أقلام وأراء

السّبت 06 يونيو 2026 11:34 صباحًا - بتوقيت القدس

المعارك التي لا نراها والضحايا الذين نحاكمهم


بعث لي صديقي الدكتور مؤيد بدران نصًا لامس جانبًا عميقًا من النفس البشرية، حين كتب: “نحن لا نعرف الحقيقة كاملة عن أحد، نرى الوجوه ونسمع الكلمات ونحكم على الناس من مظهرهم الخارجي، لكننا لا نرى المعارك التي تدور في أعماقهم كل يوم”.


توقفت طويلًا عند هذه الفكرة، ليس لأنها تصف الأفراد فقط، بل لأنها تفسر كثيرًا من المواقف التي نتخذها تجاه الآخرين، أفرادًا كانوا أم شعوبًا. فنحن غالبًا ما نرى النتيجة ولا نرى الطريق الذي أوصل إليها، ونشاهد الجرح ولا نعرف حجم النزيف الذي سبقه، ثم نسارع إلى إصدار الأحكام وكأننا نمتلك الحقيقة كاملة.


خلال سنوات الأسر الطويلة، كنت أراقب سلوكًا يتكرر بصورة لافتة. حين يمرض أحد الأسرى أو يتعرض لمحنة، كان هناك من يسارع إلى القول: “لو لم يفعل كذا لما وصل إلى ما وصل إليه”. في البداية ظننت أن الأمر مجرد محاولة لتفسير الأسباب، لكن مع تكرار المشهد اكتشفت أن المسألة أعمق من ذلك.


ففي كثير من الأحيان لم يكن الهدف فهم ما حدث بقدر ما كان البحث عن مبرر يعفي الآخرين من مسؤولية المساندة. فعندما نُحمّل المريض مسؤولية مرضه، نصبح أقل التزامًا بمساعدته. وعندما نُقنع أنفسنا بأن المتألم هو سبب ألمه، نرتاح من عبء التعاطف معه.


ربما لهذا السبب كتب الدكتور مؤيد بدران أيضًا: “فليس كل متأخر مهملاً، وليس كل صامت متكبرًا، وليس كل غاضب سيئًا، وليس كل مبتسم سعيدًا”. فخلف كل إنسان قصة لا نعرفها، ووجع لا نراه، وحمل ثقيل يحاول أن يخفيه عن العالم.


هذه القاعدة لا تنطبق على الأفراد فقط، بل تنطبق أيضًا على الشعوب حين تتعرض للمحن الكبرى. فما يحدث اليوم للشعب الفلسطيني، وما يعيشه أهلنا في جنوب لبنان، يكشف هذا الميل الإنساني بوضوح مؤلم. فبدل أن ينشغل كثيرون بحجم المعاناة الإنسانية وآثار الحرب والتهجير والفقد، ينشغلون بالبحث عن أسباب تجعل الضحية مسؤولة عما أصابها.


وكأن الطفل الذي فقد عائلته مطالب بأن يبرر موته، والمهجر الذي فقد منزله مطالب بأن يشرح أسباب تهجيره، والشعب الذي يعيش تحت القصف والحصار مطالب أولًا بإثبات براءته قبل أن يستحق التعاطف الإنساني.


إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يعجز عن مساعدة الضحايا، بل أن يفقد القدرة على رؤيتهم كضحايا أصلًا. عندها يتحول الألم إلى تهمة، ويتحول التعاطف إلى موقف مشروط، وتصبح المعاناة نفسها موضوعًا للمحاكمة.


لقد ذكرني نص صديقي بحقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن الإنسان لا يرى دائمًا المعارك التي يخوضها الآخرون. لكن هذا الجهل لا يمنحنا حق إصدار الأحكام، بل يحمّلنا مسؤولية أكبر في التواضع والرحمة.


فاللطف الذي تحدث عنه الدكتور مؤيد ليس مجرد خُلُق حسن، بل موقف أخلاقي من الحياة. أن تدرك أن الناس يحملون من الأعباء ما لا تعرفه، وأن الشعوب تحمل من الجراح ما لا تراه الشاشات، وأن واجب الإنسان ليس البحث عن مبررات للألم، بل البحث عن طرق لتخفيفه.


وفي زمن كثرت فيه الأحكام وقلّ فيه الإنصات، ربما نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى أن نتذكر أن هناك معارك لا نراها، وأن هناك بشرًا لا يطلبون منا أن نحمل أوجاعهم وكل ما يردونه ان نزيد وجعهم بأحكامنا المسبقة

دلالات

شارك برأيك

المعارك التي لا نراها والضحايا الذين نحاكمهم

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.