واشنطن – "القدس" دوت كوم -سعيد عريقات
عاد الجدل حول خطاب الهجرة في الولايات المتحدة إلى الواجهة بقوة بعد تصريحات حادة وجّهها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب ضد الجالية الصومالية في ولاية مينيسوتا، ولقبهم ب"القمامة" وهو ما أثار موجة من الانتقادات الواسعة داخل الأوساط البرلمانية والحقوقية. وقد كانت النائبة الديمقراطية إلهان عمر، وهي أول امرأة مسلمة من أصول صومالية تنتخب للكونغرس، الأكثر صراحة في مواجهته، معتبرة أن تصريحاته ليست مجرد موقف سياسي عابر، بل جزء من "إستراتيجية منظمة تستفيد من تأجيج المخاوف العرقية والهوية لإحراز مكاسب انتخابية".
وفي مقابلة مع برنامج ذي ليد The Lead على شبكة CNN، أكدت عمر أنها لم تتفاجأ قط من هذه التصريحات، مشيرة إلى أن ترمب دأب، بحسب قولها، على توظيف خطاب يستهدف الأقليات الدينية والعرقية كلما واجه ضغوطًا سياسية أو تراجعًا في استطلاعات الرأي. وترى عمر أن هذه الأساليب أصبحت مكوّنًا أساسيًا في الخطاب اليميني الشعبوي، وأنها تعكس محاولة لصرف الأنظار عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الولايات المتحدة.
وأضافت عمر أن خطابات ترمب لا تبقى في إطار الجدل السياسي، بل تحمل آثارًا ملموسة على حياة الناس. فعندما تُستهدف جالية محددة—كما تقول—فإن ذلك يشجع على السلوكيات العدائية ويزيد من احتمالات تعرضها للتهديد أو الترهيب. ودعت إلى ضرورة حماية المجتمعات المهاجرة في ظل مناخ سياسي يتسم بالاستقطاب ويغذيه، برأيها، خطاب يقوم على التضخيم والتهويل.
وأشارت النائبة إلى سلسلة من الإجراءات الأمنية التي اتُّخذت مؤخرًا في مينيسوتا بحق مهاجرين صوماليين غير مسجلين، معتبرة أنها "لا تسهم إطلاقًا في تعزيز الأمن، بل تزيد من منسوب الخوف داخل الجالية، وتخلق فجوة أعمق بين السلطات والمجتمع المحلي". وانتقدت ما وصفته بـ"التسييس المفرط" لقضايا الهجرة واللجوء، مؤكدة أن ذلك يؤدي إلى نتائج عكسية ويقوّض الثقة بين المواطنين والدولة.
ويأتي هذا السجال في لحظة سياسية شديدة الحساسية بالنسبة للولايات المتحدة. فملف الهجرة، خاصة حين يرتبط بالمسلمين والأفارقة، ظل مادة ملتهبة في الحملات الانتخابية خلال العقد الماضي، وبرز كأحد المكونات الأساسية لخطاب ترمب، سواء خلال حملته الانتخابية الأولى عام 2016 أو خلال السنوات الأربع التي أمضاها في البيت الأبيض. وقد شهدت تلك الفترة ارتفاعًا في مستوى الاستقطاب السياسي، وتزايدًا في الاحتجاجات والجدل حول سياسات الهجرة، وخصوصًا قرار “حظر السفر” الذي استهدف دولًا ذات أغلبية مسلمة.
وفي المقابل، يدعم مؤيدو ترمب خطابه العنصري، ويدعون أن ما يقوله يعكس "مخاوف أمنية مشروعة"، وأن انتقاداته للجالية الصومالية تتعلق—بحسب تعبيرهم—بقضايا اندماج وبنقاط ضعف في السياسات المحلية. لكن هذا التبرير لا يلقى قبولًا واسعًا داخل قطاعات كبيرة من المجتمع الأميركي التي ترى أن الخطاب السياسي يجب ألا يكون أداة لاستهداف مجموعات بعينها على أساس الأصل أو الهوية.
ومع تصاعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يبدو أن ملف الهجرة سيظل مادة مركزية في السجال القائم. فبين خطاب جمهوري يوظف المخاوف الأمنية والحدودية، وخطاب ديمقراطي يدعو إلى مقاربة أكثر إنسانية وشمولًا، تتواصل معركة تشكيل رأي عام منقسم حول أحد أقدم وأكثر الملفات حساسية في المشهد الأميركي.
وبات خطاب الهجرة عنصرًا أساسيًا في الاستراتيجيات الانتخابية لدى التيار اليميني في الولايات المتحدة. فاستهداف المهاجرين—خاصة المسلمين والأفارقة—يساهم في حشد قاعدة ترمب الشعبية التي ترى في سياسات الهجرة تهديدًا للهوية الوطنية والأمن الداخلي. وفي المقابل، يضع هذا الخطاب الديمقراطيين في زاوية الدفاع عن الحقوق المدنية، مما يزيد الاستقطاب ويحوّل الجدل السياسي إلى معركة هويات بدل أن يكون نقاشًا برلمانيًا حول السياسات العامة.
وتتأثر المجتمعات المهاجرة، ولا سيما الصومالية في مينيسوتا، بشكل مباشر بالخطاب العدائي، ليس فقط عبر ارتفاع احتمالات التعرض للتهديد، بل أيضًا من خلال تراجع ثقتها بالمؤسسات الحكومية. هذا يؤدي إلى انخفاض التعاون مع أجهزة الأمن، ويجعل معالجة الإشكالات الاجتماعية والأمنية أكثر تعقيدًا. أي أن الخطاب السياسي لا يبقى في الإعلام وحيز السجال ؛ بل ينعكس فعليًا على العلاقات بين الدولة والمجتمع.
وتعكس الأزمة الراهنة "أزمة" أعمق في المجتمع الأميركي، حيث تتزايد المخاوف من أن التحريض السياسي المعتمد على الهوية سيُنتج انقسامًا مستدامًا. فحين يصبح "الآخر" مادة أساسية في خطاب سياسي يسعى لتعبئة الناخبين، فإن ذلك يهدد مفهوم المواطنة المشتركة ويخلق فجوات اجتماعية يصعب ردمها. هذا الاتجاه يعيد إنتاج نماذج تاريخية شهدتها الولايات المتحدة في مراحل سابقة، لكنه اليوم يتخذ بعدًا أخطر بفعل وسائل التواصل الاجتماعي والاستقطاب الإعلامي.