعمل الإسلامي الفلسطيني المنظم في لبنان. هذا الدور التأسيسي سبق انطلاق حركة حماس، وشكل جسراً لانتقال العديد من الكوادر اللبنانية والفلسطينية للعمل تحت لواء الحركة لاحقاً ضمن تفاهمات تنظيمية واضحة.

استمرت العلاقة بين الطرفين في التطور، حيث شكلت الجماعة الإسلامية بيئة حاضنة وحليفة لحركة حماس داخل المجتمع اللبناني بتركيبته الطائفية المعقدة. وفي ظل وجود تيارات لبنانية لا تنظر بود للوجود الفلسطيني، وفرت الجماعة غطاءً سياسياً واجتماعياً مهماً لنشاط الحركة في المخيمات وخارجها.

يرى مراقبون أن التحول النوعي في العلاقة بين الجماعة وحماس في السنوات الأخيرة هو ما دفع إسرائيل لتكثيف استهدافها. فالتعاون لم يعد يقتصر على الجوانب الدعوية أو السياسية، بل انتقل إلى مستويات متقدمة من العمل العسكري المشترك وتبادل الخبرات الميدانية في مواجهة الاحتلال.

إن استهداف مراكز الجماعة في صيدا والجنوب يهدف بالدرجة الأولى إلى ردع المكونات اللبنانية 'غير الشيعية' عن الانخراط في المواجهة العسكرية. تسعى إسرائيل من خلال هذه الاغتيالات إلى خلق شرخ داخلي ومنع تشكل جبهة لبنانية موحدة عابرة للطوائف تساند المقاومة الفلسطينية في غزة.

رغم الضربات الموجعة، تؤكد بيانات الجماعة الإسلامية استمرارها في خيار المقاومة والتمسك بمعادلة الدفاع عن لبنان وإسناد الشعب الفلسطيني. وتشدد الجماعة على أن اغتيال القادة لن يثنيها عن أداء واجبها، بل سيزيد من إصرار قواعدها على الانخراط في العمل الميداني ضد الاعتداءات الإسرائيلية.

في الختام، يبدو أن الساحة اللبنانية تتجه نحو مزيد من التعقيد مع دخول فصائل جديدة في مواجهة مباشرة مع الاحتلال. إن ملاحقة الجماعة الإسلامية تعكس قلقاً إسرائيلياً من اتساع رقعة المقاومة، وتحول العلاقة بين القوى الإسلامية اللبنانية والفلسطينية إلى تحالف استراتيجي يهدد أمن الحدود الشمالية للكيان.

تحليل

السّبت 14 مارس 2026 4:18 مساءً - بتوقيت القدس

إغناتيوس: التفوق العسكري الأمريكي لن ينهي الصراع مع إيران قريباً

اعتبر الكاتب والمحلل الأمريكي ديفيد إغناتيوس أن السؤال حول كيفية نهاية الصراع المتأزم في الشرق الأوسط قد لا يجد إجابة شافية في المدى المنظور، خاصة فيما يتعلق بإيران. ورجح في مقال نشرته صحيفة "واشنطن بوست" أن يشهد الصراع تهدئة مؤقتة تشمل وقف إطلاق النار واستئناف حركة الملاحة في مضيق هرمز، إلا أن ذلك لن ينهي جذور المواجهة.

وأشار إغناتيوس إلى أن القوة العسكرية الإيرانية تعرضت لضربات قاصمة دمرت معظم منشآتها النووية وترسانتها الصاروخية وأسطولها البحري، بالإضافة إلى تصفية عدد من كبار القادة. ومع ذلك، يرى الكاتب أن النظام الإيراني لا يزال قائماً وصامداً، حيث تم استبدال القادة الراحلين بآخرين دون ظهور بوادر لانتفاضة شعبية داخلية تطيح بالسلطة.

وتوقع المقال أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب النصر كعادته، مشبهاً هذا الإعلان بالانتصارات الإسرائيلية التكتيكية التي لم تنجح في القضاء النهائي على الخصوم في غزة أو لبنان. وأوضح أن التفوق في القوة النارية لا يعني بالضرورة تحقيق استقرار سياسي، مستشهداً بالتجارب الأمريكية السابقة في أفغانستان وفيتنام.

وحذر إغناتيوس من أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها عالقة في دوامة "جز العشب"، وهو المصطلح الذي يستخدمه الاحتلال الإسرائيلي لوصف العمليات العسكرية المتكررة التي لا تحسم الصراع. وأكد أن التاريخ يثبت أن القصف الاستراتيجي المصمم لكسر إرادة الشعوب غالباً ما يؤدي إلى نتائج عكسية ويزيد من التمسك بالهوية الوطنية والمقاومة.

وفي قراءته لمستقبل القيادة الإيرانية، أشار الكاتب إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولاً نحو "النسخة الثانية" من الجمهورية الإسلامية، حيث يسيطر الحرس الثوري على مفاصل الدولة. ولفت إلى أن اختيار مجتبى خامنئي كخليفة لوالده قد يغذي الرغبة في الانتقام، خاصة وأنه فقد أفراداً من عائلته خلال الحرب الحالية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، لم يستبعد إغناتيوس ظهور شخصيات براغماتية داخل النظام الإيراني تحاول إيجاد قنوات تواصل مع إدارة ترامب لتخفيف الضغوط. لكنه استدرك بأن هذا المسار قد لا يلبي طموحات القوى الشعبية التي كانت تأمل في تغيير جذري للنظام، وهو أمر يراه خبراء الاستخبارات صعب المنال حالياً.

ونقل المقال عن مصادر خليجية ومسؤولين إيرانيين تأكيدات بأن إرادة القتال لدى طهران لم تنكسر بعد، وأن النظام يراهن على عامل الوقت ونقاط ضعف الغرب. وأوضح أن الإيرانيين يراقبون بدقة استطلاعات الرأي الأمريكية التي تظهر تراجع تأييد الحرب، مما يعزز موقفهم في الاستمرار بالمواجهة حتى الاعتراف بمكانتهم.

وتطرق الكاتب إلى المخاطر الإقليمية، مشيراً إلى أن دول الخليج، وخاصة الإمارات، قد تضطر لتعزيز دفاعاتها المستقلة أو فتح قنوات دبلوماسية مباشرة مع طهران. واعتبر أن الاعتماد الكلي على المظلة الأمريكية قد يصبح مكلفاً وغير مضمون في ظل سياسات ترامب التي تميل لتحميل الحلفاء أعباء الحماية المالية.

كما حذر إغناتيوس من احتمالية عودة العمليات المسلحة المرتبطة بالشبكات الإيرانية في الخارج، واصفاً هذا السيناريو بأنه قد يكون أكثر فتكاً من تجارب سابقة شهدها الشرق الأوسط. وأكد أن غياب الحل السياسي الشامل سيجعل من أي انتصار عسكري مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من العنف.

وانتقد المقال بعض التصريحات الصادرة عن مسؤولين في إدارة ترامب، مثل وزير الدفاع بيت هيغسيث، التي تركز على ضرب إيران في لحظة ضعفها دون اعتبار للآثار طويلة الأمد. وأشار إلى أن استهداف المواقع الثقافية أو البنية التحتية المدنية قد يولد غضباً شعبياً دائماً يصعب احتواؤه مستقبلاً.

ويرى إغناتيوس أن الحرب غيرت الواقع الجيوسياسي بشكل جذري، مما يجعل العودة إلى ما قبل المواجهة أمراً مستحيلاً. وأوضح أن الولايات المتحدة ستضطر للبقاء في حالة تأهب دائم في الخليج لضمان حرية الملاحة، وهو ما يتناقض مع رغبة ترامب في تقليص الالتزامات العسكرية الخارجية.

وفي ختام تحليله، استشهد الكاتب بمذكرات كيرميت روزفلت حول انقلاب عام 1953، مؤكداً أن أي تغيير حقيقي في إيران يجب أن ينبع من الداخل وبإرادة الشعب والجيش. ودعا الإدارة الأمريكية للتفكير في كيفية دعم الشعب الإيراني بدلاً من الاعتماد فقط على القوة العسكرية التي أثبتت محدوديتها في تحقيق نصر سياسي ناجز.

وأكدت مصادر مطلعة أن القلق يسود أروقة صنع القرار بشأن التبعات الاقتصادية لاستمرار التوتر في مضيق هرمز، رغم التفوق العسكري الكاسح. وتظل التساؤلات قائمة حول قدرة واشنطن على تحويل إنجازاتها الميدانية إلى اتفاقية سلام مستدامة تضمن أمن المنطقة وتنهي طموحات طهران النووية بشكل نهائي.

ويبقى المشهد الإقليمي مفتوحاً على كافة الاحتمالات، حيث تتداخل الحسابات الانتخابية الأمريكية مع طموحات الحرس الثوري الإيراني في البقاء. وبينما يعلن ترامب النصر، تشير المعطيات على الأرض إلى أن المواجهة قد دخلت فصلاً جديداً من حرب الاستنزاف التي قد تمتد لسنوات طويلة.

عربي ودولي

السّبت 14 مارس 2026 4:18 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد حدودي خطير: باكستان تتهم طالبان الأفغانية بتجاوز 'الخط الأحمر' بعد هجوم بالمسيرات

شهدت العلاقات الباكستانية الأفغانية تصعيداً ميدانياً خطيراً، حيث وجهت إسلام آباد اتهامات مباشرة لحركة طالبان الأفغانية بتجاوز 'الخط الأحمر'. جاء ذلك في أعقاب رصد وإسقاط طائرات مسيرة انطلقت من الأراضي الأفغانية باتجاه عمق الأراضي الباكستانية، مما أثار حالة من الاستنفار الأمني والعسكري الواسع على طول الحدود المشتركة بين البلدين.

وأكد الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري، في تصريحات رسمية يوم السبت أن إطلاق الطائرات المسيرة استهدف بشكل مباشر مناطق مأهولة بالمدنيين، معتبراً هذا السلوك خرقاً فاضحاً للتفاهمات الأمنية. وشدد زرداري على أن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه التهديدات التي تمس سيادة الدولة وسلامة مواطنيها، واصفاً الهجوم بأنه تجاوز لا يمكن السكوت عنه للخطوط الحمراء.

من جانبه، أعلن الجيش الباكستاني عن نجاح منظومات الدفاع الجوي في اعتراض عدد من الطائرات المسيرة التي وصفها بـ 'البدائية' خلال ليلة الجمعة. وأوضح البيان العسكري أن هذه المسيرات كانت تحاول الوصول إلى أهداف استراتيجية وحيوية، من بينها مقر القيادة العامة للجيش في مدينة راولبندي القريبة من العاصمة، إلا أنها سقطت قبل تحقيق أهدافها.

وعلى الصعيد الميداني، تسبب حطام الطائرات التي جرى اعتراضها في وقوع إصابات بين المدنيين، حيث أفادت التقارير الطبية بإصابة طفلين في مدينة كويتا الواقعة جنوب غرب البلاد. كما سجلت السلطات إصابات أخرى في مدينتي كوهات وراولبندي، مما دفع الأجهزة الأمنية إلى رفع درجة الجاهزية القصوى في تلك المناطق للتعامل مع أي طارئ.

وفي خطوة احترازية تعكس خطورة الموقف، قررت السلطات الباكستانية إغلاق المجال الجوي فوق العاصمة إسلام آباد بشكل مؤقت. وجاء هذا القرار بعد رصد تحركات جوية مشبوهة، حيث سعت المصادر الأمنية لضمان سلامة الملاحة الجوية وحماية المنشآت السيادية من أي هجمات محتملة قد تشنها المسيرات المنطلقة من الجانب الأفغاني.

وأشار بيان الجيش إلى أن الهدف من إطلاق هذه المسيرات كان 'مضايقة الشعب الباكستاني' ومحاولة زعزعة الاستقرار الداخلي، مؤكداً أن القوات المسلحة تواصل مراقبة الحدود بدقة. وأضاف البيان أن الطائرات لم تنجح في إصابة أي من الأهداف العسكرية المحددة لها، بفضل سرعة الاستجابة الدفاعية التي منعت وقوع كارثة أكبر في المناطق المستهدفة.

يأتي هذا الهجوم بالمسيرات رداً فيما يبدو على ضربات جوية نفذتها القوات الباكستانية ليل الخميس والجمعة داخل العمق الأفغاني. وذكرت مصادر ميدانية أن الهجمات الباكستانية أسفرت عن مقتل ستة أشخاص، بينهم أربعة في العاصمة كابل واثنان في المناطق الحدودية، وهو ما دفع سلطات طالبان للتوعد برد قاسم ومماثل.

وفي سياق متصل، شدد مكتب الرئاسة الباكستانية عبر منصة 'إكس' على ضرورة التزام الجانب الأفغاني بضبط الحدود ومنع الجماعات المسلحة من استخدام أراضيه. وأكدت الرئاسة أن باكستان لن تتسامح مطلقاً مع أي محاولات لاستهداف المدنيين، مطالبة حكومة كابل باتخاذ إجراءات فعلية لضمان عدم تكرار مثل هذه الاعتداءات التي تهدد السلم الإقليمي.

من جهتها، تواصل حكومة طالبان نفيها القاطع لاستخدام الأراضي الأفغانية كمنطلق للهجمات ضد دول الجوار، مؤكدة أنها تسيطر على كامل أراضيها. وادعت الحركة في بيانات سابقة أنها لا تسمح لأي تنظيمات مسلحة بالتحرك أو التخطيط لعمليات عسكرية تستهدف باكستان، محملة إسلام آباد مسؤولية التصعيد العسكري الأخير في المناطق الحدودية.

وتشير التقارير الدولية إلى تفاقم الأزمة الإنسانية والأمنية في المناطق الحدودية الوعرة، حيث أدت الاشتباكات المتكررة إلى نزوح مئات العائلات وتعطيل حركة التجارة الحيوية. وتعد هذه المواجهات هي الأعنف منذ أسابيع، مما ينذر بتحول الصراع الحدودي إلى مواجهة شاملة إذا لم تنجح الجهود الدبلوماسية في احتواء الموقف المتفجر.

وفي إحصائية مقلقة، كشفت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان (يوناما) عن سقوط ضحايا كثر جراء هذه التوترات، حيث وثقت مقتل 75 مدنياً وإصابة نحو 193 آخرين منذ أواخر فبراير الماضي. وتعكس هذه الأرقام الحجم الكبير للضرر الذي يلحق بالمدنيين على جانبي الحدود نتيجة تبادل القصف والعمليات العسكرية المستمرة بين الطرفين.

عربي ودولي

السّبت 14 مارس 2026 4:18 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي جديد: إنذارات إخلاء لسبعة أحياء في ضاحية بيروت الجنوبية وتفاقم أزمة النزوح

جدد جيش الاحتلال الإسرائيلي تهديداته العسكرية ضد الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث أصدر إنذارات إخلاء عاجلة طالت سبعة أحياء سكنية مكتظة. وشملت هذه التهديدات كلاً من حارة حريك، والغبيري، والليلكي، والحدث، بالإضافة إلى برج البراجنة، وتحويطة الغدير، والشياح، مما أثار حالة من الذعر في صفوف المدنيين.

وزعم المتحدث باسم جيش الاحتلال أن هذه الإجراءات تأتي نتيجة لأنشطة عسكرية يقوم بها حزب الله في تلك المناطق، مدعياً أن الجيش مضطر للتحرك بقوة ضدها. وطالب البيان الإسرائيلي السكان بمغادرة منازلهم فوراً والابتعاد لمسافات آمنة، مع منع العودة إليها حتى صدور تعليمات جديدة.

تأتي هذه التطورات الميدانية لتزيد من تعقيد المشهد الإنساني في لبنان، حيث تتصاعد أعداد النازحين بشكل يفوق قدرة الاستيعاب المحلية. وتواجه السلطات اللبنانية تحديات جسيمة في تأمين المأوى لآلاف العائلات التي فرت من القصف والتهديدات المستمرة في الضاحية والجنوب.

وفي إطار الاستجابة لهذه الأزمة، أفادت مصادر ميدانية بأن الحكومة اللبنانية بدأت بتجهيز وافتتاح نحو 100 مركز إيواء إضافي في مناطق مختلفة. وتهدف هذه الخطوة إلى توفير بدائل سريعة للعائلات التي وجدت نفسها بلا مأوى نتيجة اتساع رقعة الاستهدافات الإسرائيلية.

وتسعى الأجهزة الحكومية جاهدة لإخلاء الساحات العامة والشوارع الرئيسية في بيروت وضواحيها من تجمعات النازحين التي باتت تعيق حركة المرور. وتعتبر هذه المهمة هاجساً أساسياً للسلطات التي تحاول الحفاظ على انسيابية الطرقات الحيوية رغم الازدحام الخانق والظروف الأمنية الصعبة.

وعلى الصعيد الإغاثي، وصفت مصادر مطلعة حجم المساعدات الدولية الواصلة إلى لبنان بأنها لا تزال شحيحة جداً ولا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات. ورغم وصول بعض الشحنات من فرنسا والاتحاد الأوروبي والأردن، إلا أن الفجوة بين الموارد المتاحة والاحتياجات المتزايدة تظل واسعة.

وتترقب الحكومة اللبنانية وصول مساعدات إضافية تم الوعد بها من دول مثل قطر وبلجيكا، في محاولة لتخفيف الضغط عن القطاع الصحي وقطاع الإيواء. ويرى مراقبون أن انشغال المجتمع الدولي بملفات إقليمية أخرى قد ساهم في تراجع الأزمة اللبنانية على سلم الأولويات الدولية.

وكانت الحكومة اللبنانية قد أطلقت نداء استغاثة عاجل للمجتمع الدولي، مطالبة بتوفير دعم مالي فوري لمواجهة تداعيات العدوان المستمر. وجاء هذا النداء خلال لقاءات رفيعة المستوى أكدت فيها الدولة اللبنانية عجزها عن مواجهة الكارثة بمفردها في ظل الانهيار الاقتصادي القائم.

من جانبه، أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن لبنان بحاجة ماسة إلى نحو 350 مليون دولار كتمويل طارئ لمواجهة أزمة النزوح. وأوضح غوتيريش أن هذه المبالغ مخصصة لتأمين المستلزمات الطبية العاجلة للمستشفيات، وتوفير مراكز إيواء مجهزة بالحد الأدنى من مقومات الحياة.

وتتركز الاحتياجات الطبية بشكل أساسي في مناطق جنوب لبنان والضاحية الجنوبية، حيث تعاني المرافق الصحية من ضغط هائل ونقص في الكوادر والمعدات. وتستمر المعاناة الإنسانية في التفاقم مع تحول الطرقات العامة إلى ملاجئ مؤقتة للعائلات التي لم تجد مكاناً في مراكز الإيواء المكتظة.

عربي ودولي

السّبت 14 مارس 2026 4:18 مساءً - بتوقيت القدس

إصابة 5 طائرات عسكرية أمريكية في هجوم صاروخي إيراني على قاعدة بالسعودية

كشفت مصادر صحفية دولية نقلاً عن مسؤولين في واشنطن، عن تعرض خمس طائرات تزويد بالوقود تابعة لسلاح الجو الأمريكي لأضرار متفاوتة أثناء توقفها في قاعدة الأمير سلطان الجوية بمنطقة الخرج. وأوضحت المصادر أن هذه الأضرار نجمت عن هجوم صاروخي نفذته القوات الإيرانية واستهدف القاعدة العسكرية الواقعة قرب العاصمة السعودية الرياض خلال الأيام القليلة الماضية، في إطار التصعيد العسكري المستمر بالمنطقة.

وفي حين رفضت القيادة المركزية الأمريكية تقديم أي تعليق رسمي حول تفاصيل الحادثة، أكد المسؤولون أن الطائرات المستهدفة لم تخرج عن الخدمة بشكل نهائي بل أصيبت بأضرار تستدعي عمليات إصلاح فنية دقيقة. كما طمأنت المصادر إلى عدم وقوع أي ضحايا أو إصابات بشرية بين صفوف الطواقم العسكرية نتيجة هذه الضربة الصاروخية المباشرة التي طالت مرابض الطائرات.

ويرفع هذا الهجوم الأخير حصيلة الخسائر في أسطول طائرات التزويد بالوقود الأمريكي إلى سبع طائرات على الأقل بين مدمرة ومتضررة خلال فترة وجيزة. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من حادثة تصادم مأساوية وقعت يوم الخميس الماضي بين طائرتين من طراز 'بوينغ KC-135'، والتي أسفرت عن تحطم إحداهما ومقتل جميع أفراد طاقمها المكون من ستة عسكريين، وفق ما أعلنته الدفاع الأمريكية.

وتشير التقارير إلى أن الاستهداف الإيراني المتكرر للقواعد والمعدات الأمريكية في المنطقة يأتي كفعل انتقامي رداً على العمليات العسكرية المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف داخل الأراضي الإيرانية. وتعيش القواعد العسكرية في المنطقة حالة من الاستنفار القصوى في ظل تبادل الضربات الصاروخية والجوية التي باتت تهدد أمن المنشآت الحيوية بشكل مباشر.

يُذكر أن قاعدة الأمير سلطان الجوية كانت قد شهدت مطلع شهر آذار/ مارس الجاري هجوماً مماثلاً أدى إلى إصابة جندي أمريكي بجروح خطيرة فارق على إثرها الحياة لاحقاً. وتتزايد المخاوف الدولية من انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة مع استمرار استهداف الأصول العسكرية الاستراتيجية، خاصة طائرات الدعم اللوجستي التي تمثل ركيزة أساسية للعمليات الجوية الأمريكية في الشرق الأوسط.

فلسطين

السّبت 14 مارس 2026 4:03 مساءً - بتوقيت القدس

أسواق الضفة الغربية في قبضة الركود: الحرب والحصار يطفئان بهجة العيد

تجوب عربة البائع المتجول 'أبو شاهين' شوارع مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية، محملة بالخضار الموسمية، لكن صوته الذي اعتاد المارة سماعه لم يلقَ الصدى المعتاد هذا العام. فرغم دخول العشر الأواخر من شهر رمضان واقتراب عيد الفطر، تبدو الحركة التجارية خافتة ومثقلة بهموم الحرب والتوترات الإقليمية التي ألقت بظلالها على سلوك المستهلك الفلسطيني.

يصف أبو شاهين حال الأسواق بـ 'التعيس'، مشيراً إلى أن الخوف من المجهول دفع الكثيرين إلى تقليص إنفاقهم بشكل حاد والاكتفاء بالحد الأدنى من المشتريات. ويرى البائع أن المواطنين باتوا يفضلون الاحتفاظ بالسيولة النقدية بدلاً من التسوق، تحسباً لأي تطورات أمنية أو اقتصادية قد تطرأ في ظل التصعيد المستمر في المنطقة.

من جانبها، تعبر الموظفة الحكومية منى الأغبر عن الضغوط المضاعفة التي تواجهها الأسر الفلسطينية، حيث تزامن موسم العيد مع أزمة رواتب خانقة وتوتر سياسي متصاعد. وأوضحت أن عدم انتظام صرف المستحقات المالية دفعها لإعادة ترتيب أولوياتها، مقتصرة على شراء الضروريات فقط لضمان توفير ملابس العيد لأطفالها الثلاثة.

وتواجه مدينة نابلس، التي تعد مركزاً اقتصادياً حيوياً، حصاراً عسكرياً مشدداً يفرضه الاحتلال الإسرائيلي على مداخلها الرئيسية، مما أدى إلى عزلها عن محيطها من القرى والبلدات. هذا الإغلاق الميداني تسبب في غياب 'القدرة الشرائية الخارجية' التي تعتمد عليها أسواق المدينة بشكل أساسي، خاصة المتسوقين القادمين من الريف ومن فلسطينيي الداخل.

وأكد تجار في المدينة أن إغلاق الحواجز، مثل حاجز بيت فوريك، لعدة أيام متتالية تسبب في شلل تام لبعض القطاعات التجارية. ويرى هؤلاء أن استمرار التضييق على حركة التنقل يشكل العائق الأكبر أمام أي محاولة لانتعاش السوق، خاصة في المواسم التي يفترض أن تشهد ذروة المبيعات السنوية.

وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن السوق الفلسطيني خسر نحو 9 مليارات دولار منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، نتيجة تعطل العمال الممنوعين من الوصول لأماكن عملهم. هذا النزيف المالي أدى إلى انخفاض ملموس في القدرة الشرائية العامة، مما جعل رب الأسرة يوجه إنفاقه المحدود نحو السلع التموينية والوقود فقط.

وفي قطاع الملابس والتجزئة، يتحدث التاجر أيمن المصري عن تكدس البضائع في المخازن نتيجة عزوف المواطنين عن السلع غير الأساسية. وأوضح المصري أن التجار يعيشون حالة من عدم اليقين، حيث تجمدت رؤوس أموالهم في بضائع موسمية قد لا تجد من يشتريها، مما يهدد قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية تجاه الموردين.

ويضيف المصري أن النمط الاستهلاكي تحول بشكل جذري نحو التخزين المنزلي للمواد الغذائية والغاز، خوفاً من انقطاع الإمدادات أو إغلاق المعابر بشكل كامل. هذا التحول خلق فجوة كبيرة في السوق، حيث تعاني قطاعات الرفاهية من ركود حاد، بينما تشهد قطاعات السلع الأساسية ضغطاً كبيراً قد يؤدي لنقص في بعض الأصناف.

من جهته، أوضح ياسين دويكات، الناطق باسم الغرفة التجارية في نابلس أن المدينة شهدت بوادر انتعاش طفيفة قبل رمضان، لكنها تبددت سريعاً مع تصاعد التوترات الإقليمية. وأشار إلى أن غياب المتسوقين من الداخل المحتل، الذين يمثلون ركيزة تجارية هامة، ساهم في تعميق الأزمة المالية التي تعصف بالمحلات التجارية.

ولفت دويكات إلى أن الأزمات المالية المتراكمة، وعلى رأسها احتجاز الاحتلال لأموال المقاصة الفلسطينية التي تقدر بـ 255 مليون دولار شهرياً، تسببت في شح السيولة. هذا الواقع وضع التجار تحت ضغوط مزدوجة، حيث يواجهون تكاليف المخزون المتراكم في ظل غياب تام للحركة الشرائية المعتادة في مثل هذه الأيام.

وفي محاولة لتحريك المياه الراكدة، لجأ العديد من التجار إلى تقديم عروض وتنزيلات ضخمة على الملابس والأحذية والحلويات. ويهدف هؤلاء من خلال هذه الخطوات إلى تحصيل أي قدر من السيولة النقدية لتغطية مصاريفهم التشغيلية، رغم إدراكهم أن الخوف المسيطر على المستهلك أقوى من أي إغراءات سعرية.

وعلى صعيد الأمن الغذائي، أكدت مصادر رسمية في وزارة الاقتصاد أن المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية مثل الطحين والزيت والسكر يكفي لمدة ستة أشهر. ومع ذلك، حذر دويكات من أن التهافت غير المدروس على التخزين قد يخلق أزمات مصطنعة في الأسواق، داعياً المواطنين للشراء وفق الحاجة الفعلية فقط.

وتراقب الأوساط الاقتصادية بقلق تداعيات التوتر في الممرات المائية الدولية، مثل مضيق هرمز، وتأثير ذلك على أسعار السلع عالمياً. ويرى خبراء أن أي ارتفاع في تكاليف الشحن أو أسعار الطاقة العالمية سينعكس حتماً على السوق الفلسطيني المثقل أصلاً بالأزمات، مما قد يؤدي لموجة غلاء جديدة لا ترحم المستهلك.

يبقى المشهد في أسواق الضفة الغربية معلقاً بين آمال التجار بانفراجة قريبة وواقع ميداني وسياسي يزداد تعقيداً. وبينما تستعد العائلات لاستقبال العيد بأقل الإمكانيات، تظل المحلات التجارية ممتلئة بالبضائع وخالية من الزبائن، في صورة تلخص عمق الأزمة الاقتصادية التي خلفتها الحرب والحصار.

تحليل

السّبت 14 مارس 2026 3:48 مساءً - بتوقيت القدس

قانون التاريخ القاسي.. هل بدأت مرحلة سقوط الإمبراطوريات من بوابة غزة؟

يبدو المشهد الدولي الراهن أقرب ما يكون إلى لحظة تحول تاريخي عميقة، حيث تشير الحرب الدائرة في الشرق الأوسط والتوتر المتصاعد بين إسرائيل وأمريكا وإيران إلى مأزق سياسي واستراتيجي واسع النطاق. إن هذه الأحداث لم تعد تُقرأ في إطار موازين القوة العسكرية التقليدية فحسب، بل في سياق تآكل الهيبة السياسية والأخلاقية للقوى التي هيمنت على النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

في الحالة الإسرائيلية، بات واضحاً أن الحرب التي استهدفت ترميم صورة الردع المتآكلة في قطاع غزة قد أدت إلى نتائج عكسية تماماً. فقد انخرطت إسرائيل في دوامة من الأزمات العسكرية والسياسية التي كشفت هشاشة فكرة 'التفوق المطلق'، ووضعت سلوكها تحت مجهر المحاكمة الأخلاقية العالمية للمرة الأولى منذ عقود طويلة.

إن المأساة الإنسانية في غزة لم تعد مجرد خبر عابر، بل تحولت إلى ركيزة أساسية في نقاش دولي واسع حول حدود القوة العسكرية في فرض الوقائع السياسية. هذا المأزق الإسرائيلي يرتبط بشكل عضوي بالمأزق الأمريكي، حيث تجد واشنطن نفسها منجرفة خلف سياسات قصيرة النظر تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية المتماسكة، خاصة في إدارة الصراع مع طهران.

لقد ساهمت سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ولا سيما اندفاعة عهد دونالد ترامب، في دفع المنطقة نحو حافة المواجهة دون تقديم تصور واضح للمآلات النهائية. وبدت القوة الأعظم في العالم وكأنها تتحرك بمنطق رد الفعل لا بمنطق القيادة، مما أدى إلى تآكل 'الهيبة الأخلاقية' التي كانت واشنطن تدعي حمايتها عبر شعارات حقوق الإنسان والقانون الدولي.

هذا التآكل في الهيبة ليس مجرد مسألة دعائية، بل هو عنصر جوهري في استقرار الدول كما أوضح ابن خلدون في نظريته حول قيام وسقوط الدول. فالدولة تبلغ أوج قوتها عندما تتوازن فيها السلطة مع العدالة، أما عندما تتحول القوة إلى أداة للهيمنة المجردة وتفقد قدرتها على تحقيق العدل، فإنها تدخل حتماً في مرحلة الضعف والانحدار التدريجي.

بالانتقال إلى الدور الإيراني، نجد أن طهران استغلت الفراغ الاستراتيجي الذي خلفه الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق لتوسيع نفوذها الإقليمي بشكل غير مسبوق. ومع ذلك، فإن هذا التمدد الذي شمل العراق وسوريا ولبنان واليمن حمل في طياته بذور أزمة طويلة الأمد، كونه ارتبط بشبكات الميليشيات والصراعات الداخلية بدلاً من مشاريع الاستقرار والتنمية.

تواجه إيران اليوم معادلة معقدة تتمثل في نفوذ جغرافي واسع محفوف بأعباء سياسية واقتصادية وأمنية هائلة، وهو ما يجسد مفهوم 'الإفراط الإمبراطوري' الذي صاغه المؤرخ بول كينيدي. هذا المفهوم يصف الحالة التي تتجاوز فيها الدولة قدراتها الاقتصادية والسياسية في إدارة نفوذها الخارجي، مما يؤدي في النهاية إلى استنزاف مواردها الأساسية.

سيسجل التاريخ أن قطاع غزة كان السباق في كسر هيبة الاحتلال الإسرائيلي، ليس فقط عبر الصمود في وجه أطول حرب إبادة، بل من خلال الثبات الأسطوري على الأرض ورفض مخططات التهجير. لقد فضحت غزة صورة الكيان كقوة احتلال غاشمة، وأعادت تعريف الصراع في الوجدان العالمي كقضية عدالة إنسانية في مواجهة آلة قتل عسكرية.

في المقابل، تبرز إيران كأول دولة من العالم النامي تتجرأ على مواجهة الولايات المتحدة وجهاً لوجه، مستفيدة من الأخطاء الاستراتيجية للقوى الكبرى. إن هذه المواجهة لم تعد مجرد صراع إقليمي محدود، بل أصبحت انعكاساً لمعركة أوسع على الهيبة والشرعية في نظام دولي يمر بمرحلة مخاض عسيرة وتغيرات جذرية في موازين القوى.

بينما تتغير هذه الموازين الدولية، يبدو النظام العربي الرسمي في حالة من العجز والجمود، غير قادر على صياغة موقف موحد أو التأثير في التحولات العاصفة. إن الانقسام العربي الراهن يجعل المنطقة أسيرة لسياسات القوى الإقليمية والدولية، وكأن القرار العربي الرسمي بات خارج الزمن التاريخي الذي تتحرك فيه بقية الأمم.

إن صوت الضحايا يظل دائماً أبلغ من البيانات السياسية، فمأساة الطفل السوري في مياه المتوسط ووجوه أطفال غزة الذين يواجهون الجوع والقصف هي شهادات حية على فشل النظام الدولي. هذه التجاوزات الأخلاقية والدماء التي أريقت بلا سبب تسجل في سجل التاريخ، ولن تمر دون ثمن يدفعه كل طرف حسب دوره ومسؤوليته.

إن الدرس المؤلم الذي تقدمه الأحداث الجارية هو أن القوة بلا عدالة، والسلطة بلا رحمة، تمهد الطريق سريعاً نحو الانهيار الشامل. فالإمبراطوريات مهما بلغت من العظمة تظل رهينة لمنظومتها الأخلاقية وعلاقتها بالإنسانية، والتاريخ لا يغفر لمن خذل العدالة أو استثمر في معاناة الشعوب لتحقيق مكاسب سياسية زائلة.

الحساب التاريخي آتٍ لا محالة لكل من ساهم في تقويض قيم الكرامة الإنسانية، حيث يثبت الواقع أن تآكل الشرعية هو المقدمة الفعلية لسقوط القوى العظمى. إن ما يحدث في غزة والمنطقة اليوم ليس مجرد جولة صراع، بل هو إعادة كتابة لقواعد الاشتباك الأخلاقي والسياسي التي ستحكم العالم في العقود القادمة.

في نهاية المطاف، يبقى الإنسان المتمسك بحقه هو المحرك الحقيقي للتاريخ، بينما تتلاشى القوى التي تعتمد على البطش المجرد. إن صمود المستضعفين في وجه آلات الحرب المتطورة يرسل رسالة واضحة بأن زمن الهيمنة المطلقة قد ولى، وأن فجراً جديداً من توازن القوى قد بدأ يتشكل من وسط الركام والدمار.

فلسطين

السّبت 14 مارس 2026 3:48 مساءً - بتوقيت القدس

7 شهداء خلال يومين.. عاصفة رملية تضاعف مأساة النازحين في قطاع غزة

تصاعدت حدة المعاناة الإنسانية في قطاع غزة اليوم السبت، حيث امتزجت دماء الشهداء بغبار العواصف الرملية التي اجتاحت خيام النازحين. وأفادت مصادر طبية وميدانية باستشهاد مواطنة فلسطينية برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي في مخيم المغازي، بالتزامن مع إصابة طفلين بجروح متفاوتة إثر انهيار جدار في مدينة خانيونس نتيجة الرياح العاتية التي تضرب المنطقة.

وفي تفاصيل الاعتداءات الميدانية، ذكرت مصادر أن آليات الاحتلال المتمركزة في المناطق الشرقية لمخيم المغازي أطلقت الرصاص الحي بشكل مباشر تجاه المواطنة من عائلة أبو شوارب، مما أدى إلى ارتقائها على الفور. وتأتي هذه الحادثة في سياق سلسلة من الانتهاكات المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي بدأ سريانه في أكتوبر الماضي.

وكشفت الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة في غزة أن المستشفيات استقبلت خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية سبعة شهداء و13 جريحاً. وبهذه الحصيلة الجديدة، يرتفع عدد ضحايا الخروقات الإسرائيلية منذ بدء التهدئة إلى 659 شهيداً وأكثر من 1700 مصاب، مما يثير تساؤلات حول جدية الالتزام بالاتفاقات المبرمة.

وعلى صعيد الحصيلة الإجمالية للعدوان منذ أكتوبر 2023، أكدت الوزارة أن عدد الشهداء المسجلين رسمياً وصل إلى 72 ألفاً و234 شهيداً، بينما تجاوز عدد المصابين حاجز 171 ألفاً. وأشارت الطواقم الطبية إلى أن عمليات البحث تحت الأنقاض لا تزال مستمرة، حيث تم انتشال 756 جثماناً منذ توقف العمليات العسكرية الكبرى.

وبعيداً عن الرصاص، واجه النازحون في القطاع تحدياً مناخياً قاسياً مع هبوب عاصفة رملية كثيفة غطت السماء بلون برتقالي داكن. وأدت هذه العاصفة إلى انعدام شبه كامل للرؤية الأفقية، وتسببت في تسلل الأتربة والغبار إلى داخل الخيام المهترئة التي تأوي مئات آلاف العائلات في مناطق النزوح المفتوحة.

وحاول السكان في مختلف مناطق الإيواء تثبيت خيامهم باستخدام الحبال والحجارة الثقيلة خشية اقتلاعها بفعل الرياح القوية. وتعيش آلاف الأسر، التي تضم أطفالاً ومرضى وجرحى، في ظروف تفتقر لأدنى مقومات الحماية من التقلبات الجوية، مما فاقم من تدهور الحالة الصحية للمصابين بأمراض الجهاز التنفسي.

من جانبه، صرح المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا، بأن العاصفة الرملية ألحقت أضراراً جسيمة بممتلكات السكان وخيامهم، لا سيما في مراكز الإيواء الواقعة على امتداد الساحل. وأوضح مهنا أن استمرار هذه الظروف الجوية في ظل انعدام البنية التحتية يضع حياة الآلاف على المحك، مطالباً بتدخل دولي فوري لتوفير مساكن بديلة.

ووجه مهنا نداءً عاجلاً إلى المجتمع الدولي والمنظمات الإغاثية للضغط من أجل إدخال المساعدات الإنسانية والمساكن المتنقلة (الكرفانات). وأكد أن الحلول المؤقتة المتمثلة في الخيام القماشية لم تعد تجدي نفعاً أمام توالي المنخفضات الجوية والعواصف الرملية التي تضرب القطاع المنكوب بشكل متكرر.

وفي سياق الإجراءات الوقائية، أصدرت المديرية العامة للدفاع المدني في غزة جملة من التوصيات للسكان للتعامل مع موجة الغبار. ودعت المديرية المواطنين إلى تجنب الخروج من الخيام إلا للضرورة القصوى، مع التشديد على ارتداء الكمامات أو استخدام قطع قماش مبللة لتغطية الأنف لتفادي حالات الاختناق.

وتشير التقديرات الأممية والمحلية إلى أن نحو 1.9 مليون فلسطيني باتوا في عداد النازحين قسراً داخل قطاع غزة من أصل 2.4 مليون نسمة. ويعاني هؤلاء من فقدان المأوى الدائم بعد تدمير مساحات شاسعة من الأحياء السكنية، مما جعلهم عرضة للاستهداف المباشر أو للموت بظروف بيئية وصحية قاسية.

ورغم الهدوء النسبي الذي يفترض أن يوفره اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى استمرار العمليات العدائية الإسرائيلية. وتتنوع هذه الخروقات بين القصف المدفعي المتقطع وإطلاق النار على المزارعين والنازحين، مما يجعل العودة إلى الحياة الطبيعية أمراً بعيد المنال في ظل الحصار المطبق.

اسرائيليات

السّبت 14 مارس 2026 2:48 مساءً - بتوقيت القدس

عقيدة 'الحملة الصليبية' في البنتاغون: كيف يرى وزير الدفاع الأمريكي العالم الإسلامي؟

أثار وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث موجة واسعة من الجدل في الأوساط السياسية والدولية، عقب تصريحاته التي ربطت بشكل مباشر بين العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران وبين خطاب ديني عقائدي. وأكد هيغسيث في مقابلات إعلامية أن القوات المسلحة الأمريكية لا تقاتل بقدراتها التقنية فحسب، بل هي مدعومة بـ 'عناية الله'، محذراً من أن التشكيك في عزم واشنطن هو خطأ استراتيجي يرتكبه الخصوم.

ويرى مراقبون أن هذا النوع من الخطاب يعزز الانطباع السائد في العالم الإسلامي بأن الولايات المتحدة تخوض 'حرباً دينية' تحت غطاء سياسي وعسكري. وخلال ظهوره الأخير، شدد الوزير على تفوق المقاتل الأمريكي ليس فقط في العتاد، بل في الإرادة والارتباط الروحي، معتبراً أن المواجهة الحالية هي صراع ضد 'متطرفين' يسعون لتحقيق نبوءات دينية تدميرية.

ولم يكتفِ هيغسيث بالتصريحات الشفهية، بل نقل هذا النفس الديني إلى أروقة البنتاغون، حيث استشهد بآيات من 'المزامير' خلال مراسم رسمية لنقل رفات الجنود. وتحدث الوزير عن الرب باعتباره 'الصخرة' التي تدرب أيدي الجنود على القتال وأصابعهم على خوض الحروب، مما يعكس تداخلاً عميقاً بين معتقداته الشخصية ومهامه الرسمية كقائد لأقوى جيش في العالم.

وتستند رؤية هيغسيث إلى قناعة راسخة بأن الولايات المتحدة أمة مسيحية في جوهرها وتكوينها التاريخي، وهو ما يسعى للحفاظ عليه وتكريسه داخل المؤسسة العسكرية. ويرى الوزير أن 'ترسانة الإيمان' لا تقل أهمية عن 'ترسانة الحرية'، داعياً إلى استعادة الهوية الدينية التي يرى أنها تعرضت للتهميش لصالح اللغة العلمانية في العقود الأخيرة.

وتظهر الرموز التي يختارها الوزير عمق تأثره بتاريخ الحروب الصليبية، حيث يحمل أوشاماً لـ 'صليب القدس' وعبارات لاتينية كانت شعاراً للمقاتلين الأوروبيين في القرون الوسطى. هذه الرموز، بحسب تحليلات لمصادر إعلامية دولية، ليست مجرد زينة، بل تعبر عن فلسفة 'الله يريد ذلك' التي يتبناها في مواجهة ما يصفه بالتهديدات الوجودية.

وفي كتابه 'الحملة الصليبية الأمريكية'، يذهب هيغسيث إلى أبعد من ذلك، واصفاً المرحلة الحالية بأنها 'لحظة صليبية' تتطلب استنفاراً مسيحياً يشبه ما حدث قبل ألف عام. ويحذر الكتاب من خطر 'الإسلاميين' الذين يسعون لإعادة تشكيل المجتمعات، مؤكداً ضرورة المواجهة العسكرية والثقافية والجغرافية لدفع هذا المد إلى التراجع.

ويتبنى الوزير موقفاً متشدداً تجاه مفهوم 'الإسلام دين سلام'، معتبراً إياه 'وهماً' يعيق المهمة الأمريكية في حماية قيمها ومصالحها. ويزعم في مؤلفاته أن الإسلام في حالة حرب دائمة مع من يصفهم بـ 'الكفار' منذ تأسيسه، وهي رؤية تصادمية تثير مخاوف من تحويل الصراعات السياسية إلى حروب عقائدية لا تقبل الحلول الوسط.

وعلى صعيد السياسة الخارجية، يبرز دعم هيغسيث المطلق للاحتلال الإسرائيلي كجزء من عقيدته 'الصهيونية المسيحية'. فهو يرى في قوة إسرائيل ودفاعها الوجودي جزءاً من نبوءات الكتاب المقدس، معتبراً أن التحالف بين واشنطن وتل أبيب هو تحالف ديني وأخلاقي يتجاوز المصالح الجيوسياسية التقليدية.

وداخل وزارة الدفاع، أطلق الوزير مبادرات تهدف إلى تعزيز دور القساوسة العسكريين وتعديل أدلتهم الإرشادية لتشمل لغة دينية أكثر صراحة. كما بدأ بتنظيم صلوات شهرية في البنتاغون واستضافة شخصيات دينية تدعو إلى 'القومية المسيحية'، مما أثار قلق المنظمات المدافعة عن الحريات الدينية داخل الجيش.

وأفادت مصادر حقوقية عسكرية بأنها تلقت شكاوى عديدة حول تحول الخطاب داخل الوحدات القتالية إلى لغة مرتبطة بـ 'نهاية الزمان'. ويحذر خبراء من أن هذا التوجه يوفر مادة دعائية دسمة للجماعات المتطرفة في العالم الإسلامي، حيث يصور الصراع كحملة صليبية جديدة تستهدف الدول المسلمة بشكل مباشر.

وتشير أبحاث أكاديمية إلى أن أفكار هيغسيث تمثل مزيجاً بين 'القومية المسيحية' و'الاستثنائية الأمريكية'، وهي رؤية ترتب العالم في هرمية تضع المسيحيين في القمة. هذا التفكير يجعل من الصراع مع دول مثل إيران معركة قيم ومعتقدات، وليس مجرد نزاع على النفوذ الإقليمي أو البرنامج النووي.

ورغم الانتقادات، يبدو أن هيغسيث يحظى بدعم من قاعدة شعبية واسعة تؤمن بأن الولايات المتحدة يجب أن تعود إلى جذورها الدينية لمواجهة التحديات العالمية. ويرى هؤلاء أن 'التسامح' في نظر الوزير قد يعني 'الاستسلام'، وهو ما يرفضه تماماً في سياق إدارته لملفات الدفاع والأمن القومي.

وتعكس محاولات الوزير للتوفيق بين تعاليم السلام المسيحية ودعواته للمواجهة العسكرية، طبيعة المرحلة التي تمر بها الإدارة الأمريكية الحالية. فهو يرى أن وصايا 'إدارة الخد الآخر' لا تنطبق على وزير دفاع مكلف بحماية أمة في حالة صراع، مما يشرعن استخدام القوة المفرطة تحت غطاء ديني.

ختاماً، يمثل بيت هيغسيث نموذجاً جديداً من القيادات الأمريكية التي لا تخفي أجندتها الأيديولوجية، مما يضع العلاقات الأمريكية مع العالم الإسلامي في اختبار حقيقي. ومع استمرار الحرب العسكرية والسياسية، يبقى السؤال حول مدى تأثير هذه الرؤية 'الصليبية' على استقرار المنطقة ومستقبل التحالفات الدولية.

تحليل

السّبت 14 مارس 2026 2:43 مساءً - بتوقيت القدس

تزايد التكهنات باجتياح بري إسرائيلي للبنان وسط تصاعد الحرب الإقليمية

واشنطن – سعيد عريقات – 14/3/2026

تحليل إخباري

تتصاعد في الأسابيع الأخيرة التكهنات حول احتمال إقدام إسرائيل على شن غزو بري واسع داخل الأراضي اللبنانية في خطوة قد تمثل أخطر توسع للحرب الجارية في المنطقة منذ اندلاع المواجهة مع إيران أواخر شباط الماضي. فالتقارير الإعلامية الأميركية والإسرائيلية تشير إلى استعدادات عسكرية متسارعة على الحدود الشمالية لإسرائيل بينما تتزايد التحذيرات الدبلوماسية من أن أي عملية برية كبيرة قد تدفع المنطقة إلى مرحلة جديدة من التصعيد يصعب احتواؤها سياسياً أو عسكرياً خصوصاً في ظل التوتر المتزايد بين طهران وواشنطن وحلفائهما في الشرق الأوسط حالياً جداً.

وبحسب ما نقله موقع أكسيوس الإخباري الأميركي يوم السبت عن مسؤولين إسرائيليين وأميركيين فإن الخطة التي تبحثها تل أبيب تقوم على توسيع العمليات البرية بهدف السيطرة على المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني ودفع مقاتلي حزب الله شمالاً بعيداً عن الحدود الإسرائيلية إضافة إلى تدمير البنية العسكرية للحزب في القرى الجنوبية. ويقول مسؤول إسرائيلي إن الحكومة برئاسة بنيامين نتنياهو كانت تميل إلى احتواء المواجهة للتركيز على الجبهة الإيرانية لكن إطلاق أكثر من مئتي صاروخ من لبنان غيّر الحسابات ودفع القيادة العسكرية إلى دراسة خيار الاجتياح البري الواسع المحتمل.

وتشير تقارير ميدانية إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي أبقى منذ اندلاع الحرب مع إيران وحدات مدرعة وقوات مشاة كبيرة قرب الحدود اللبنانية كما نفذ خلال الأسابيع الماضية عمليات توغل محدودة داخل بعض القرى الحدودية. وفي يوم الجمعة أعلن جيش الاحتلال إرسال تعزيزات إضافية واستدعاء قوات احتياط تمهيداً لعملية أوسع. ويقول مسؤولون إن الهدف المباشر يتمثل في السيطرة على الأرض وتفكيك مواقع حزب الله ومستودعات أسلحته، غير أن مراقبين يحذرون من أن مثل هذه العملية قد تتحول سريعاً إلى حرب استنزاف طويلة داخل القرى والبلدات الجنوبية المكتظة بالسكان.

في المقابل يؤكد حزب الله أنه مستعد لمواجهة أي اجتياح بري محتمل. فقد قال القيادي نعيم قاسم إن التهديدات الإسرائيلية لا تخيف الحزب بل قد تتحول إلى فخ عسكري للقوات المهاجمة. ويستند هذا الموقف إلى تجربة الصراع الطويل مع إسرائيل حيث تمكن الحزب سابقاً من إجبار الجيش الإسرائيلي على الانسحاب من جنوب لبنان بعد سنوات من القتال، كما خاض مواجهة قاسية في حرب عام 2006، وهو ما يدفع قادته إلى الاعتقاد بأن أي توغل بري جديد سيواجه مقاومة عنيفة وطويلة داخل البيئة المحلية للحزب هناك.

إنسانياً تبدو الكلفة مرشحة للارتفاع بسرعة. فقد أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي أوامر إخلاء واسعة في جنوب لبنان شملت للمرة الأولى بلدات تقع شمال نهر الليطاني إضافة إلى مناطق في الضاحية الجنوبية لبيروت. وتفيد تقديرات لبنانية بأن نحو ثمانمئة ألف شخص اضطروا إلى النزوح من منازلهم بينما تجاوز عدد القتلى سبعمئة شخص كثير منهم مدنيون. وقد حذرت منظمات إنسانية من أن اتساع العمليات البرية قد يفاقم الأزمة الإنسانية في بلد يعاني أصلاً من انهيار اقتصادي حاد وضعف في البنية الصحية والخدمات الأساسية منذ سنوات طويلة جداً بالفعل.

سياسياً تؤكد مصادر أميركية أن إدارة ترمب طلبت من إسرائيل تجنب استهداف مطار بيروت أو منشآت حكومية رئيسية، غير أن هذه الضوابط لا تغير كثيراً في حقيقة الدعم الأميركي الواسع للعملية العسكرية. إذ نقل موقع أكسيوس عن مسؤول إسرائيلي قوله إن تل أبيب تشعر بأنها تحظى بدعم أميركي كامل. وتراهن واشنطن في الوقت نفسه على أن تقود الضغوط العسكرية إلى مفاوضات أوسع قد تفضي في نهاية المطاف إلى اتفاق ينهي رسمياً حالة الحرب القائمة بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1948 وحتى اليوم نظرياً على الأقل.

غير أن تطورات الحرب الإقليمية تجعل هذه الحسابات شديدة التعقيد. فقد تصاعدت المواجهة بعد اغتيال المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي في هجوم أميركي إسرائيلي مشترك، وهو حدث دفع طهران وحلفاءها إلى توسيع الرد العسكري عبر جبهات متعددة من بينها لبنان والعراق والخليج. كما حذّر خبراء أمميون من أن الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران ولبنان قد تشكل انتهاكاً للقانون الدولي وتنذر بتوسّع الصراع ليشمل المنطقة بأكملها خصوصاً مع تهديد طرق الطاقة في الخليج ومضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من نفط العالم اليوم تقريباً.

ويكشف الحديث المتزايد عن غزو بري إسرائيلي محتمل للبنان عن معضلة إستراتيجية قديمة تواجه تل أبيب كلما فكرت في التوغل داخل الأراضي اللبنانية. فالتجربة التاريخية منذ اجتياح 1982 وحتى حرب 2006 تظهر أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة تحقيق الاستقرار السياسي أو الأمني، بل غالباً ما تتحول الأراضي المحتلة إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد، وهو ما يدركه المخططون العسكريون الإسرائيليون جيداً. لكن الحسابات السياسية الداخلية وحسابات الردع الإقليمي تدفع القيادة الإسرائيلية أحياناً إلى المجازفة بعمليات واسعة رغم الكلفة البشرية والعسكرية المتوقعة في مثل هذا السيناريو.

ويرى مراقبون أن موقف إدارة ترمب يعكس نمطاً تقليدياً في السياسة الأميركية يقوم على منح إسرائيل هامشاً واسعاً من حرية الحركة العسكرية مع الاكتفاء ببعض الضوابط الشكلية المتعلقة بالبنية التحتية أو المدنيين. غير أن هذا الدعم السياسي والعسكري يضع وتجد واشنطن نفسها عملياً في موقع الشريك في أي تصعيد محتمل، خصوصاً إذا تحول الغزو البري إلى مواجهة إقليمية أوسع مع إيران وحلفائها. وعندها قد تجد الإدارة الأميركية نفسها أمام معادلة صعبة تجمع بين حماية حليفها الإسرائيلي وتجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة في الشرق الأوسط قد تتجاوز حساباتها.

ولا يمكن فصل التصعيد الجاري على الجبهة اللبنانية عن الحرب الأوسع الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. فاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي شكّل نقطة تحول استراتيجية دفعت حلفاء طهران في المنطقة إلى الانخراط المباشر في المواجهة. ومن هنا يصبح لبنان ساحة مركزية في هذا الصراع المتشعب حيث يتداخل المحلي بالإقليمي والدولي. ومع استمرار الضربات المتبادلة يزداد خطر توسع الحرب بما يتجاوز حدود لبنان وإسرائيل ليهدد طرق الطاقة العالمية والاستقرار الإقليمي ويضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين الاستراتيجي الطويل.

 


أقلام وأراء

السّبت 14 مارس 2026 2:35 مساءً - بتوقيت القدس

جدل زكاة الفطر: بين المقاصد الشرعية ومعارك التصنيف الموسمي

مع اقتراب نهاية شهر رمضان المبارك، تبرز من جديد قضية زكاة الفطر لتتصدر النقاشات العامة، حيث يتجدد التساؤل التقليدي حول أفضيلة إخراجها صاعاً من حبوب أو قيمتها نقداً. هذا الجدل الذي يطفو على السطح سنوياً بات يعكس حالة من الانقسام الفكري الذي يلقي بظلاله على واقع المجتمعات المثقلة بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

يرى مراقبون أن بعض الأطراف تستغل هذه المواسم الفقهية لممارسة نوع من التصنيف الديني، حيث يتم رفع فئات فوق أخرى بناءً على اختيارات فقهية في مسائل فرعية تحتمل الاجتهاد. ويتحول المشهد إلى ما يشبه المهرجان الخطابي الذي تُحشد فيه الآثار وتُكدس الأقوال لاستعراض القدرة على النقل من بطون الكتب والمصادر الرقمية.

إن المسلم البسيط الذي يسعى لتأدية فريضته يجد نفسه حائراً وسط هذا الضجيج الإعلامي والفقهي، بينما الهدف الأساسي هو تحقيق مقصد العبادة. فالغاية من زكاة الفطر تكمن في تطهير الصيام مما قد يشوبه من نقص، وإغناء الفقراء والمحتاجين عن السؤال في يوم العيد، وإدخال السرور إلى قلوبهم.

تاريخياً، استقر شأن هذه المسألة في المدونة الفقهية منذ قرون طويلة بعد عمليات بحث وتمحيص دقيقة من كبار العلماء. فقد فرض النبي ﷺ هذه الزكاة بما كان متاحاً ومستخدماً في حياة الناس آنذاك، مما يفتح الباب لفهم مرونة التشريع ومراعاته لحاجات المجتمع المتغيرة.

الصحابة الكرام أدوا هذه الفريضة بما تيسر لديهم من قوت أو مال أو ما تقوم به حاجة الفقير في زمانهم دون تضييق. وظل الخلاف الفقهي في هذه المسألة يتداوله العلماء كغيره من مسائل الفروع، دون أن يؤدي ذلك إلى تضليل المخالف أو تقديس الموافق في الرأي.

لم يشغل السلف الصالح عامة الناس بهذه الجزئيَّات الدقيقة، ولم يجعلوها معارك موسمية تستنزف طاقات الأمة وتفرق شملها. بل كان الاحترام المتبادل هو السائد، مع التركيز على جوهر العبادة وروح الشريعة التي تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم.

إلا أن الواقع المعاصر شهد بروز فئات تظن أنها تملك وكالة حصرية لفهم السنة النبوية وتفسير النصوص الشرعية. هذه المجموعات تحاول حصر الدين الواسع في رؤى ضيقة، وتعتبر أن الفهم الصحيح لا يستقر إلا عندها وعند شيوخها الذين تتبعهم بتقليد أعمى.

لقد أدى هذا النهج الإقصائي إلى حصر العلم والفقاهة في ميزان محدد، فصار القول ما قالوه والرأي ما رأوه فقط. وبناءً على ذلك، يتم تصنيف الآخرين إما كجهلة يحتاجون للتعليم، أو مبتدعين يجب هجرهم، أو منحرفين ينبغي تشويه صورتهم أمام العامة.

هذه المعارك الفارغة والجدال العقيم تسببت في إهدار طاقات الشباب وتأجيج عواطفهم في قضايا لا تبني ديناً ولا تصلح دنيا. وبدلاً من التركيز على قضايا الأمة الكبرى، يتم الانشغال بتفاصيل فقهية أشبعها العلماء بحثاً منذ مئات السنين.

الدعوة الموجهة للجميع هي التقرب إلى الله بزكاة الفطر سواء كانت حبوباً أو نقوداً، فكلاهما يحقق المقصد الشرعي. المهم هو إخلاص النية لله تعالى والحرص على أن تصل هذه الصدقة لمستحقيها في الوقت المناسب لسد حاجتهم.

يجب على المتصدرين للمشهد الديني ألا يشغلوا العوام بتعقيدات المذاهب، وألا يلزموا السائلين باجتهادات شخصية ضيقة. فالفقير لا ينبغي أن يكون طرفاً في معارك فقهية أو فكرية، بل هو صاحب حق يجب أن يُؤدى إليه بكرامة واحترام.

إن التحذير النبوي من البغضاء يظل قائماً، فهي 'الحالقة' التي لا تحلق الشعر بل تحلق الدين وتدمر الروابط الاجتماعية. فإذا لم يستطع البعض تجاوز الخلاف، فعليهم على الأقل الحذر من الوقوع في كراهية الآخرين بسبب اجتهاداتهم.

ختاماً، يبقى جوهر الإسلام قائماً على السعة واليسر، وزكاة الفطر هي شعيرة للتكافل الاجتماعي قبل أن تكون مادة للنزاع. إن الحفاظ على وحدة الصف وسلامة القلوب هو الفريضة الغائبة التي يجب أن تسبق كل نقاش حول شكل الصدقة ونوعها.

إن العودة إلى مقاصد الشريعة السمحة كفيلة بإنهاء هذا الجدل الموسمي، وتوجيه الجهود نحو ما ينفع الناس ويمكث في الأرض. فالدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، والرفق ما كان في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه.

أقلام وأراء

السّبت 14 مارس 2026 2:35 مساءً - بتوقيت القدس

أوهام 'زلوط' السياسية: قراءة في طموحات التحالف الصهيوني الأمريكي تجاه إيران

تبرز في الثقافة الشعبية السودانية أسطورة الديك 'زلوط'، ذلك الكائن الهزيل الذي كان يغرق في أحلام اليقظة حول القوة والسيادة، لينتهي به المطاف دائماً بخسارة ما تبقى من ريشه. هذه الرمزية تبدو اليوم حاضرة بقوة عند قراءة المشهد السياسي في الشرق الأوسط، حيث يندفع التحالف الصهيوني الأمريكي نحو مغامرات عسكرية غير محسومة النتائج، محولاً الرغبات السياسية إلى أحلام تصطدم بصخرة الواقع المعقد.

يقف الرأي العام العربي والإسلامي اليوم في حالة انقسام تجاه المواجهة الحالية؛ فبينما يجد البعض صعوبة في التعاطف مع الأطراف المتصارعة نظراً لسجلاتها التاريخية، يرى آخرون أن الاعتداء الغاشم الذي يقوده الثنائي نتنياهو وترامب يتجاوز الخلافات السياسية ليصبح تهديداً وجودياً للمنطقة برمتها. إن هذا التحالف، الذي يوصف بأنه يقود سياسات 'عمى الألوان'، يغامر بإشعال حرائق مدمرة بذرائع قد لا تصمد أمام الاختبار الأخلاقي أو الاستراتيجي.

لقد نجحت إيران، رغم كونها المستهدفة في هذه الحرب، في صنع عداوات واسعة عبر عقود من السياسات الإقليمية المثيرة للجدل. ومع ذلك، فإن الموقف الأخلاقي السليم يقتضي التمييز بين الخلاف مع سياسات طهران وبين رفض العدوان الذي تقوده قوى استعمارية تسعى لإعادة تشكيل الخارطة وفق رؤى أيديولوجية متطرفة، تدعي تنفيذ وعود غيبية تتجاوز حدود المنطق السياسي الحديث.

تشير التقارير إلى أن الأهداف المعلنة للتحالف الصهيو-أمريكي قد تطورت بشكل دراماتيكي؛ فبعد أن كان الهدف المعلن في منتصف عام 2025 هو تدمير البرنامج النووي، انتقل سقف الطموحات في فبراير 2026 إلى المطالبة بالاستسلام غير المشروط وإسقاط النظام القائم في طهران. هذا التصعيد يعكس رغبة جامحة في السيطرة المطلقة، متجاهلاً القدرات الدفاعية والعمق التاريخي للدولة الإيرانية.

يرى مراقبون أن اندفاع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في هذه الحرب قد لا يكون نابعاً فقط من مصالح استراتيجية، بل قد يرتبط بضغوط داخلية وملفات شخصية معقدة. وثمة تحليلات تشير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يمارس نوعاً من الابتزاز السياسي لضمان استمرار الدعم الأمريكي المطلق في مغامراته العسكرية التي يحلم بها منذ عقود.

إن الرهان على انهيار الدولة الإيرانية من الداخل نتيجة الضربات الجوية قد أثبت فشله في تجارب تاريخية عديدة. فرغم وجود معارضة داخلية لسياسات الحكم، إلا أن الشعوب غالباً ما تتوحد خلف قياداتها عند تعرض بلادها لعدوان خارجي يستهدف البنية التحتية والسيادة الوطنية، وهو ما يجعل من فكرة 'تغيير النظام' عبر القوة العسكرية رهاناً خاسراً.

إيران ليست مجرد حدود رسمتها القوى الاستعمارية في القرن الماضي، بل هي كيان سياسي واجتماعي يمتد لآلاف السنين، ولم يخضع قط لاستعمار مباشر طويل الأمد. هذا الإرث الحضاري يمنح الشعب الإيراني قدرة على الصمود والمناورة لا تتوفر في نماذج دول أخرى حاول التحالف الأمريكي التعامل معها بنفس العقلية العسكرية التبسيطية.

لقد أخطأت الحسابات الأمريكية حين ظنت أن التعويل على جماعات عرقية أو معارضة مسلحة في الأطراف يمكن أن يؤدي إلى سقوط طهران. إن الواقع الميداني أثبت أن هذه الرهانات تنتهي غالباً بفصائح عسكرية، وتؤدي إلى نتائج عكسية تزيد من تلاحم الجبهة الداخلية الإيرانية في مواجهة ما يصفونه بالعدو الخارجي.

في سياق الحرب الحالية، يبرز التناقض الصارخ بين الخطاب الدبلوماسي والأهداف العسكرية الحقيقية. فبينما يتحدث التحالف عن 'تحرير' الشعب الإيراني، تستهدف الصواريخ المرافق المدنية والخدمية، مما يكشف عن رغبة في تحطيم مقدرات الدولة الاقتصادية والنفطية، وهو ما يعزز القناعة بأن الهدف هو الهيمنة وليس الديمقراطية.

إن التهديدات التي يطلقها قادة التحالف بالوصول إلى دجلة والفرات، أو ربط الحرب بنبوءات دينية حول 'نهاية الزمان'، تضفي طابعاً قدسياً خطيراً على الصراع. هذا النوع من الخطاب يلغي مساحات التفاوض السياسي ويحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة لا يمكن التنبؤ بنهايتها أو السيطرة على تداعياتها الإقليمية.

على الشط الغربي من الخليج، تزداد المخاوف من تحول الصراع إلى حرب إقليمية شاملة تطال شراراتها الجميع. إن الخطأ الاستراتيجي في توسيع رقعة الاستهداف ليشمل دول الجوار يعقد المشهد أكثر، ويجعل من الصعب على أي طرف البقاء بمنأى عن النيران المشتعلة التي يذكيها التحالف الصهيوني الأمريكي.

سيذكر التاريخ أن محاولات فرض الإرادة الخارجية على شعوب المنطقة عبر القوة الغاشمة لم تؤدِ إلا إلى مزيد من الدمار وعدم الاستقرار. إن الحلم بتقرير مصير أمة عريقة مثل إيران من مكاتب واشنطن أو تل أبيب هو تكرار لنفس الأخطاء التي ارتكبت في العراق وأفغانستان، مع فارق الحجم والقدرة.

في نهاية المطاف، ستضع الحرب أوزارها يوماً ما، وسيكتشف العالم أن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها صياغة هوية الشعوب أو تغيير قناعاتها. إن التحالف الذي يقوده نتنياهو وترامب قد ينجح في التدمير، لكنه سيفشل حتماً في البناء أو في تحقيق 'الاستسلام' الذي يطمحون إليه، لتبقى أحلامهم مجرد صدى لأوهام 'زلوط'.

يبقى الرهان الحقيقي على وعي الشعوب وقدرتها على التمييز بين الصراعات السياسية وبين المخططات الاستعمارية. إن الشرق الأوسط يحتاج إلى حلول نابعة من داخله، بعيداً عن تدخلات القوى التي لا ترى في المنطقة سوى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية أو تحقيق أوهام العظمة الزائفة.

عربي ودولي

السّبت 14 مارس 2026 2:34 مساءً - بتوقيت القدس

قبيل اجتماع واشنطن: تحولات المشهد الليبي من صراع المشاريع إلى تقاسم النفوذ العائلي

تتسارع التطورات على الساحة الليبية في مختلف أقاليمها، حيث تسعى أطراف النزاع إلى تعزيز نفوذها وفرض إرادتها الميدانية والسياسية. يأتي هذا التحرك في سياق الاستعداد للتكيف مع خطة أمريكية مرتقبة تهدف لترتيب الأوضاع السياسية، مما ينذر بشكل جديد من التجاذب بين القوى الفاعلة.

لقد ساد في سنوات سابقة اعتقاد بأن الصراع الليبي يدور بين مشروعي بناء الدولة المدنية الديمقراطية والمشروع العسكري الذي يتبنى القبضة الأمنية. إلا أن طول أمد النزاع أدى إلى تآكل هذه المنطلقات، حيث اختلطت الغايات وتراجعت القيم الحاكمة لدى أنصار كلا الجبهتين بشكل ملحوظ.

في شرق البلاد وجنوبها، تحول المشروع الذي كان يقدم نفسه كمؤسسة عسكرية وطنية ضامنة للاستقرار إلى تنظيم سلطوي يتسم بالطابع العائلي. وبات هذا المشروع يتمترس خلف قوة السلاح والانتظام الأمني، محولاً المؤسسة العسكرية إلى طرف سياسي مباشر في الصراع على الموارد والسلطة.

أما في الغرب الليبي، فقد شهد مشروع الدولة المدنية تراجعاً مماثلاً، حيث انخرطت فواعل محسوبة على التيار المدني في دوائر نفوذ مصلحية ضيقة. وأصبح الدفاع عن هذا الواقع يتم تحت مبرر دفع 'المفسدة الكبرى' المتمثلة في حكم العسكر، مما شرعن وجود سلطة هجينة تعتمد على المجموعات المسلحة.

تشير القراءات الحالية إلى أن الماراثون الدبلوماسي في باريس وروما، وصولاً إلى الاجتماع المرتقب في واشنطن، لا يهدف بالضرورة إلى تأسيس مرحلة ديمقراطية. بل يبدو أن التوجه الدولي يسير نحو إيجاد توليفة تجمع بين السلطتين القائمتين في شكلهما الحالي، بعيداً عن استحقاق صناديق الاقتراع.

إن الضغط الأمريكي الراهن قد يؤدي إلى انزلاق البلاد نحو وضع شديد التأزيم، خاصة مع اتجاه 'الجيش' لابتلاع مؤسسات الدولة وتوظيف مواردها. وفي المقابل، يتقزم مشروع الدولة في الغرب لصالح تحالفات تجمع عائلات نافذة مع أطراف أمنية ومجموعات مسلحة تسيطر على القرار.

تعتبر التحولات الدولية والإقليمية عامل تغيير رئيسي في سلوك أطراف النزاع الليبي، حيث تدفع هذه القوى نحو إعادة تموضع سلطات الأمر الواقع. ومن المستبعد أن ينتج عن هذا الضغط نموذج مثالي للدولة، بل قد يسفر عن انحراف أكبر عن تطلعات الليبيين في بناء مؤسسات مهنية.

الخارطة السياسية الليبية لا تقتصر على القوى المتصارعة فحسب، بل تضم قاعدة عريضة من القوى المدنية والمجتمعية التي ترفض هذا التجاذب المصلحي. ورغم هذا الرفض الواسع، إلا أن هذه المكونات لم تنجح حتى الآن في تنظيم صفوفها لفرض مشروع وطني يتجاوز ثنائية الصراع الراهنة.

يعيش الشارع الليبي حالة من التحفظ تجاه المسارات السياسية الحالية التي تكرس المحاصصة بين النخب الحاكمة في الشرق والغرب. ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى مزيد من التردي في الأوضاع الاقتصادية والأمنية، ما لم تظهر قوة وطنية ثالثة تكسر هذا الجمود.

إن التوصيف الدقيق لما يحدث اليوم هو 'الانتظام السلطوي الضيق'، حيث تلاشت الفوارق الأيديولوجية بين الخصوم لصالح البقاء في الحكم. هذا التحول جعل من الصعب المراهنة على الأطراف الحالية لإنتاج حل مستدام ينهي حالة الانقسام المؤسسي التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

تظل خطة واشنطن المرتقبة هي المحرك الأساسي للتحركات الميدانية والسياسية الأخيرة، حيث يحاول كل طرف حجز مقعده في الترتيبات القادمة. ومع ذلك، فإن غياب الرؤية الوطنية الشاملة يجعل من أي اتفاق دولي مجرد مسكن مؤقت للأزمة وليس حلاً جذرياً لها.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن القفز على إرادة الشعب الليبي وتجاهل المسار الانتخابي لا يؤدي إلا إلى تجديد النزاع بصور مختلفة. واليوم، يبدو أن المجتمع الدولي يكرر ذات الأخطاء عبر محاولة شرعنة سلطات الأمر الواقع بدلاً من التمكين للتحول الديمقراطي الحقيقي.

في ظل هذا المشهد المعقد، يبقى الرهان على قدرة القوى المجتمعية والمدنية في تشكيل رأي عام ضاغط يرفض الارتهان للمصالح العائلية والمليشياوية. وإذا فشلت هذه القوى في التحرك، فإن ليبيا قد تواجه مرحلة طويلة من الحكم الهجين الذي يفتقر للشرعية الشعبية والمؤسسية.

ختاماً، فإن المشهد الليبي يقف عند مفترق طرق خطير، فإما الذهاب نحو تسوية شاملة تعيد الأمانة للشعب، أو الرضوخ لترتيبات دولية تكرس الانقسام. إن الأيام القادمة وما سيسفر عنه اجتماع واشنطن ستحدد بشكل كبير ملامح العقد القادم في تاريخ الدولة الليبية.

عربي ودولي

السّبت 14 مارس 2026 2:34 مساءً - بتوقيت القدس

جماعة الحوثي تعلن الجهوزية العسكرية وتؤكد: قرار القتال إلى جانب إيران اتُخذ فعلياً

كشف محمد البخيتي، عضو المكتب السياسي لجماعة الحوثي، عن حسم الجماعة لموقفها العسكري والسياسي بالوقوف الكامل إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المواجهة الراهنة. وأوضح البخيتي في تصريحات إعلامية أن هذا القرار لم يعد قيد الدراسة بل دخل حيز التنفيذ الفعلي، مشيراً إلى أن انخراط القوات اليمنية في العمليات القتالية المباشرة بات مرتبطاً بعامل الوقت وتطورات الميدان فقط.

وشدد القيادي في الجماعة على أن مقاتليهم في حالة استنفار قصوى و"أيديهم على الزناد" لمراقبة مسار الأحداث المتسارعة في المنطقة. واعتبر أن المعركة الحالية فُرضت على قوى المقاومة، مما يستوجب خوضها بكل قوة لفرض شروط سياسية وميدانية جديدة تنهي حالة التغول الأمريكي والإسرائيلي في الشرق الأوسط حسب وصفه.

ووجه البخيتي دعوة صريحة لكافة الدول والشعوب في المنطقة العربية والإسلامية بضرورة إدانة التحركات العسكرية الأمريكية والوقوف بوضوح في خندق المواجهة مع طهران. وأشار إلى أن الاستهداف الحالي لا يقتصر على الجغرافيا الإيرانية فحسب، بل يمتد ليهدد كيان وسيادة كافة الدول العربية والإسلامية دون استثناء، مما يتطلب وحدة في الموقف والمصير.

وفي سياق متصل، عزز زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي هذه التوجهات في خطاب متلفز، أكد فيه أن جماعته تعتبر نفسها معنية بشكل مباشر بالدفاع عن إيران في وجه ما وصفه بـ "العدوان الإسرائيلي الأمريكي". وأعلن الحوثي عن جاهزية وحداته العسكرية للتعامل مع كافة السيناريوهات المحتملة، مشدداً على أن الموقف اليمني ينطلق من مبادئ دينية واستراتيجية ثابتة.

وتأتي هذه التصريحات في ظل تصعيد غير مسبوق تشهده المنطقة منذ نهاية فبراير الماضي، حيث شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي بالتعاون مع الولايات المتحدة سلسلة غارات عنيفة استهدفت العمق الإيراني. وقد أسفرت هذه الهجمات عن خسائر بشرية فادحة شملت قيادات رفيعة في هرم السلطة الإيرانية، وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من القادة الأمنيين البارزين.

من جانبها، لم تتوقف طهران عن الرد العسكري، حيث واصلت إطلاق رشقات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الانتحارية باتجاه أهداف داخل إسرائيل. كما طالت العمليات الإيرانية ما وصفته بمصالح حيوية تابعة للولايات المتحدة في عدة دول عربية، مما أدى إلى وقوع أضرار مادية وبشرية جسيمة أثارت موجة من الإدانات في العواصم المستهدفة.

ويرى مراقبون أن إعلان الحوثيين الأخير يمهد لفتح جبهة استنزاف جديدة وواسعة قد تشمل ممرات الملاحة الدولية والقواعد العسكرية في المنطقة. وتتزايد المخاوف الدولية من تحول الصراع الحالي إلى حرب إقليمية شاملة تتداخل فيها القوى المحلية والدولية، خاصة مع تأكيد الجماعة في اليمن أن تحركها العسكري قد يبدأ في أي لحظة تقتضيها الضرورة الميدانية.

عربي ودولي

السّبت 14 مارس 2026 2:33 مساءً - بتوقيت القدس

طهران تعلن مغادرة حاملة الطائرات 'أبراهام لينكولن' المنطقة وتؤكد 'تحييدها'

أعلن المتحدث الرسمي باسم هيئة الأركان العامة الإيرانية، أبو الفضل شيكارجي، عن مغادرة حاملة الطائرات الأمريكية 'يو إس إس أبراهام لينكولن' لنطاق العمليات في المنطقة. وأوضح شيكارجي في تصريحات صحفية أن السفينة الحربية الضخمة اضطرت للانسحاب بعد أن تمكنت القوات الإيرانية من 'تحييدها' بشكل كامل، واصفاً ما جرى بأنه هزيمة تاريخية للأسطول الأمريكي.

ووجه المتحدث العسكري الإيراني رسالة مباشرة إلى دول المنطقة، دعاها فيها إلى ضرورة مراجعة حساباتها وعدم المراهنة على ما وصفه بـ 'قوة أمريكا الوهمية'. وأشار إلى أن واشنطن التي تعجز عن حماية قطعها البحرية المتقدمة لن تكون قادرة على ضمان أمن واستقرار الدول الإسلامية في الإقليم، مطالباً بإنهاء التبعية العسكرية للغرب.

وشدد شيكارجي على أن حاملة الطائرات 'أبراهام لينكولن' كانت تقع ضمن بنك الأهداف المباشرة للقوات المسلحة الإيرانية منذ وصولها. وأضاف أن انسحابها وبدء رحلة عودتها نحو الولايات المتحدة يثبت نجاعة الاستراتيجية الدفاعية التي تتبعها طهران في مواجهة التحركات الأمريكية البحرية، رغم عدم كشفه عن التفاصيل التقنية لعملية التحييد.

وفي سياق متصل، أكد المسؤول الإيراني على ضرورة تعزيز الوحدة بين دول العالم الإسلامي لمواجهة ما وصفها بـ 'الفتن والشرور' التي تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة. واعتبر أن التكاتف الإقليمي هو السبيل الوحيد لإنهاء الوجود العسكري الأجنبي الذي يزعزع أمن الممرات المائية الحيوية في الخليج وبحر عمان.

وتأتي هذه التطورات في ظل توتر عسكري غير مسبوق تشهده المنطقة منذ أواخر فبراير الماضي، حيث تبادلت أطراف الصراع ضربات جوية وصاروخية مكثفة. وقد أسفرت هذه المواجهات عن خسائر بشرية كبيرة في صفوف القيادات الإيرانية، مما دفع طهران لتصعيد عملياتها ضد المصالح الأمريكية في عدة دول عربية مجاورة.

من جانبها، كانت التقارير العسكرية الأمريكية قد أشارت في وقت سابق إلى تمركز الحاملة 'أبراهام لينكولن' في مياه بحر عمان لتعزيز الردع ضد التهديدات الإيرانية. وفي الوقت نفسه، تواصل الحاملة 'يو إس إس جيرالد آر فورد' انتشارها في البحر الأحمر لتأمين حركة الملاحة الدولية وحماية السفن التجارية من الهجمات المستمرة.

وأفادت مصادر بأن طهران تواصل استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية في استهداف ما تصفه بالقواعد والمصالح الأمريكية رداً على الاغتيالات التي طالت مسؤولين أمنيين. وتسببت هذه الهجمات في أضرار مادية بالمنشآت المدنية في بعض الدول المستهدفة، مما أثار موجة من الإدانات الدولية والإقليمية ضد التصعيد الإيراني.

وعلى الصعيد الميداني، يرى مراقبون أن إعلان إيران عن تحييد الحاملة الأمريكية يهدف إلى رفع الروح المعنوية في الداخل وتوجيه رسالة سياسية للخارج. ومع ذلك، لم يصدر أي تعقيب رسمي من وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) يؤكد أو ينفي وقوع مواجهة مباشرة أدت إلى تضرر الحاملة أو إجبارها على الانسحاب المبكر.

وتشير التقارير إلى أن الصراع الحالي تجاوز حدود المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل ليشمل اشتباكات أوسع تشارك فيها أطراف دولية متعددة. وقد أدت الهجمات الإسرائيلية والأمريكية المكثفة إلى تغييرات جوهرية في خارطة التمركز العسكري الإيراني، وسط محاولات من طهران لاستعادة توازن الردع عبر عمليات نوعية.

وفي ظل هذا التصعيد، تزداد المخاوف الدولية من انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة تؤثر على إمدادات الطاقة العالمية واستقرار الاقتصاد الدولي. وتطالب قوى دولية بضرورة ضبط النفس والعودة إلى المسارات الدبلوماسية، رغم أن المؤشرات الميدانية توحي باستمرار التصعيد العسكري في المدى المنظور.

وتزامن إعلان الانسحاب مع تقارير تتحدث عن ضغوط لوجستية تواجهها القوات الأمريكية في المنطقة نتيجة استنزاف مخزونات الدفاع الجوي. وتدعي بعض المصادر أن واشنطن قد تضطر لإعادة توزيع أنظمتها الدفاعية لحماية حلفائها الأساسيين، مما قد يترك فراغاً أمنياً مؤقتاً في بعض الجبهات الثانوية.

ختاماً، يبقى الغموض سيد الموقف حول طبيعة 'التحييد' الذي تحدث عنه شيكارجي، وما إذا كان ناتجاً عن هجوم سيبراني أو مضايقات بحرية أو استهداف مباشر. وتترقب الأوساط السياسية أي بيانات رسمية من واشنطن لتوضيح أسباب تحرك الحاملة 'أبراهام لينكولن' بعيداً عن مسرح العمليات المشتعل.

عربي ودولي

السّبت 14 مارس 2026 2:03 مساءً - بتوقيت القدس

حصيلة أسبوعين من التصعيد: 3554 صاروخاً ومسيرة إيرانية استهدفت 7 دول عربية

شهدت المنطقة العربية تصعيداً عسكرياً غير مسبوق خلال الأسبوعين الماضيين، حيث استهدفت إيران سبع دول عربية، غالبيتها من دول الخليج، بنحو 3554 صاروخاً وطائرة مسيرة. وتأتي هذه الهجمات في سياق ما تصفه طهران بالرد على التحركات الأمريكية والإسرائيلية، وسط قلق إقليمي متزايد من اتساع رقعة المواجهة.

وعلى الرغم من إعلان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في السابع من مارس الجاري عن وقف الهجمات على الدول المجاورة، إلا أن البيانات الميدانية تشير إلى استمرار العمليات العسكرية. وتؤكد المصادر أن الهجمات لم تقتصر على الأهداف العسكرية، بل طالت منشآت مدنية حيوية شملت مطارات وموانئ وخزانات وقود في عدة عواصم ومدن عربية.

تصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة قائمة الدول الأكثر تعرضاً لهذه الهجمات، حيث تعاملت دفاعاتها الجوية مع 288 صاروخاً باليستياً وأكثر من 1500 طائرة مسيرة. وأوضحت وزارة الدفاع الإماراتية أن أنظمتها الدفاعية تصدت بفعالية لهذه الاعتداءات السافرة التي استهدفت أمن البلاد واستقرارها خلال الأيام الماضية.

وفي الكويت، سجلت السلطات العسكرية هجمات مكثفة بلغت حصيلتها 251 صاروخاً و472 طائرة مسيرة على الأقل حتى صباح السبت. وأفادت مصادر عسكرية كويتية بأن الدفاعات الجوية نجحت في اعتراض وتدمير صواريخ باليستية اخترقت الأجواء باتجاه المناطق الجنوبية، مؤكدة استمرار حالة الاستنفار لحماية المنشآت الوطنية.

مملكة البحرين لم تكن بمنأى عن هذا التصعيد، حيث أعلنت القيادة العامة لقوة الدفاع عن تدمير 121 صاروخاً و193 طائرة مسيرة منذ نهاية فبراير الماضي. وأشارت المصادر إلى أن الهجمات تسببت في اندلاع حرائق محدودة في بعض خزانات الوقود، إلا أن الفرق المختصة تمكنت من السيطرة على الموقف بسرعة.

أما في قطر، فقد رصدت وزارة الدفاع تعرض البلاد لهجمات شملت 166 صاروخاً و75 مسيرة، بالإضافة إلى خرق المجال الجوي من قبل مقاتلتين إيرانيتين. وتوزعت هذه الهجمات على فترات زمنية متفاوتة، حيث سجلت الأيام الأخيرة وتيرة متصاعدة من إطلاق الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز التي تم التعامل مع معظمها.

وفي الأردن، كشفت القوات المسلحة عن اعتراض وتدمير 108 أهداف معادية من أصل 119 صاروخاً ومسيرة استهدفت أراضي المملكة. وأكد المتحدث باسم الجيش الأردني أن القوات المسلحة تواصل مراقبة الأجواء بكل حزم لضمان عدم المساس بأمن المواطنين أو سلامة الأراضي الأردنية تحت أي ظرف.

المملكة العربية السعودية واجهت موجات متتالية من الهجمات التي استهدفت مواقع استراتيجية ومدنية، من بينها حي السفارات في الرياض وقاعدة الأمير سلطان الجوية. وأشارت التقارير إلى اعتراض ما لا يقل عن 19 صاروخاً و249 مسيرة، تركزت معظمها في المنطقة الشرقية ومنطقة الربع الخالي حيث تقع المنشآت النفطية الكبرى.

وأوضحت وزارة الدفاع السعودية أن الدفاعات الجوية أسقطت عشرات المسيرات التي حاولت استهداف حقل شيبة النفطي ومصفاة رأس تنورة. ورغم كثافة الهجمات، أكدت وزارة الطاقة السعودية عدم تأثر إمدادات النفط، مشيرة إلى أن الأنظمة الدفاعية تعمل بكفاءة عالية لتحييد التهديدات قبل وصولها إلى أهدافها.

سلطنة عُمان، التي تُعرف بعلاقاتها المتوازنة، تعرضت هي الأخرى لهجمات بـ 16 مسيرة أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين في منطقة العوهي الصناعية. وأفادت مصادر أمنية عُمانية بمقتل شخصين وإصابة آخرين جراء سقوط إحدى المسيرات، بالإضافة إلى استهداف خزانات وقود في ميناء صلالة وميناء الدقم الاستراتيجيين.

وتشير الإحصائيات المجمعة من المصادر الرسمية إلى أن الهجمات الإيرانية اتسمت بالتنوع في الأسلحة المستخدمة، بين صواريخ باليستية بعيدة المدى وصواريخ كروز وطائرات انتحارية. ويرى مراقبون أن هذا التصعيد يضع أمن الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية في خطر حقيقي، خاصة مع استهداف الموانئ الرئيسية في الخليج.

وفي سياق متصل، شددت الدول المستهدفة على حقها في الدفاع عن سيادتها بكافة الوسائل المتاحة، معتبرة أن هذه الاعتداءات تخالف مواثيق حسن الجوار. وتواصل غرف العمليات العسكرية في هذه الدول تنسيق الجهود لتعزيز منظومات الإنذار المبكر والتصدي لأي موجات هجومية جديدة قد تنطلق من الأراضي الإيرانية.

طهران من جانبها، تصر على أن عملياتها العسكرية موجهة حصراً ضد القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، نافية تعمد استهداف الدول العربية. إلا أن الوقائع الميدانية وسقوط ضحايا مدنيين وتضرر منشآت اقتصادية في عُمان والسعودية والإمارات يدحض الرواية الإيرانية الرسمية حول دقة الأهداف.

يبقى المشهد الإقليمي مفتوحاً على كافة الاحتمالات في ظل استمرار تدفق الصواريخ والمسيرات عبر الحدود الدولية. ومع تزايد الضغوط الدبلوماسية، يترقب المجتمع الدولي مدى التزام الأطراف بضبط النفس ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة قد لا تحمد عقباها على الاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي.

عربي ودولي

السّبت 14 مارس 2026 1:48 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد في شبه الجزيرة الكورية: بيونغيانغ تطلق دفعة صواريخ باليستية تزامناً مع مناورات سيول وواشنطن

شهدت شبه الجزيرة الكورية تصعيداً عسكرياً جديداً اليوم السبت، حيث أقدمت السلطات في بيونغيانغ على إطلاق دفعة مكثفة من الصواريخ الباليستية باتجاه بحر اليابان. وتأتي هذه الخطوة في سياق ردود الفعل الغاضبة من كوريا الشمالية تجاه التدريبات العسكرية الواسعة التي تجريها جارتها الجنوبية بالتعاون مع القوات الأمريكية.

وأوضحت مصادر عسكرية في سيول أن هيئة الأركان المشتركة رصدت إطلاق نحو عشرة صواريخ باليستية مجهولة النوع من منطقة سونان، وذلك في تمام الساعة الواحدة وعشرين دقيقة ظهراً بالتوقيت المحلي. وقد سلكت هذه الصواريخ مساراً شرقياً باتجاه ما يعرف كوريّاً بـ 'بحر الشرق'، مما استنفر أجهزة الرصد والمتابعة في المنطقة.

من جانبها، أكدت وزارة الدفاع اليابانية أن أحد الصواريخ التي أطلقتها كوريا الشمالية سقط في مياه البحر خارج المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لليابان. وأشارت مصادر يابانية إلى أن هذا النشاط الصاروخي المكثف يمثل تهديداً للأمن الإقليمي، خاصة وأنه يأتي في وقت تشهد فيه المنطقة حساسية أمنية بالغة.

ويربط مراقبون هذا التصعيد بالمناورات العسكرية المشتركة التي انطلقت يوم الاثنين الماضي، ويشارك فيها نحو 18 ألف جندي من كوريا الجنوبية إلى جانب وحدات أمريكية. ومن المقرر أن تستمر هذه التدريبات حتى التاسع عشر من مارس الجاري، وهو ما تعتبره بيونغيانغ تدريباً على غزو أراضيها واستفزازاً مباشراً لسيادتها.

وكانت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي، قد أصدرت تحذيراً شديد اللهجة الثلاثاء الماضي، توعدت فيه بـ 'عواقب وخيمة لا يمكن تصورها' رداً على هذه التحركات العسكرية. وتعكس هذه التصريحات حجم التوتر السياسي والعسكري الذي يغلف العلاقة بين الكوريتين والقوى الدولية الداعمة لكل طرف.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، برزت ملامح حراك سياسي موازٍ رغم التصعيد الميداني، حيث أشار رئيس الوزراء الكوري الجنوبي كيم مين سيوك إلى رغبة أمريكية في الحوار. وذكر سيوك خلال تواجده في الولايات المتحدة أن الرئيس دونالد ترمب يبدي انفتاحاً على فكرة لقاء الزعيم كيم جونغ أون مجدداً، معتبراً أن مثل هذه الخطوة قد تكون إيجابية.

وتشير التقديرات السياسية إلى إمكانية عقد قمة بين الزعيمين خلال زيارة مرتقبة لترمب إلى الصين في نهاية شهر مارس أو مطلع أبريل المقبل. ومع ذلك، يبقى هذا المسار الدبلوماسي محفوفاً بالشكوك في ظل استمرار التجارب الصاروخية الكورية الشمالية التي تسببت بفرض عقوبات دولية صارمة على البلاد منذ عقدين تقريباً.

أقلام وأراء

السّبت 14 مارس 2026 1:33 مساءً - بتوقيت القدس

فلسطين في مهب الحروب الإقليمية: تحذيرات من تهميش القضية وتوظيف السرديات الدينية

تشهد المنطقة العربية في الآونة الأخيرة تصاعداً غير مسبوق في حدة المواجهات العسكرية، مما أعاد الشرق الأوسط إلى دوامة من التوترات التي تهدد الاستقرار الإقليمي بشكل جذري. وفي ظل هذه الأحداث المتسارعة، يدفع المدنيون الثمن الأكبر نتيجة تداخل الحسابات الجيوسياسية المعقدة التي تغيب عنها لغة الحكمة والحلول السياسية العادلة.

تظل فلسطين، رغم انشغال العالم بملفات إقليمية مستجدة، حاضرة في الوجدان الإنساني كقضية مركزية لا يمكن تجاوزها. إن معاناة الشعب الفلسطيني ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لسلسلة من الأزمات التاريخية التي بدأت منذ وعد بلفور عام 1917، مروراً بنكبة 1948 واحتلال عام 1967، وصولاً إلى الحصار الخانق المفروض على قطاع غزة.

إن الواقع الحالي يكشف عن هشاشة النظام الدولي في حماية الحقوق الأساسية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال. ومع تصاعد الحروب في المنطقة، تتضاعف المخاطر على المدنيين الفلسطينيين، مما يستوجب تذكير المجتمع الدولي بأن تهميش هذه القضية أو دفعها إلى هامش الأحداث يمثل تهديداً للأمن والسلم الدوليين.

من الناحية القانونية، تثير العمليات العسكرية الواسعة تساؤلات عميقة حول مدى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني. فالمواثيق الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف، وُضعت أساساً لتحييد المدنيين، إلا أن الواقع الميداني يظهر انتهاكات متكررة تطال البنى التحتية الحيوية والمناطق المأهولة بالسكان دون رادع حقيقي.

يلاحظ المراقبون خللاً عميقاً في بنية النظام العالمي، حيث أصبحت القوة العسكرية هي الأداة الرئيسية لإدارة النزاعات بدلاً من الحوار. هذا التراجع في قيم العدالة الدولية أدى إلى استمرار دورات العنف، وجعل من المدنيين في فلسطين والمنطقة وقوداً لصراعات القوى الكبرى وتوازناتها المتغيرة.

يبرز في المشهد الحالي تطور خطير يتمثل في توظيف الخطاب الديني لتبرير العمليات العسكرية والانتهاكات الجسيمة. فقد رصدت تقارير تصريحات لشخصيات سياسية ودينية في إسرائيل والولايات المتحدة تربط الصراع بسرديات لاهوتية حول 'نهاية الزمان'، وهو ما يضفي صبغة قدسية زائفة على سفك الدماء.

هذا التوجه يجد جذوره في تيار 'الصهيونية الإنجيلية' الذي يفسر أحداث المنطقة كتحقيق لنبوءات توراتية مرتبطة بعودة المسيح. إن إقحام هذه التصورات في الصراعات السياسية يمثل انزلاقاً نحو التطرف، حيث يتم تحويل النزاع من إطار سياسي قابل للتفاوض إلى مواجهة عقائدية صفرية لا تقبل الحلول الوسط.

إن الأديان السماوية في جوهرها تقوم على الرحمة والعدل وحرمة النفس البشرية، وهي براء من محاولات توظيفها كغطاء للهيمنة. إن أي استخدام للدين يبرر قتل الأطفال والنساء أو استهداف الأبرياء هو انحراف سياسي يتعارض مع القيم الروحية السامية التي نادت بها الرسالات السماوية عبر التاريخ.

ما شهده العالم من مآسي إنسانية في قطاع غزة يمثل اختباراً حقيقياً للضمير العالمي وللمؤسسات الدولية. إن تحويل الدين إلى أداة للبطش لا يخدم الإيمان، بل يشوه صورته ويفتح الباب أمام مزيد من الكراهية التي تهدد بتحويل الصراعات الإقليمية إلى حروب دينية مدمرة وشاملة.

تكمن خطورة الخطاب اللاهوتي في الصراع السياسي في كونه يغلق أبواب الدبلوماسية ويجعل من الحرب 'قدراً محتوماً'. هذا النوع من التفكير يضعف فرص الوصول إلى تسويات عادلة، ويمنح المعتدين ذريعة أخلاقية زائفة للاستمرار في سياسات الإبادة الجماعية والتهجير القسري تحت مسميات دينية.

إن اتساع دائرة التوتر يضع الأمن الإقليمي برمته على المحك، مع تزايد الآثار الاقتصادية والإنسانية الكارثية على شعوب المنطقة. ويبقى السؤال الأخلاقي قائماً حول كيفية حديث القوى الكبرى عن السلام في وقت تُنتهك فيه القوانين الدولية جهاراً نهاراً دون محاسبة أو مساءلة قانونية.

أثبتت التجارب التاريخية أن الاعتماد المفرط على القوة العسكرية لا يمكن أن يحقق استقراراً مستداماً في الشرق الأوسط. إن الأمن الحقيقي لا ينبع إلا من احترام حقوق الشعوب وتقرير مصيرها، وإعادة الاعتبار لقيم العدالة الدولية التي تضمن إنهاء الاحتلال ووقف العدوان المستمر.

يجب على المجتمع الدولي أن يدرك أن اعتياد مشهد الظلم مع مرور الوقت يمثل خطراً أخلاقياً يهدد المنظومة الإنسانية برمتها. فالدماء الفلسطينية لا يمكن أن تظل مجرد أرقام في معادلات القوى، والعدالة لا يمكن تجزئتها بناءً على المصالح السياسية أو الانتماءات العرقية والدينية.

في الختام، تظل فلسطين هي البوصلة الأخلاقية للعالم، والتذكير الدائم بضرورة العودة إلى العقل والحكمة. إن تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني في خضم الحروب الإقليمية هو فشل ذريع للنظام الدولي، ولن تنعم المنطقة بالاستقرار ما لم يُرفع الظلم وتُسترد الحقوق المسلوبة لأصحابها.

فلسطين

السّبت 14 مارس 2026 1:33 مساءً - بتوقيت القدس

بسبب جنسيته الفلسطينية.. بطل فيلم 'صوت هند رجب' يُمنع من حضور حفل الأوسكار

يواجه الممثل الفلسطيني معتز ملحيس، بطل فيلم 'صوت هند رجب'، مفارقة قاسية أعادت الجدل السياسي إلى أروقة المحافل السينمائية العالمية. فقد أعلن ملحيس رسمياً عدم تمكنه من حضور حفل توزيع جوائز الأوسكار لعام 2026 في مدينة لوس أنجلوس، رغم الإنجاز التاريخي الذي حققه الفيلم بوصوله إلى القائمة القصيرة لفئة أفضل فيلم وثائقي.

ويعود سبب هذا الغياب القسري إلى قرار اتخذته الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، يقضي بمنع حاملي وثيقة السفر الفلسطينية من دخول الولايات المتحدة. هذا الإجراء حال دون وصول الممثل الذي جسد معاناة غزة إلى المنصة العالمية التي تحتفي بالعمل الفني الذي شارك في بطولته.

وعبر حسابه الرسمي، وثق ملحيس هذه اللحظة بكلمات مؤثرة، مشيراً إلى أن الفيلم الذي يحمل قصة كان العالم بحاجة لسماعها سينافس على الجائزة بدونه. وأكد الممثل الفلسطيني أن منعه من الدخول بسبب جنسيته هو واقع مؤلم، لكنه شدد على أن الحواجز السياسية لن تنجح في تغييب الصوت الفلسطيني أو طمس الحقيقة.

وتتجلى في هذا المنع مفارقة تراجيدية تعيد إنتاج حصار الطفلة هند رجب بصورة سياسية معاصرة؛ فالممثل الذي أدى دور المسعف الذي حاول كسر الحواجز لإنقاذ الطفلة، يجد نفسه اليوم محاصراً بقرار استهدف هويته الوطنية. هذا العزل السياسي يمثل امتداداً رمزياً للحواجز التي أعاقت وصول طواقم الإسعاف لإنقاذ هند في قطاع غزة.

يستند الفيلم، الذي أخرجته التونسية كوثر بن هنية، إلى وقائع حقيقية لجريمة قتل الطفلة هند رجب في يناير 2024. وقد علقت الطفلة داخل سيارة تعرضت لإطلاق نار مباشر من قبل قوات الاحتلال أثناء فرار عائلتها، لتصبح مكالمة استغاثتها مع الهلال الأحمر واحدة من أكثر التسجيلات تأثيراً في التاريخ الحديث.

ويقدم العمل رؤية فنية تمزج بين الدراما والوثائقي على مدار 89 دقيقة، مستخدماً التسجيلات الصوتية الحقيقية للمكالمة. ويشارك في البطولة طاقم متميز يضم سجى الكيلاني وعامر حليحل وكلارا خوري، بدعم إنتاجي من نجوم عالميين مثل براد بيت وخواكين فينيكس وألفونسو كوارون.

منذ عرضه الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي 2025، حقق الفيلم نجاحاً استثنائياً وحصد الجائزة الكبرى للجنة التحكيم 'الأسد الفضي'. وقد تلقى العمل تصفيقاً حاراً من الجمهور والنقاد استمر لأكثر من 20 دقيقة، مما مهد طريقه للمنافسة بقوة في مهرجانات تورونتو وسان سيباستيان وصولاً للأوسكار.

يأتي منع ملحيس في سياق قرار سياسي أمريكي تم توقيعه في ديسمبر 2025، يقضي بعدم منح تأشيرات دخول للأشخاص الذين يستخدمون وثائق سفر صادرة عن السلطة الفلسطينية. ودخل القرار حيز التنفيذ مطلع عام 2026 بذريعة اعتبارات 'الأمن القومي'، مما أثار انتقادات حقوقية واسعة اعتبرت القرار استهدافاً مباشراً للهوية الفلسطينية.

ولا يعد ملحيس المبدع الأول الذي يُحرم من حضور منصات السينما العالمية بسبب السياسات الأمريكية؛ فقد سبق وأن واجه المصور السوري خالد الخطيب والمخرج فراس فياض قرارات مشابهة. وتكشف هذه الحالات المتكررة عن حجم القيود السياسية التي تلاحق الفنانين والمبدعين من مناطق النزاع، وتحول دون إيصال رسائلهم الإنسانية.

إن حالة معتز ملحيس تضيف فصلاً جديداً إلى سجل غزة الحاضر بقوة في نقاشات هوليوود منذ أحداث السابع من أكتوبر. ورغم غيابه الجسدي عن الحفل، يظل صوته في الفيلم صرخة حية ضد سياسات العزل، وتجسيداً لفكرة أن 'منع الوصول' يظل الأداة الأشد فتكاً في محاولة تغييب الحقائق الإنسانية.

تحليل

السّبت 14 مارس 2026 1:18 مساءً - بتوقيت القدس

إعادة توطين الحداثة: قراءة نقدية في مسارات الفلسفة المعاصرة وسياقها العربي

يأتي كتاب 'في الفلسفة الحديثة والمعاصرة' الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود لعام 2026، كجهد جماعي يسعى لرسم خريطة مفاهيمية دقيقة للتيارات التي شكلت العقل الغربي. يتناول العمل مسارات الهيغلية والبرغسونية والوجودية وصولاً إلى فلسفات الاعتراف والهرمينوطيقا، مقدماً مادة دسمة في 353 صفحة من القطع المتوسط.

وفي قراءة نقدية لهذا المنجز، يرى الباحث عامر عياد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في استيعاب هذه الفلسفات كتاريخ غربي مكتمل، بل في كيفية استنطاقها داخل السياق العربي. فالحداثة الغربية ولدت من رحم أزمات بنيوية، وفهمنا لها يجب أن ينطلق من إدراك مكاننا ضمن تلك الأزمات وليس مجرد محاكاتها.

تعد الهيغلية نقطة ارتكاز في الكتاب، حيث ارتبطت تاريخياً بتشكل الدولة الحديثة وتجسيد العقل الموضوعي في المؤسسات. غير أن القارئ العربي يواجه معضلة عند استحضار هذا الفكر، إذ قد يتحول تصور الدولة كعقل مطلق إلى تبرير فلسفي للسلطوية في غياب شروط المساءلة والحرية.

أما البرغسونية، التي نشأت كنقد للعقل الآلي والزمن الميكانيكي، فإنها تكتسب أهمية خاصة في المجتمعات العربية التي تعيش مفارقة زمنية حادة. فبينما تتحرك المؤسسات بمنطق إداري جامد، تظل المجتمعات نابضة بحيوية لا تجد ترجمة مؤسسية لها، مما يجعل مفهوم 'الديمومة' البرغسوني أداة لفهم أزمة الزمن العربي.

ويحذر عياد من أن الإصلاحات التي تُفرض بإيقاع سلطوي أو تُستنسخ من نماذج جاهزة تفتقر إلى 'الديمومة الداخلية' التي تحدث عنها هنري برغسون. فالحداثة ليست مجرد قرار إداري أو مخطط تقني، بل هي تحول حي ينبع من داخل نسيج المجتمع وتاريخه الخاص.

وفيما يخص الوجودية، يطرح الكتاب تساؤلات حول معنى حرية الفرد ومسؤوليته في ظل مجتمعات تضيق فيها مساحات الفعل السياسي. فالحرية الوجودية قد تبدو ترفاً نظرياً ما لم ترتبط بشروط مؤسسية تحميها، مما يستوجب ربط القلق الوجودي الفردي بسؤال السلطة والمجال العام.

تنتقل القراءة إلى فلسفات الاعتراف، التي تفترض وجود إطار قانوني مستقر يضمن المواطنة المتساوية قبل معالجة التهميش الرمزي. وفي الحالة العربية، يظل سؤال الاعتراف معلقاً فوق سؤال العدالة السياسية، مما يجعل استيراد هذه المفاهيم دون تفكيك شروطها التاريخية مخاطرة معرفية قد تعمق الانقسامات.

أما الهرمينوطيقا أو فن التأويل، فهي تفتح آفاقاً لتفكيك ادعاءات الحقيقة المطلقة في السياقات التي تتنازعها القراءات الدينية والسياسية. ومع ذلك، يجب الحذر من تحولها إلى نسبية مفرطة تضعف المعايير النقدية الجامعة، مما يتطلب توازناً دقيقاً بين تاريخية الفهم والالتزام بالقيم المعيارية.

يشير الكتاب إلى أن الحداثة الغربية لم تكن خطاً مستقيماً نحو التقدم، بل مساراً متعرجاً مليئاً بالتوترات والانتكاسات. واستحضار هذه التيارات في الفكر العربي دون إبراز هذا التعقيد قد يوهم بإمكانية استنساخ التجربة التاريخية دون توفر شروطها الموضوعية والذاتية.

يتميز هذا العمل الجماعي بلغة رصينة تقترب من التبسيط المنهجي دون الإخلال بالدقة العلمية، مما يجعله مرجعاً مناسباً للتكوين الجامعي. كما أن ترتيب المفاهيم من العقل إلى الزمن وصولاً إلى التأويل يمنح القارئ إحساساً بالبنية الداخلية العميقة للفكر الحديث والمعاصر.

ورغم القيمة التأسيسية للكتاب، إلا أن القراءة النقدية تسجل غياب التوتر والصراع بين المدارس الفلسفية في العرض، حيث بدت وكأنها تطور متناغم. فالوجودية مثلاً كانت تمردًا جذرياً على الهيغلية، وهو ما قد يغيب عن القارئ في ظل السرد المتدرج الذي اعتمده المؤلفون.

كما يُلاحظ حضور محدود للسياقات الاجتماعية والسياسية التي ولدت فيها هذه الأفكار، مما قد يحرم القارئ من رؤية الفلسفة كاستجابة لأزمات ملموسة. إن تغييب الحوار مع الفكر العربي الإسلامي يرسخ أيضاً صورة ذهنية بأن تاريخ الفلسفة هو مسار غربي خالص يُدرس ولا يُناقش.

في الختام، يظل الكتاب مدخلاً هاماً لرسم خريطة مفاهيمية، لكنه يتوقف عند عتبة التفكيك النقدي العميق لموقع القارئ العربي من هذه الخريطة. نحن بحاجة إلى مساءلة الحداثة من داخل أزماتنا الخاصة، لا سيما أزمات الدولة والشرعية والحرية التي ما زالت تراوح مكانها.

إن الفعل الفلسفي الحقيقي يقتضي إبقاء السؤال مفتوحاً وعدم الاطمئنان للسرديات الجاهزة، سواء كانت تمجيدية أو رافضة للحداثة. فالفلسفة لا تُستورد كبضاعة، بل تُعاد صياغتها داخل الشروط التاريخية المحددة لكل أمة، وهو التحدي الذي يواجه العقل العربي المعاصر اليوم.

فلسطين

السّبت 14 مارس 2026 1:18 مساءً - بتوقيت القدس

حصار عاطوف.. الاحتلال يخنق سلة غذاء الأغوار بالخنادق والعطش

يواصل مزارعون فلسطينيون في سهل عاطوف، الواقع شرق مدينة طوباس شمالي الضفة الغربية، صمودهم وسط ظروف قاسية فرضها حصار مشدد من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي ومجموعات من المستوطنين. وتعد هذه المنطقة واحدة من أهم السلال الغذائية في الأغوار الشمالية، إلا أنها باتت اليوم مسرحاً لعمليات تجريف وإغلاق ممنهجة تهدف إلى عزل السكان عن أراضيهم ومصادر رزقهم.

وأفادت مصادر ميدانية بأن قوات الاحتلال بدأت منذ أيام بتنفيذ إجراءات عقابية شملت إغلاق الطرق الزراعية الحيوية وتجريف مساحات واسعة من الأراضي، بالتزامن مع قطع خطوط المياه الرئيسية. هذه الخطوات وضعت عشرات العائلات التي تعتمد كلياً على الزراعة وتربية المواشي في مواجهة مباشرة مع خطر العطش وفقدان الممتلكات.

وفي جولة ميدانية لرصد الانتهاكات، ظهرت اعتداءات المستوطنين بشكل جلي، حيث يقومون باستفزاز المزارعين ومنعهم من العمل في حقولهم تحت حماية جيش الاحتلال. ويؤكد الأهالي أن هذه الممارسات تكررت بشكل شبه يومي في الآونة الأخيرة، كجزء من خطة أوسع تهدف إلى دفع الفلسطينيين للرحيل القسري عن المنطقة.

المزارع نظير بشارات، الذي يمتلك مساحات واسعة مزروعة بالعنب والخضار، عبر عن قلقه العميق من ضياع استثماراته التي بلغت ملايين الشواكل. وأوضح بشارات أن جرافات الاحتلال لم تكتفِ بإغلاق المداخل، بل دمرت البنية التحتية الزراعية، مما جعل الوصول إلى المحاصيل أمراً شبه مستحيل في ظل التهديدات المستمرة.

وأشار بشارات إلى أن الخسائر المالية بدأت تتراكم بشكل مخيف، حيث خسر بعض المزارعين مئات آلاف الدولارات نتيجة تعطل الموسم الزراعي ومنع توريد المنتجات. وبالرغم من هذه الضغوط، يشدد المزارعون على تمسكهم بأرض الآباء والأجداد، مؤكدين أن البقاء في عاطوف هو معركة وجود لا تقبل التراجع.

من جانبه، حذر معتز بشارات، مسؤول ملف الاستيطان في محافظة طوباس، من كارثة إنسانية وبيئية تهدد المنطقة نتيجة تدمير خطوط المياه. وأكد أن أكثر من 17 ألف رأس من الماشية باتت مهددة بالنفوق بسبب العطش، وهو ما يمثل ضربة قاضية لقطاع الثروة الحيوانية الذي يعيل مئات الأسر في الأغوار.

وتشير التقارير إلى أن الحصار الحالي يعزل نحو 35 عائلة فلسطينية بشكل كامل عن محيطها، حيث يعاني أكثر من 250 مواطناً من نقص حاد في الغذاء والمستلزمات الأساسية. وتستخدم قوات الاحتلال السواتر الترابية والخنادق العميقة كأدوات للفصل الجغرافي، مما يحول التجمعات السكانية إلى سجون مفتوحة.

وتعمل آليات الاحتلال حالياً على حفر خندق ترابي واسع يهدف إلى عزل أكثر من 190 ألف دونم من أراضي محافظة طوباس عن امتدادها الطبيعي. ويرى مراقبون أن هذا المشروع الاستيطاني يمثل عملية ضم فعلية للأراضي، ويهدف إلى إنهاء الوجود الفلسطيني في مناطق الأغوار لصالح التوسع الاستيطاني غير القانوني.

هذه الإجراءات تأتي في سياق تصاعدي منذ بدء العدوان على قطاع غزة، حيث استغل المستوطنون والجيش الأوضاع الراهنة لتكثيف الهجمات في الضفة الغربية. وبحسب معطيات رسمية، فقد أدت هذه الاعتداءات إلى استشهاد وإصابة الآلاف، بالإضافة إلى تدمير مئات المنشآت الزراعية والسكنية في مختلف المحافظات.

ويصف خبراء في الشأن الاستيطاني ما يجري في عاطوف بأنه 'حكم إعدام' على الزراعة الفلسطينية، حيث يتم استهداف عصب الحياة الاقتصادي للفلسطينيين. إن قطع المياه في منطقة صحراوية وحارة كالأغوار يعني تلف آلاف الدونمات من المحاصيل الحساسة في وقت قياسي، مما يكبد المزارعين ديوناً لا يمكن سدادها.

ولا تقتصر المعاناة على الجانب المادي، بل تمتد لتشمل الضغط النفسي المستمر الذي يمارسه المستوطنون المسلحون الذين يتجولون بين البيوت البلاستيكية. هؤلاء المستوطنون يوجهون تهديدات مباشرة للأهالي بضرورة المغادرة، مدعين أن هذه الأراضي لم تعد ملكاً للفلسطينيين، في تحدٍ صارخ للقوانين الدولية.

وفي ظل هذا الحصار، تطلق المؤسسات الحقوقية نداءات استغاثة لتدخل دولي عاجل لفك الحصار عن سهل عاطوف وتوفير الحماية للمزارعين. إن استمرار الصمت الدولي تجاه هذه الممارسات يمنح الاحتلال الضوء الأخضر للمضي قدماً في سياسة التطهير العرقي الصامت في الأغوار الشمالية.

ويبقى المزارع الفلسطيني في عاطوف خط الدفاع الأول عن الأرض، متسلحاً بإرادة صلبة رغم قلة الإمكانيات وانقطاع سبل العيش. إن قصص الصمود التي يسطرها أهالي طوباس تعكس تمسكاً أسطورياً بالهوية الوطنية، ورفضاً قاطعاً لكل محاولات الاقتلاع والتهجير التي تنتهجها سلطات الاحتلال.

ختاماً، يمثل ما يحدث في عاطوف نموذجاً مصغراً لما تتعرض له الأغوار الفلسطينية بشكل عام، من محاولات سيطرة وإحلال. فبين مطرقة الجيش وسندان المستوطنين، يواجه الفلسطينيون معركة يومية للحفاظ على ما تبقى من سلة غذائهم، وسط آمال بأن تصل صرختهم إلى العالم قبل فوات الأوان.

اقتصاد

السّبت 14 مارس 2026 1:18 مساءً - بتوقيت القدس

اقتصاد الهوية: كيف تحولت الأوراق الرسمية إلى مورد مالي استراتيجي للدول؟

منذ قرون طويلة، صاغ المفكر ابن خلدون نظريته حول شروط قيام الدولة الحديثة، معتبراً أن المال والعدل والجند هم الركائز الأساسية لاستمرار أي كيان سياسي. وقد تقاطعت هذه الرؤية مع أطروحات أبي الحسن الماوردي الذي أكد أن الملك لا يقوم إلا بالجند والمال، وهو ما تطور لاحقاً في الفكر الاقتصادي الحديث ليصبح ما يعرف بالموازنة العامة للدولة.

يرى الاقتصادي جوزيف شومبيتر أن الدولة الحديثة هي في جوهرها 'دولة ضرائب'، حيث انتقلت من الاعتماد على ثروة الحاكم الخاصة إلى الاعتماد على الجبايات العامة لتمويل وظائفها. وفي هذا السياق، ذهب المفكر الألماني نوربرت إلياس إلى أن احتكار جمع الضرائب والرسوم يمثل صميم مسؤولية الدولة وأساس قيامها الشرعي والمادي.

تتنوع مصادر تمويل الدول بين ثلاثة روافد رئيسية، أولها الضرائب التي تقتطع جزءاً من أرباح الشركات ودخل الأفراد بنسب متفاوتة تهدف أحياناً لتحفيز الاستثمار. أما الرافد الثاني فهو الرسوم مقابل الخدمات المباشرة مثل إصدار جوازات السفر، بينما يتمثل الرافد الثالث في عوائد الاستثمارات والمنشآت التي تديرها الحكومات بشكل مباشر.

يظهر التفاوت الكبير في حجم الموارد المالية بين الدول بوضوح عند مقارنة الموازنات الضخمة لدول مثل المملكة العربية السعودية، التي بلغت موازنتها نحو 350 مليار دولار لعام 2025، بموازنات دول أخرى كالأردن التي استقرت عند 17 مليار دولار. هذا التفاوت يفرض على الدول ابتكار طرق متنوعة لسد العجز وتمويل النفقات العامة المتزايدة.

في النموذج الفرنسي، تشكل الضرائب العمود الفقري للإيرادات، لكن الدولة تعتمد أيضاً على موارد مبتكرة مثل مخالفات المرور التي تدر ملياري يورو سنوياً. كما تجني فرنسا نحو 3.5 مليارات يورو من الطوابع الجبائية المرتبطة بالمعاملات الحكومية، مما يوضح أهمية 'الرسوم الإدارية' في رفد الخزينة العامة حتى في الدول المتقدمة.

على صعيد آخر، برزت نماذج اقتصادية تعتمد بشكل شبه كلي على الرسوم، مثل سنغافورة التي تفرض رسوماً باهظة على تسجيل العقارات والسيارات للأجانب. وفي جزر العذراء البريطانية، تأتي معظم الموارد من رسوم تسجيل الشركات، مما يحول الدولة إلى منصة خدماتية عالمية تتقاضى أجراً مقابل التنظيم القانوني.

اتجهت دول عديدة مؤخراً نحو 'تسليع الهوية' عبر برامج منح الجنسية مقابل الاستثمار، حيث تشكل هذه العوائد نحو 50% من موارد دولة سانت كيتس في الكاريبي. كما تتوقع تركيا تدفقات تصل إلى 5 مليارات دولار سنوياً من مبيعات العقارات المرتبطة بالحصول على الجنسية، مما يجعل 'الورقة الرسمية' منتجاً اقتصادياً منافساً.

في منطقة الشرق الأوسط، تحولت رسوم الوثائق الرسمية إلى أداة جباية قاسية في دول الأزمات، حيث فرض النظام السوري رسوماً تصل إلى 800 دولار للجواز المستعجل. وتشير التقديرات إلى أن هذه الرسوم شكلت نحو 15% من موازنة الحكومة السورية، مستغلة حاجة ملايين المغتربين والنازحين للأوراق الثبوتية لاستمرار حياتهم القانونية.

لبنان بدوره لجأ إلى رفع كلفة الجوازات البيومترية لتصل إلى 600 دولار في بعض الحالات سعياً لتحصيل العملة الصعبة، بينما فتحت مصر باب تسوية الأوضاع العسكرية للمغتربين مقابل 5000 دولار. هذه الإجراءات تعكس تحول الدولة من مقدم خدمة إلى جهة تبحث عن تعظيم الربح من مواطنيها في الخارج لمواجهة الانهيارات الاقتصادية.

تصنف الدول في تعاملها مع الرسوم إلى أربعة أنماط، أولها 'دولة التكلفة' التي تفرض رسوماً رمزية تغطي النفقات الإدارية فقط كما في ألمانيا وكندا. أما النمط الثاني فهو 'الدولة التاجر' التي تقدم خدمات فائقة الجودة مقابل رسوم مرتفعة، وهو النموذج المتبع في بعض مدن الإمارات وسنغافورة لتعزيز بيئة الأعمال.

النمط الثالث هو 'دولة الجباية' التي تعتبر الختم الرسمي حقاً مطلقاً لفرض رسوم تفوق القدرة الشرائية للمواطن، مما يحول الخدمة إلى عبء مالي ثقيل. وأخيراً تبرز 'دولة الاشتراكات' التي تبيع حق العضوية أو الجنسية مقابل مبالغ مالية مباشرة، وغالباً ما تكون هذه الجنسيات لأغراض التسهيلات التجارية أو السفر دون اندماج حقيقي.

يحذر الفكر الخلدوني من تحول الدولة إلى 'جابية' فقط، معتبراً أن زيادة الضرائب والرسوم بشكل مفرط هو إيذان بخراب العمران وتقويض الإنتاج. فعندما يشعر الفرد أن أمواله تُنتزع منه باستمرار دون مقابل عادل، يتراجع حافزه للعمل وينظر للدولة كخصم مالي بدلاً من كونها حامياً وراعياً للمصالح العامة.

ظهر في الأدبيات السياسية الحديثة مفهوم 'الدولة المفترسة' (Predatory State)، وهي الدولة التي تسعى لتعظيم مكتسباتها على حساب رفاهية المجتمع واستقراره. هذا النموذج يطغى عندما تتراجع العدالة الاجتماعية ويصبح معيار النجاح الحكومي هو تحقيق العوائد المالية ورفع مؤشرات الأداء الرقمية فقط، متجاهلاً الدور الأخلاقي والوظيفي للدولة.

في الختام، يظل التوازن بين حاجة الدولة للمال وحق المواطن في الخدمة هو التحدي الأكبر، فبينما تستخدم دول متقدمة الرسوم كأداة لتنظيم السياسات العامة مثل الحد من التلوث، تستخدمها دول أخرى كأداة للابتزاز السياسي والاقتصادي. إن تحول الهوية إلى سلعة يضع مفهوم السيادة الوطنية أمام تساؤلات أخلاقية وقانونية كبرى في العصر الحديث.