عربي ودولي

الجمعة 05 ديسمبر 2025 6:04 مساءً - بتوقيت القدس

ترمب يستعد لإعلان بدء المرحلة الثانية في غزة في خطة أميركية لفرض واقع جديد

واشنطن – "القدس" دوت كوم - سعيد عريقات 

تستعد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للإعلان عن الانتقال إلى "المرحلة الثانية" من خطتها الخاصة بغزة خلال الأيام المقبلة، في محاولة لإظهار تقدم سياسي بعد شهور من الجمود. غير أن هذا الاندفاع الأميركي لا يعكس واقعية سياسية بقدر ما يكشف رغبة واشنطن في فرض تصور أحادي على قطاع أنهكته الحرب والحصار، بينما تتجاهل الإدارة أنّ الطرفين الأكثر تأثيرًا على الأرض—الاحتلال الإسرائيلي والفصائل الفلسطينية—لا يزالان بعيدين عن قبول أي من عناصر هذه الخطة.

وتروّج الإدارة لخارطة طريق جديدة تزعم أنها تهدف إلى "ستقرار غزة" عبر إنشاء آليات حكم وأمن بديلة لحماس، لكنها في جوهرها محاولة لفرض نموذج يخدم المصالح الأمنية الإسرائيلية أولاً، ويوفر لواشنطن موطئ قدم سياسي وأمني طويل الأمد في القطاع. فالحكومة التكنوقراطية المقترحة ليست نتاج عملية فلسطينية داخلية، بل جسم إداري مُصمم خارجياً، يعمل تحت إشراف دولي، ويستبعد القوى السياسية الفاعلة، ما يجعل المشروع أقرب إلى عملية "هندسة سياسية" تُدار من الخارج.

وتكشف الخطة حجم الانفصام بين الرؤية الأميركية والواقع على الأرض بشان نزع سلاح حركة حماس. فالولايات المتحدة تعلم أن نزع سلاح حماس دون تسوية سياسية شاملة ليس مطروحًا، ومع ذلك تصر على جعله شرطًا مسبقًا للحكم الجديد. في المقابل، ترفع إسرائيل سقف مطالبها إلى الحد الأقصى، مطالبة بنزع كامل وفوري للسلاح قبل أي انسحاب من القطاع، في موقف يعكس رغبتها في إبقاء غزة تحت السيطرة الميدانية أطول مدة ممكنة. وهكذا تجد واشنطن نفسها تتبنى الشروط الإسرائيلية عمليًا، ثم تحاول تغليفها بغطاء دولي.

وتخطط واشنطن لنشر "قوة تحقيق الاستقرار الدولية" في مطلع عام 2026، في خطوة تعكس اعتقادًا خاطئًا بأن فرض قوة خارجية على القطاع قد ينتج استقرارًا دائمًا. لكن القوة المقترحة—المصممة مسبقًا بما يرضي إسرائيل ويرفض مشاركة تركيا فيها—ستدخل بيئة معقدة، وتواجه رفضًا فلسطينيًا واسعًا باعتبارها امتدادًا للهيمنة الخارجية وليس حلاً للصراع. حتى الدول التي أبدت استعدادًا للمشاركة مثل أندونيسيا وأذربيجان تدرك أن الانتشار دون توافق فلسطيني شامل سيجعلها طرفًا في معادلة متفجرة وليست قوة حياد.

وفي إطار إدارة القطاع، تقترح واشنطن لجنة تكنوقراط فلسطينية من 12 إلى 15 عضوًا، تعمل تحت إشراف "مجلس إدارة دولي" يرأسه توني بلير، وتتبع بدوره "مجلس السلام" الذي سيقوده ترامب نفسه. هذا الترتيب يعكس رغبة أمريكية واضحة في نقل مركز القرار خارج غزة، وتكريس سلطة دولية فوقية تُقصي المجتمع المحلي عن إدارة شؤونه. ورغم ترويج واشنطن لذلك باعتباره "مرحلة انتقالية"، فإن التجارب الدولية السابقة—من كوسوفو إلى تيمور الشرقية—تكشف أن مثل هذه الإدارات غالبًا ما تتحول إلى هياكل بيروقراطية منفصلة عن المجتمع، وتُطيل أمد الأزمة بدل حلها.

وتحاول الولايات المتحدة دفع ملف إعادة الإعمار في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل حاليًا كجزء من إستراتيجية "خلق واقع جديد"، لكن هذه الخطوة تواجه رفضًا عربيًا ودوليًا واسعًا خشية تكريس تقسيم القطاع إلى منطقتين: واحدة يجري إعمارها تحت الوصاية الأمنية الدولية، وأخرى تترك رهينة للصراع. أما إسرائيل، فترفض أصلًا أي إعادة إعمار قبل نزع السلاح بالكامل، ملوّحة باستئناف الحرب إذا لم تلبِ حماس الشروط الإسرائيلية—وهو ابتزاز سياسي ينسف أساسيات أي عملية إعادة بناء حقيقية.

وبدلا من دفع مسار سياسي فلسطيني شامل، تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة مستقبل غزة عبر أدوات خارجية لا تستند إلى الشرعية المحلية. المقاربة الأمريكية تتجاهل جذور الأزمة—الاحتلال والحصار—وتستبدلها بنموذج وصاية دولية قد يُطيل الأزمة بدل معالجتها.

ويحول إصرار إسرائيل على نزع السلاح الكامل قبل أي خطوة سياسية الخطة إلى آلية لخدمة أهداف الاحتلال، ويتيح لتل أبيب الاحتفاظ بحق الفيتو على مكونات القوة الدولية وتفاصيل الانتقال. بهذا المعنى، تتحول الخطة الأمريكية إلى غطاء سياسي لمطالب إسرائيل، وليس مشروعًا مستقلاً لإعادة بناء غزة.

كما أن غياب مشاركة فعلية للقوى الفلسطينية—بما في ذلك الفصائل والمؤسسات المدنية—يجعل الخطة مفروضة من فوق، بلا قاعدة شعبية. أي حكومة تكنوقراط تُفرض دون توافق فلسطيني–فلسطيني ستفشل سريعًا، وربما تؤدي إلى مواجهة جديدة، ما يجعل "المرحلة الثانية" مشروعًا محفوفًا بآليات الفشل قبل أن يبدأ

دلالات

شارك برأيك

ترمب يستعد لإعلان بدء المرحلة الثانية في غزة في خطة أميركية لفرض واقع جديد

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.