أقلام وأراء

السّبت 14 مارس 2026 2:35 مساءً - بتوقيت القدس

أوهام 'زلوط' السياسية: قراءة في طموحات التحالف الصهيوني الأمريكي تجاه إيران

تبرز في الثقافة الشعبية السودانية أسطورة الديك 'زلوط'، ذلك الكائن الهزيل الذي كان يغرق في أحلام اليقظة حول القوة والسيادة، لينتهي به المطاف دائماً بخسارة ما تبقى من ريشه. هذه الرمزية تبدو اليوم حاضرة بقوة عند قراءة المشهد السياسي في الشرق الأوسط، حيث يندفع التحالف الصهيوني الأمريكي نحو مغامرات عسكرية غير محسومة النتائج، محولاً الرغبات السياسية إلى أحلام تصطدم بصخرة الواقع المعقد.

يقف الرأي العام العربي والإسلامي اليوم في حالة انقسام تجاه المواجهة الحالية؛ فبينما يجد البعض صعوبة في التعاطف مع الأطراف المتصارعة نظراً لسجلاتها التاريخية، يرى آخرون أن الاعتداء الغاشم الذي يقوده الثنائي نتنياهو وترامب يتجاوز الخلافات السياسية ليصبح تهديداً وجودياً للمنطقة برمتها. إن هذا التحالف، الذي يوصف بأنه يقود سياسات 'عمى الألوان'، يغامر بإشعال حرائق مدمرة بذرائع قد لا تصمد أمام الاختبار الأخلاقي أو الاستراتيجي.

لقد نجحت إيران، رغم كونها المستهدفة في هذه الحرب، في صنع عداوات واسعة عبر عقود من السياسات الإقليمية المثيرة للجدل. ومع ذلك، فإن الموقف الأخلاقي السليم يقتضي التمييز بين الخلاف مع سياسات طهران وبين رفض العدوان الذي تقوده قوى استعمارية تسعى لإعادة تشكيل الخارطة وفق رؤى أيديولوجية متطرفة، تدعي تنفيذ وعود غيبية تتجاوز حدود المنطق السياسي الحديث.

تشير التقارير إلى أن الأهداف المعلنة للتحالف الصهيو-أمريكي قد تطورت بشكل دراماتيكي؛ فبعد أن كان الهدف المعلن في منتصف عام 2025 هو تدمير البرنامج النووي، انتقل سقف الطموحات في فبراير 2026 إلى المطالبة بالاستسلام غير المشروط وإسقاط النظام القائم في طهران. هذا التصعيد يعكس رغبة جامحة في السيطرة المطلقة، متجاهلاً القدرات الدفاعية والعمق التاريخي للدولة الإيرانية.

يرى مراقبون أن اندفاع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في هذه الحرب قد لا يكون نابعاً فقط من مصالح استراتيجية، بل قد يرتبط بضغوط داخلية وملفات شخصية معقدة. وثمة تحليلات تشير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يمارس نوعاً من الابتزاز السياسي لضمان استمرار الدعم الأمريكي المطلق في مغامراته العسكرية التي يحلم بها منذ عقود.

إن الرهان على انهيار الدولة الإيرانية من الداخل نتيجة الضربات الجوية قد أثبت فشله في تجارب تاريخية عديدة. فرغم وجود معارضة داخلية لسياسات الحكم، إلا أن الشعوب غالباً ما تتوحد خلف قياداتها عند تعرض بلادها لعدوان خارجي يستهدف البنية التحتية والسيادة الوطنية، وهو ما يجعل من فكرة 'تغيير النظام' عبر القوة العسكرية رهاناً خاسراً.

إيران ليست مجرد حدود رسمتها القوى الاستعمارية في القرن الماضي، بل هي كيان سياسي واجتماعي يمتد لآلاف السنين، ولم يخضع قط لاستعمار مباشر طويل الأمد. هذا الإرث الحضاري يمنح الشعب الإيراني قدرة على الصمود والمناورة لا تتوفر في نماذج دول أخرى حاول التحالف الأمريكي التعامل معها بنفس العقلية العسكرية التبسيطية.

لقد أخطأت الحسابات الأمريكية حين ظنت أن التعويل على جماعات عرقية أو معارضة مسلحة في الأطراف يمكن أن يؤدي إلى سقوط طهران. إن الواقع الميداني أثبت أن هذه الرهانات تنتهي غالباً بفصائح عسكرية، وتؤدي إلى نتائج عكسية تزيد من تلاحم الجبهة الداخلية الإيرانية في مواجهة ما يصفونه بالعدو الخارجي.

في سياق الحرب الحالية، يبرز التناقض الصارخ بين الخطاب الدبلوماسي والأهداف العسكرية الحقيقية. فبينما يتحدث التحالف عن 'تحرير' الشعب الإيراني، تستهدف الصواريخ المرافق المدنية والخدمية، مما يكشف عن رغبة في تحطيم مقدرات الدولة الاقتصادية والنفطية، وهو ما يعزز القناعة بأن الهدف هو الهيمنة وليس الديمقراطية.

إن التهديدات التي يطلقها قادة التحالف بالوصول إلى دجلة والفرات، أو ربط الحرب بنبوءات دينية حول 'نهاية الزمان'، تضفي طابعاً قدسياً خطيراً على الصراع. هذا النوع من الخطاب يلغي مساحات التفاوض السياسي ويحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة لا يمكن التنبؤ بنهايتها أو السيطرة على تداعياتها الإقليمية.

على الشط الغربي من الخليج، تزداد المخاوف من تحول الصراع إلى حرب إقليمية شاملة تطال شراراتها الجميع. إن الخطأ الاستراتيجي في توسيع رقعة الاستهداف ليشمل دول الجوار يعقد المشهد أكثر، ويجعل من الصعب على أي طرف البقاء بمنأى عن النيران المشتعلة التي يذكيها التحالف الصهيوني الأمريكي.

سيذكر التاريخ أن محاولات فرض الإرادة الخارجية على شعوب المنطقة عبر القوة الغاشمة لم تؤدِ إلا إلى مزيد من الدمار وعدم الاستقرار. إن الحلم بتقرير مصير أمة عريقة مثل إيران من مكاتب واشنطن أو تل أبيب هو تكرار لنفس الأخطاء التي ارتكبت في العراق وأفغانستان، مع فارق الحجم والقدرة.

في نهاية المطاف، ستضع الحرب أوزارها يوماً ما، وسيكتشف العالم أن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها صياغة هوية الشعوب أو تغيير قناعاتها. إن التحالف الذي يقوده نتنياهو وترامب قد ينجح في التدمير، لكنه سيفشل حتماً في البناء أو في تحقيق 'الاستسلام' الذي يطمحون إليه، لتبقى أحلامهم مجرد صدى لأوهام 'زلوط'.

يبقى الرهان الحقيقي على وعي الشعوب وقدرتها على التمييز بين الصراعات السياسية وبين المخططات الاستعمارية. إن الشرق الأوسط يحتاج إلى حلول نابعة من داخله، بعيداً عن تدخلات القوى التي لا ترى في المنطقة سوى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية أو تحقيق أوهام العظمة الزائفة.

دلالات

شارك برأيك

أوهام 'زلوط' السياسية: قراءة في طموحات التحالف الصهيوني الأمريكي تجاه إيران

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.