فلسطين

السّبت 13 يونيو 2026 3:28 صباحًا - بتوقيت القدس

أطفال غزة.. عمالة قسرية تحت وطأة الحرب وأحلام مؤجلة خلف العربات والبسطات

يستيقظ الطفل مالك أبو نصر كل صباح ليبدأ رحلة شاقة في شوارع مدينة دير البلح، مجرراً عربة صنعها بجهد شخصي من بقايا كرسي متحرك متهالك. يسعى مالك، الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره، لتأمين قوت يوم عائلته النازحة التي تعيش في خيمة مهترئة، بعد أن فقد والده في غارة جوية إسرائيلية حولت حياتهم إلى صراع مستمر من أجل البقاء.

كان حلم مالك الصغير أن يصبح طبيب أسنان في المستقبل، لكن آلة الحرب أجبرته على ترك مقاعد الدراسة وحمل أعباء تفوق طاقته الجسدية. نزحت عائلته من بلدة بيت لاهيا شمال القطاع بعد تدمير منزلهم، لتستقر في منطقة حدودية خطرة شرق دير البلح، حيث بات هو السند الوحيد لوالدته وأشقائه الثلاثة.

في ظل أزمة المواصلات الخانقة وتدمير البنية التحتية، أصبحت عربة مالك وسيلة ضرورية لنقل أمتعة النازحين واحتياجاتهم مقابل مبالغ زهيدة. لا يتجاوز دخله اليومي 15 شيكلاً، وهو مبلغ ضئيل جداً لكنه يمثل شريان الحياة الوحيد لأسرته التي تعتمد عليه لتوفير الحد الأدنى من المتطلبات الأساسية في ظل الغلاء الفاحش.

تتحدث والدته، آلاء أبو نصر، بمزيج من الفخر والانكسار عن طفلها الذي كان متفوقاً في دراسته ويحفظ أجزاء من القرآن الكريم. تقول إن القلق لا يغادرها طوال ساعات غيابه في الأسواق، حيث يواجه مخاطر القصف والظروف الجوية القاسية بجسده الغض الذي أنهكه العمل الشاق قبل أوانه.

ولا تقتصر مأساة العمالة المبكرة على الذكور، بل امتدت لتشمل الفتيات اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة مباشرة مع قسوة الشارع. نور بارود، طفلة في الثالثة عشرة من عمرها، تقضي نهارها خلف بسطة لبيع الوقود المصنع محلياً من حرق النفايات البلاستيكية، وهو عمل محفوف بالمخاطر الصحية والبيئية.

نور التي كانت تحلم بدراسة الطب، باتت اليوم خبيرة في أنواع الوقود البديل الذي يلجأ إليه السكان بسبب حصار الوقود ومنع دخوله للقطاع. تؤكد الطفلة أن الحرب سلبتها حقها في اللعب والتعليم، وجعلتها مسؤولة عن مساعدة والدها في تأمين احتياجات الأسرة المتزايدة في ظل الانهيار الاقتصادي.

من منظور اجتماعي، ترى أخصائية التنمية البشرية نوال عسقول أن عمالة الأطفال في غزة لم تعد مجرد ظاهرة عابرة، بل تحولت إلى استراتيجية بقاء قسرية. وأوضحت أن الطفل في غزة انتقل من كونه كائناً يحتاج للرعاية إلى معيل لأسرة كاملة، مما يخلق فجوات نفسية واجتماعية عميقة ستظهر آثارها مستقبلاً.

وتشير عسقول إلى وجود 'جيش من الأيتام' أنتجته الحرب، حيث فقدت آلاف الأسر معيلها الأساسي، مما دفع الأطفال للانخراط في مهن شاقة وخطيرة. هذه الظاهرة تطال الفتيات والفتيان على حد سواء، حيث يجوبون الشوارع وينبشون النفايات بحثاً عن مواد يمكن بيعها أو استخدامها كوقود للطهي.

حقوقياً، يصف مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، علاء السكافي، ما يحدث بأنه 'جريمة مركبة' يرتكبها الاحتلال بحق الطفولة الفلسطينية. وأكد أن استهداف المنظومة التعليمية وقتل الآباء يدفع الأطفال قسراً نحو سوق العمل، وهو ما يندرج ضمن سياسات تدمير المجتمع الفلسطيني كلياً أو جزئياً.

وأوضح السكافي أن حرمان الأطفال من الحق في الأمان واللعب والتعليم هو انتهاك صارخ للمواثيق الدولية، خاصة في ظل تعمد الاحتلال جعل الحياة في غزة مستحيلة. هذه الظروف تجبر الأطفال على القيام بأعمال لا تتناسب مع أعمارهم، مثل نبش الركام والعمل في بيئات ملوثة وخطرة.

وتعزز الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية هذا الواقع المأساوي، حيث كشفت عن وجود أكثر من 64 ألف يتيم في القطاع. من بين هؤلاء، فقد نحو 55 ألف طفل أحد والديهم أو كليهما خلال أشهر الحرب المستمرة، مما يضع عبئاً هائلاً على المؤسسات الإغاثية المنهكة أصلاً.

يعيش هؤلاء الأطفال الأيتام في ظروف إنسانية بالغة القسوة، حيث يفتقرون للمأوى الدقيق والرعاية الصحية والتعليمية المنتظمة. هذا الفقدان الجماعي للمعيلين جعل من عمالة الأطفال الخيار الوحيد لتجنب الجوع والموت، في ظل عجز المنظومة الدولية عن توفير الحماية اللازمة لهم.

بينما يحتفل العالم باليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال، تبدو الشعارات الدولية بعيدة كل البعد عن واقع الطفل الغزي الذي يصارع الموت والعمل معاً. إن تحول أجساد الأطفال إلى أدوات شقاء هو النتيجة المباشرة لسياسة الحصار والقصف الممنهج التي تستهدف مستقبل الأجيال القادمة في القطاع.

تظل قصص مالك ونور نماذج لآلاف الحالات التي لم تسلط عليها الأضواء، حيث تضيع الأحلام الكبيرة خلف البسطات الصغيرة وعربات النقل اليدوية. إن استمرار هذا الواقع يهدد بنشوء جيل كامل محروماً من التعليم، ومحملاً بندوب نفسية وجسدية قد لا تندمل حتى بعد توقف المدافع.

دلالات

شارك برأيك

أطفال غزة.. عمالة قسرية تحت وطأة الحرب وأحلام مؤجلة خلف العربات والبسطات

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.