تحليل

السّبت 14 مارس 2026 2:43 مساءً - بتوقيت القدس

تزايد التكهنات باجتياح بري إسرائيلي للبنان وسط تصاعد الحرب الإقليمية

واشنطن – سعيد عريقات – 14/3/2026

تحليل إخباري

تتصاعد في الأسابيع الأخيرة التكهنات حول احتمال إقدام إسرائيل على شن غزو بري واسع داخل الأراضي اللبنانية في خطوة قد تمثل أخطر توسع للحرب الجارية في المنطقة منذ اندلاع المواجهة مع إيران أواخر شباط الماضي. فالتقارير الإعلامية الأميركية والإسرائيلية تشير إلى استعدادات عسكرية متسارعة على الحدود الشمالية لإسرائيل بينما تتزايد التحذيرات الدبلوماسية من أن أي عملية برية كبيرة قد تدفع المنطقة إلى مرحلة جديدة من التصعيد يصعب احتواؤها سياسياً أو عسكرياً خصوصاً في ظل التوتر المتزايد بين طهران وواشنطن وحلفائهما في الشرق الأوسط حالياً جداً.

وبحسب ما نقله موقع أكسيوس الإخباري الأميركي يوم السبت عن مسؤولين إسرائيليين وأميركيين فإن الخطة التي تبحثها تل أبيب تقوم على توسيع العمليات البرية بهدف السيطرة على المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني ودفع مقاتلي حزب الله شمالاً بعيداً عن الحدود الإسرائيلية إضافة إلى تدمير البنية العسكرية للحزب في القرى الجنوبية. ويقول مسؤول إسرائيلي إن الحكومة برئاسة بنيامين نتنياهو كانت تميل إلى احتواء المواجهة للتركيز على الجبهة الإيرانية لكن إطلاق أكثر من مئتي صاروخ من لبنان غيّر الحسابات ودفع القيادة العسكرية إلى دراسة خيار الاجتياح البري الواسع المحتمل.

وتشير تقارير ميدانية إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي أبقى منذ اندلاع الحرب مع إيران وحدات مدرعة وقوات مشاة كبيرة قرب الحدود اللبنانية كما نفذ خلال الأسابيع الماضية عمليات توغل محدودة داخل بعض القرى الحدودية. وفي يوم الجمعة أعلن جيش الاحتلال إرسال تعزيزات إضافية واستدعاء قوات احتياط تمهيداً لعملية أوسع. ويقول مسؤولون إن الهدف المباشر يتمثل في السيطرة على الأرض وتفكيك مواقع حزب الله ومستودعات أسلحته، غير أن مراقبين يحذرون من أن مثل هذه العملية قد تتحول سريعاً إلى حرب استنزاف طويلة داخل القرى والبلدات الجنوبية المكتظة بالسكان.

في المقابل يؤكد حزب الله أنه مستعد لمواجهة أي اجتياح بري محتمل. فقد قال القيادي نعيم قاسم إن التهديدات الإسرائيلية لا تخيف الحزب بل قد تتحول إلى فخ عسكري للقوات المهاجمة. ويستند هذا الموقف إلى تجربة الصراع الطويل مع إسرائيل حيث تمكن الحزب سابقاً من إجبار الجيش الإسرائيلي على الانسحاب من جنوب لبنان بعد سنوات من القتال، كما خاض مواجهة قاسية في حرب عام 2006، وهو ما يدفع قادته إلى الاعتقاد بأن أي توغل بري جديد سيواجه مقاومة عنيفة وطويلة داخل البيئة المحلية للحزب هناك.

إنسانياً تبدو الكلفة مرشحة للارتفاع بسرعة. فقد أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي أوامر إخلاء واسعة في جنوب لبنان شملت للمرة الأولى بلدات تقع شمال نهر الليطاني إضافة إلى مناطق في الضاحية الجنوبية لبيروت. وتفيد تقديرات لبنانية بأن نحو ثمانمئة ألف شخص اضطروا إلى النزوح من منازلهم بينما تجاوز عدد القتلى سبعمئة شخص كثير منهم مدنيون. وقد حذرت منظمات إنسانية من أن اتساع العمليات البرية قد يفاقم الأزمة الإنسانية في بلد يعاني أصلاً من انهيار اقتصادي حاد وضعف في البنية الصحية والخدمات الأساسية منذ سنوات طويلة جداً بالفعل.

سياسياً تؤكد مصادر أميركية أن إدارة ترمب طلبت من إسرائيل تجنب استهداف مطار بيروت أو منشآت حكومية رئيسية، غير أن هذه الضوابط لا تغير كثيراً في حقيقة الدعم الأميركي الواسع للعملية العسكرية. إذ نقل موقع أكسيوس عن مسؤول إسرائيلي قوله إن تل أبيب تشعر بأنها تحظى بدعم أميركي كامل. وتراهن واشنطن في الوقت نفسه على أن تقود الضغوط العسكرية إلى مفاوضات أوسع قد تفضي في نهاية المطاف إلى اتفاق ينهي رسمياً حالة الحرب القائمة بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1948 وحتى اليوم نظرياً على الأقل.

غير أن تطورات الحرب الإقليمية تجعل هذه الحسابات شديدة التعقيد. فقد تصاعدت المواجهة بعد اغتيال المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي في هجوم أميركي إسرائيلي مشترك، وهو حدث دفع طهران وحلفاءها إلى توسيع الرد العسكري عبر جبهات متعددة من بينها لبنان والعراق والخليج. كما حذّر خبراء أمميون من أن الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران ولبنان قد تشكل انتهاكاً للقانون الدولي وتنذر بتوسّع الصراع ليشمل المنطقة بأكملها خصوصاً مع تهديد طرق الطاقة في الخليج ومضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من نفط العالم اليوم تقريباً.

ويكشف الحديث المتزايد عن غزو بري إسرائيلي محتمل للبنان عن معضلة إستراتيجية قديمة تواجه تل أبيب كلما فكرت في التوغل داخل الأراضي اللبنانية. فالتجربة التاريخية منذ اجتياح 1982 وحتى حرب 2006 تظهر أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة تحقيق الاستقرار السياسي أو الأمني، بل غالباً ما تتحول الأراضي المحتلة إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد، وهو ما يدركه المخططون العسكريون الإسرائيليون جيداً. لكن الحسابات السياسية الداخلية وحسابات الردع الإقليمي تدفع القيادة الإسرائيلية أحياناً إلى المجازفة بعمليات واسعة رغم الكلفة البشرية والعسكرية المتوقعة في مثل هذا السيناريو.

ويرى مراقبون أن موقف إدارة ترمب يعكس نمطاً تقليدياً في السياسة الأميركية يقوم على منح إسرائيل هامشاً واسعاً من حرية الحركة العسكرية مع الاكتفاء ببعض الضوابط الشكلية المتعلقة بالبنية التحتية أو المدنيين. غير أن هذا الدعم السياسي والعسكري يضع وتجد واشنطن نفسها عملياً في موقع الشريك في أي تصعيد محتمل، خصوصاً إذا تحول الغزو البري إلى مواجهة إقليمية أوسع مع إيران وحلفائها. وعندها قد تجد الإدارة الأميركية نفسها أمام معادلة صعبة تجمع بين حماية حليفها الإسرائيلي وتجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة في الشرق الأوسط قد تتجاوز حساباتها.

ولا يمكن فصل التصعيد الجاري على الجبهة اللبنانية عن الحرب الأوسع الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. فاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي شكّل نقطة تحول استراتيجية دفعت حلفاء طهران في المنطقة إلى الانخراط المباشر في المواجهة. ومن هنا يصبح لبنان ساحة مركزية في هذا الصراع المتشعب حيث يتداخل المحلي بالإقليمي والدولي. ومع استمرار الضربات المتبادلة يزداد خطر توسع الحرب بما يتجاوز حدود لبنان وإسرائيل ليهدد طرق الطاقة العالمية والاستقرار الإقليمي ويضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين الاستراتيجي الطويل.

 


دلالات

شارك برأيك

تزايد التكهنات باجتياح بري إسرائيلي للبنان وسط تصاعد الحرب الإقليمية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.