أطرح في هذا المقال موضوعًا مركزيًا من مكونات الصمود الاجتماعي والثقافي في القدس، وهو الاقتصاد الثقافي، ذلك الحقل الذي يتقاطع فيه الإنتاج الثقافي مع شروط بقائه المادي، وتتداخل فيه القيمة الرمزية مع القدرة على الاستمرار والتأثير، ويستند المقال الى فرضية مركزية تتمثل بان المعركة في القدس تتجاوز القضايا الجيوسياسية، لتشمل المواجهة المستمرة على المعنى والرواية وهوية المدينة، وعلى الحق في إنتاج الثقافة وحمايتها من الاستنزاف والتهميش.
ومن هنا يحاول المقال الإجابة على السؤال المركزي التالي: لماذا لا يتحول الغنى الثقافي المقدسي المتراكم، بكل ما يحمله من مؤسسات ومبادرات وممارسات يومية، إلى قوة اقتصادية– ثقافية مستدامة، تعزز قدرة الفاعلين الثقافيين على الصمود، وتحوّل الثقافة من نشاط هش إلى بنية صمود فعّالة؟
- وفرة المعنى وهشاشة البنية الاقتصادية
تشكل الثقافة في القدس شبكة واسعة من الإنتاج الرمزي والمعرفي والفني ضمن حالة تراكم تحقق الوفرة في سياق الرمز والمعنى, الا انها لا تزال تصطدم ببنية اقتصادية هشة تجعل الاستمرار ذاته تحديًا يوميًا.
المفارقة الأساسية هنا أن القدس تمتلك رأسمالًا ثقافيًا كثيفًا، لكنه لا يتحول إلى منظومة إنتاج قادرة على الاستدامة، فالكثير من المبادرات الثقافية تعمل ضمن دورات قصيرة الأمد، مرتبطة بالمنح أو الجهود الفردية أو التطوع، دون أن تمتلك أدوات التحول إلى مشاريع اقتصادية – ثقافية مستقلة.
- ما الذي يمنع تشكل اقتصاد ثقافي متماسك في القدس؟
يمكن قراءة التحديات أو المعيقات في ثلاثة مستويات مترابطة:
1. ضعف البيئة الحاضنة للصناعات الثقافية: يحتاج الاقتصاد الثقافي إلى بيئة حاضنة ترتكز على بنية كاملة، تشمل التدريب، والتسويق، والحاضنات، والتمويل، ومساحات العرض، وأدوات الإنتاج الرقمي، اذ لا يمكن الاعتماد المطلق على الفعل الإبداعي فقط، وفي حالة القدس تتوفر جميع هذه العناصر لكنها مجزأة وغير مترابطة، حيث تنجح كثير من المؤسسات في إنتاج محتوى ثقافي نوعي، لكنها تفتقر إلى أدوات تحويل هذا المحتوى إلى دورة اقتصادية مستمرة، قادرة على خلق فرص عمل وتوسيع الأثر الاجتماعي.
2. الفصل بين القيمة الثقافية والاستدامة المالية: لا يزال هناك تصور ضمني لدى بعض الفاعلين الثقافيين بأن التفكير الاقتصادي يُضعف البعد الثقافي أو الرمزي للعمل، خلق هذا التصور ثنائية غير صحية بين الثقافة والاقتصاد، بينما الواقع يؤكد أن غياب النموذج الاقتصادي هو ما يهدد استمرارية الثقافة لا العكس، وتتجسد المشكلة هنا في غياب نموذج يربط الدخل بالرسالة الثقافية ويحوّله إلى أداة دعم لها، دون ان يكون بديلاً عنها.
3. السياق السياسي والإداري المقيد: لا يمكن فصل الاقتصاد الثقافي في القدس عن السياق السياسي والإداري الذي يؤثر في حركة المؤسسات، وإتاحة الموارد، وتنظيم الفعاليات، تشكّل هذه القيود جزءًا من الواقع البنيوي القائم، وهي معطى يجب إدراكه بوضوح دون أن يتحول إلى ذريعة لتعطيل الفعل أو تجميد المبادرة، غير أن التحدي الحقيقي لا يختزل في تشخيص هذه القيود، وإنما في تطوير أنماط عمل مرنة وواقعية تتعامل معها بوصفها جزءًا من بيئة العمل وعدم الاكتفاء بوصفها عائقًا خارجها، أي الانتقال من منطق التبرير أو التنظير إلى منطق الفعل القادرعلى التكيّف، عبر إرادة واعية تستثمر ما هو ممكن، وتعيد توظيف الفرص المتاحة لصناعة مسارات اقتصادية – ثقافية قابلة للحياة، بهذا المعنى، تصبح القيود نفسها جزءًا من معادلة الابتكار، وتشكل نقطة بداية لا نهاية لها، إذ يمكن تحويلها، عبر العمل التراكمي والشبكي، إلى فرص تنتج دائرة اقتصادية تدعم استدامة الفعل الثقافي.
- أين تكمن الفرص الممكنة؟
تمتلك القدس رغم هشاشة واقعها، فرصًا كامنة يمكن البناء عليها إذا تم التعامل معها بمنطق تنموي بدل منطق إدارة الأزمة فقط.
أولًا: الفضاء الرقمي كمساحة امتداد: فتح التحول الرقمي أفقًا جديدًا أمام الثقافة المقدسية، حيث أصبح بالإمكان إنتاج المحتوى الثقافي وتوثيق الذاكرة وتوزيع الإنتاج الفني خارج حدود الجغرافيا التقليدية، لا يعوض هذا الفضاء الحضور المادي، لكنه يوسع دائرة التأثير ويخلق مسارات جديدة للتمويل والتفاعل.
ثانيًا: ربط الثقافة بالاقتصاد المحلي الصغير: يمكن للمؤسسات الثقافية أن تتحول من منصات فعاليات إلى منصات إنتاج مهارات، عبر التدريب على إدارة المشاريع الإبداعية، وصناعة المحتوى، والحرف التراثية، والتسويق الثقافي، كما يمكن تحويل الثقافة إلى جزء من الاقتصاد المحلي اليومي، بدل الاعتماد عليها كنشاط
موازي فقط، يعزز هذا التحول من دور الشباب، ويخلق فرص عمل مرتبطة بالهوية الثقافية.
ثالثًا: بناء شبكات تعاون ثقافي – اجتماعي: أحد أبرز التحديات في المشهد الثقافي المقدسي تتجسد بالعمل المنفصل للمبادرات رغم تقاطع أهدافها، لذا يتيح العمل على بناء شبكات تعاون حقيقية تقاسم الموارد والخبرات، ويخفض الكلفة، ويضاعف الأثر، ويعزز نمو الاقتصاد الثقافي عبر التراكم الشبكي والتكامل.
- ما الذي يمكن فعله عمليًا؟
لتحويل هذه الرؤية إلى مسار قابل للتطبيق، يمكن البدء بخطوات تأسيسية واضحة:
1. إنشاء قاعدة بيانات ثقافية مقدسية توثق الفاعلين والمبادرات والاحتياجات والفجوات.
2. بناء شبكة تعاون مؤسسي بين المراكز الثقافية والتعليمية والاقتصادية.
3. تطوير نماذج تمويل مرنة ومتعددة المصادر تشمل التمويل المحلي، والشتات، والتمويل الجماعي.
4. تبني نموذج اقتصادي مزدوج يدمج بين الرسالة الثقافية والاستدامة المالية عبر ورش مدفوعة، وإنتاج رقمي، ومواد معرفية، وخدمات ثقافية.
- نحو اقتصاد ثقافي مستدام
يتجلى الاقتصاد الثقافي في القدس في أشكال متعددة من الإنتاج الثقافي والمبادرات الفردية والمؤسساتية، إلا أن هذه الحيوية ما تزال غير مهيكلة بالشكل الذي يسمح بتحويلها إلى منظومة اقتصادية مستدامة وفاعلة، فالمشكلة تتجسد في محدودية القدرة على تحويل هذا الرأسمال الثقافي المتراكم إلى قوة إنتاج مستمرة قادرة على التأثير والصمود.
يتداخل الفعل الثقافي في القدس مع معنى الوجود ذاته، لتصبح الثقافة أكثر من نشاط رمزي أو تعبير إبداعي، فهي جزء رئيسي من بنية الصمود الاجتماعي وآلية من آليات الحفاظ على الهوية واستمرارها، من هنا، فإن التفكير في الاقتصاد الثقافي لا ينبغي أن يُختزل كخيار تنموي ثانوي، وانما كمسار أساسي لحماية الفضاء الثقافي وتعزيز قدرته على الاستمرار والتجدد، والمقصود بالانتقال نحو اقتصاد ثقافي مستدام هو الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى البنية، ومن الجهود الفردية إلى الفعل الجماعي المنظم، ومن هشاشة الاستجابة إلى قوة الفعل المنتج، حيث تتحدد في هذا التحول ملامح مستقبل الثقافة في القدس، بإعتبارة حلقة توازن ما بين اقتصاد المعنى واقتصاد الإنتاج.
أقلام وأراء
الأربعاء 10 يونيو 2026 9:26 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
الاقتصاد الثقافي في القدس: الواقع والتحديات والفرص الممكنة