في خطوة غير مسبوقة منذ تأسيسها، قررت جمعية الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، يوم الجمعة، إعفاء المدعي العام كريم خان من منصبه. وجاء هذا القرار في أعقاب اتهامات وجهت للمسؤول البريطاني تتعلق بسلوك جنسي غير لائق تجاه موظفة في فريقه، وهي ادعاءات واجهها خان بنفي قاطع منذ ظهورها.
وأفادت مصادر دبلوماسية بأن عملية التصويت جرت خلال اقتراع سري في اجتماع خاص مغلق عُقد بمقر الأمم المتحدة في نيويورك. وقد أيد قرار العزل أكثر من 80 دولة من أصل 125 دولة عضو في المحكمة، وهو رقم يتجاوز النصاب القانوني المطلوب للإقالة والمحدد بـ 63 صوتاً.
وكشفت المصادر أن 13 دولة فقط صوّتت لصالح بقاء خان في منصبه، مما يعكس حجم الضغوط والتحولات داخل الجمعية العمومية للمحكمة. ويعد كريم خان، الذي شغل المنصب منذ عام 2021، أول مدعٍ عام يتم عزله بهذه الطريقة في تاريخ المحكمة الممتد منذ عام 2002.
من جانبه، تمسك كريم خان (56 عاماً) بموقفه الرافض لجميع الاتهامات المنسوبة إليه، واصفاً إياها بالمضللة. وكان خان قد تنحى مؤقتاً عن مهامه في مايو 2025 بانتظار نتائج تحقيق داخلي، قبل أن يتم إيقافه رسمياً عن العمل في يونيو بقرار من مكتب الجمعية.
وأكد الفريق القانوني للمدعي العام المعزول أن موكلهم لم يقم بأي علاقة غير قانونية مع الموظفة المعنية، معتبرين أن إجراءات العزل غير عادلة وتفتقر للأسس القانونية السليمة. وحذر محاموه في رسالة مفتوحة من أن هذا القرار قد يقوض استقلالية المدعين العامين في المستقبل ويجعلهم عرضة للضغوط السياسية.
وفي سياق ردود الفعل، سارعت إسرائيل إلى الترحيب بقرار العزل، معتبرة إياه انتصاراً لموقفها الرافض لتحقيقات المحكمة. ووصف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر القرار بأنه 'طال انتظاره'، زاعماً أن خان كان يسعى للتغطية على سلوكه عبر ملاحقة القادة الإسرائيليين.
إن عزل كريم خان كشف الإفلاس الأخلاقي لمدع عام فاسد، ومذكرات الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت مسيسة ومشينة ويجب إلغاؤها فوراً.
وحاولت سلطات الاحتلال توظيف قرار العزل للطعن في شرعية مذكرتي الاعتقال الصادرتين بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن السابق يوآف غالانت. وادعى ساعر أن المذكرات كانت 'مسيسة ومشينة'، مطالباً المحكمة بإلغائهما فوراً بدعوى أنها صدرت عن مدعٍ عام 'فاسد'.
ورغم المطالب الإسرائيلية، أكدت مصادر قانونية أن مذكرات الاعتقال لا تسقط تلقائياً بعزل المدعي العام، كونها صدرت بقرار قضائي من الدائرة التمهيدية الأولى. ولا تملك أي جهة سلطة سحب هذه المذكرات سوى قضاة المحكمة أنفسهم بناءً على معطيات قانونية بحتة، وليس بناءً على تغييرات إدارية.
وكان كريم خان قد تصدر المشهد الدولي في عام 2024 حينما طلب إصدار مذكرات توقيف بحق قادة الاحتلال بتهم ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة. وقد أثارت تلك الخطوة غضباً واسعاً في تل أبيب وواشنطن، مما أدى لفرض عقوبات أمريكية على خان وعدد من مسؤولي المحكمة.
وتواجه المحكمة الجنائية الدولية حالياً ضغوطاً هائلة، حيث أعلنت الولايات المتحدة عزمها إطلاق حملة دبلوماسية لتفكيك المحكمة أو تقويض صلاحياتها. وتأتي هذه التحركات في وقت تصر فيه المحكمة على اختصاصها القضائي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما يشمل غزة والضفة والقدس الشرقية.
ومن المقرر أن تبدأ جمعية الدول الأطراف إجراءات اختيار خلف لكريم خان في الفترة المقبلة، وسط توقعات بأن تستغرق العملية وقتاً طويلاً. ويرى مراقبون أن اختيار المدعي العام الجديد سيكون اختباراً حقيقياً لاستقلالية المحكمة وقدرتها على مواجهة التهديدات الدولية.
ويبقى مصير التحقيقات في الجرائم المرتكبة في فلسطين معلقاً بانتظار تعيين المدعي العام الجديد وتوجهاته القانونية. ومع ذلك، تظل مذكرات الاعتقال الحالية سارية المفعول، مما يضع القادة الإسرائيليين تحت طائلة الملاحقة الدولية في الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي.





شارك برأيك
الجنائية الدولية تعزل المدعي العام كريم خان وسط ترحيب إسرائيلي ومطالب بإلغاء مذكرات اعتقال نتنياهو