أثار وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث موجة واسعة من الجدل في الأوساط السياسية والدولية، عقب تصريحاته التي ربطت بشكل مباشر بين العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران وبين خطاب ديني عقائدي. وأكد هيغسيث في مقابلات إعلامية أن القوات المسلحة الأمريكية لا تقاتل بقدراتها التقنية فحسب، بل هي مدعومة بـ 'عناية الله'، محذراً من أن التشكيك في عزم واشنطن هو خطأ استراتيجي يرتكبه الخصوم.
ويرى مراقبون أن هذا النوع من الخطاب يعزز الانطباع السائد في العالم الإسلامي بأن الولايات المتحدة تخوض 'حرباً دينية' تحت غطاء سياسي وعسكري. وخلال ظهوره الأخير، شدد الوزير على تفوق المقاتل الأمريكي ليس فقط في العتاد، بل في الإرادة والارتباط الروحي، معتبراً أن المواجهة الحالية هي صراع ضد 'متطرفين' يسعون لتحقيق نبوءات دينية تدميرية.
ولم يكتفِ هيغسيث بالتصريحات الشفهية، بل نقل هذا النفس الديني إلى أروقة البنتاغون، حيث استشهد بآيات من 'المزامير' خلال مراسم رسمية لنقل رفات الجنود. وتحدث الوزير عن الرب باعتباره 'الصخرة' التي تدرب أيدي الجنود على القتال وأصابعهم على خوض الحروب، مما يعكس تداخلاً عميقاً بين معتقداته الشخصية ومهامه الرسمية كقائد لأقوى جيش في العالم.
وتستند رؤية هيغسيث إلى قناعة راسخة بأن الولايات المتحدة أمة مسيحية في جوهرها وتكوينها التاريخي، وهو ما يسعى للحفاظ عليه وتكريسه داخل المؤسسة العسكرية. ويرى الوزير أن 'ترسانة الإيمان' لا تقل أهمية عن 'ترسانة الحرية'، داعياً إلى استعادة الهوية الدينية التي يرى أنها تعرضت للتهميش لصالح اللغة العلمانية في العقود الأخيرة.
وتظهر الرموز التي يختارها الوزير عمق تأثره بتاريخ الحروب الصليبية، حيث يحمل أوشاماً لـ 'صليب القدس' وعبارات لاتينية كانت شعاراً للمقاتلين الأوروبيين في القرون الوسطى. هذه الرموز، بحسب تحليلات لمصادر إعلامية دولية، ليست مجرد زينة، بل تعبر عن فلسفة 'الله يريد ذلك' التي يتبناها في مواجهة ما يصفه بالتهديدات الوجودية.
وفي كتابه 'الحملة الصليبية الأمريكية'، يذهب هيغسيث إلى أبعد من ذلك، واصفاً المرحلة الحالية بأنها 'لحظة صليبية' تتطلب استنفاراً مسيحياً يشبه ما حدث قبل ألف عام. ويحذر الكتاب من خطر 'الإسلاميين' الذين يسعون لإعادة تشكيل المجتمعات، مؤكداً ضرورة المواجهة العسكرية والثقافية والجغرافية لدفع هذا المد إلى التراجع.
ويتبنى الوزير موقفاً متشدداً تجاه مفهوم 'الإسلام دين سلام'، معتبراً إياه 'وهماً' يعيق المهمة الأمريكية في حماية قيمها ومصالحها. ويزعم في مؤلفاته أن الإسلام في حالة حرب دائمة مع من يصفهم بـ 'الكفار' منذ تأسيسه، وهي رؤية تصادمية تثير مخاوف من تحويل الصراعات السياسية إلى حروب عقائدية لا تقبل الحلول الوسط.
أمريكا تأسست كأمة مسيحية، وما تزال أمة مسيحية في حمضها النووي، ولسنا فقط محاربين مسلحين بترسانة الحرية، بل نحن أيضاً مسلحون بترسانة الإيمان.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، يبرز دعم هيغسيث المطلق للاحتلال الإسرائيلي كجزء من عقيدته 'الصهيونية المسيحية'. فهو يرى في قوة إسرائيل ودفاعها الوجودي جزءاً من نبوءات الكتاب المقدس، معتبراً أن التحالف بين واشنطن وتل أبيب هو تحالف ديني وأخلاقي يتجاوز المصالح الجيوسياسية التقليدية.
وداخل وزارة الدفاع، أطلق الوزير مبادرات تهدف إلى تعزيز دور القساوسة العسكريين وتعديل أدلتهم الإرشادية لتشمل لغة دينية أكثر صراحة. كما بدأ بتنظيم صلوات شهرية في البنتاغون واستضافة شخصيات دينية تدعو إلى 'القومية المسيحية'، مما أثار قلق المنظمات المدافعة عن الحريات الدينية داخل الجيش.
وأفادت مصادر حقوقية عسكرية بأنها تلقت شكاوى عديدة حول تحول الخطاب داخل الوحدات القتالية إلى لغة مرتبطة بـ 'نهاية الزمان'. ويحذر خبراء من أن هذا التوجه يوفر مادة دعائية دسمة للجماعات المتطرفة في العالم الإسلامي، حيث يصور الصراع كحملة صليبية جديدة تستهدف الدول المسلمة بشكل مباشر.
وتشير أبحاث أكاديمية إلى أن أفكار هيغسيث تمثل مزيجاً بين 'القومية المسيحية' و'الاستثنائية الأمريكية'، وهي رؤية ترتب العالم في هرمية تضع المسيحيين في القمة. هذا التفكير يجعل من الصراع مع دول مثل إيران معركة قيم ومعتقدات، وليس مجرد نزاع على النفوذ الإقليمي أو البرنامج النووي.
ورغم الانتقادات، يبدو أن هيغسيث يحظى بدعم من قاعدة شعبية واسعة تؤمن بأن الولايات المتحدة يجب أن تعود إلى جذورها الدينية لمواجهة التحديات العالمية. ويرى هؤلاء أن 'التسامح' في نظر الوزير قد يعني 'الاستسلام'، وهو ما يرفضه تماماً في سياق إدارته لملفات الدفاع والأمن القومي.
وتعكس محاولات الوزير للتوفيق بين تعاليم السلام المسيحية ودعواته للمواجهة العسكرية، طبيعة المرحلة التي تمر بها الإدارة الأمريكية الحالية. فهو يرى أن وصايا 'إدارة الخد الآخر' لا تنطبق على وزير دفاع مكلف بحماية أمة في حالة صراع، مما يشرعن استخدام القوة المفرطة تحت غطاء ديني.
ختاماً، يمثل بيت هيغسيث نموذجاً جديداً من القيادات الأمريكية التي لا تخفي أجندتها الأيديولوجية، مما يضع العلاقات الأمريكية مع العالم الإسلامي في اختبار حقيقي. ومع استمرار الحرب العسكرية والسياسية، يبقى السؤال حول مدى تأثير هذه الرؤية 'الصليبية' على استقرار المنطقة ومستقبل التحالفات الدولية.





شارك برأيك
عقيدة 'الحملة الصليبية' في البنتاغون: كيف يرى وزير الدفاع الأمريكي العالم الإسلامي؟