فلسطين

الأحد 12 أبريل 2026 12:57 مساءً - بتوقيت القدس

منازل الموت في غزة: مئات العائلات تواجه خطر الانهيار وسط ركام الحرب

تتفاقم المأساة الإنسانية في قطاع غزة مع اضطرار مئات العائلات الفلسطينية للعيش داخل منازل متصدعة وآيلة للسقوط في أي لحظة. وتأتي هذه الخطوة القسرية نتيجة الدمار الهائل الذي خلفه العدوان الإسرائيلي المستمر، ونقص الخيام ومراكز الإيواء البديلة التي يمكن أن تقيهم برد الشتاء أو مخاطر الانهيارات المفاجئة.

وأفادت مصادر ميدانية في غرب مدينة غزة بأن الاحتلال استخدم ترسانة عسكرية متنوعة شملت الزوارق الحربية والمدفعية الثقيلة لتدمير المربعات السكنية. هذا القصف الممنهج حول أحياء كاملة إلى ركام، مما جعل العائلات المتبقية تعيش في هياكل خرسانية تفتقر لأدنى مقومات الأمان والسلامة الإنشائية.

ويشكو السكان في تلك المناطق من انعدام الخدمات الأساسية، حيث يضطر المصابون والنازحون لقطع مسافات طويلة فجراً لتأمين مياه الشرب والحطب اللازم للتدفئة والطهي. وتزداد المعاناة مع غياب الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية، خاصة للأطفال والنساء الذين يمثلون الفئة الأكثر تضرراً من هذه الأوضاع المزرية.

وفي شهادات مؤلمة من قلب الركام، أكدت سيدة فلسطينية أن عائلتها تعيش وسط الحشرات والقوارض التي باتت تشاركهم ما تبقى من طحين ومواد غذائية شحيحة. وأوضحت أن الردم والأتربة تتساقط عليهم باستمرار أثناء نومهم، في ظل عجز كامل عن ترميم هذه المنازل أو الانتقال إلى أماكن أكثر أماناً بسبب التكلفة الباهظة للمعيشة.

وعلى الصعيد السياسي والعسكري، تفاخر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتدمير نحو 2500 مبنى سكني منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر الماضي. هذا التصريح يعكس سياسة تدميرية متعمدة تهدف إلى جعل قطاع غزة منطقة غير قابلة للحياة، حتى في فترات الهدوء النسبي المفترضة.

وتشير بيانات وزارة الصحة الفلسطينية إلى حجم الكارثة البشرية، حيث ارتفعت حصيلة الشهداء إلى أكثر من 72 ألفاً، فيما تجاوز عدد المصابين 172 ألف شخص. وقد طال الدمار الممنهج نحو 90% من البنية التحتية المدنية، مما وضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ إنساني وأخلاقي غير مسبوق لإغاثة المنكوبين.

وتناشد الأسر الفلسطينية الدول العربية والمؤسسات الدولية بضرورة التدخل الفوري لإدخال المساعدات الإغاثية والبدء في عمليات إعادة الإعمار. وتقدر الأمم المتحدة أن تكلفة إصلاح ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية تصل إلى 70 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الفجوة الكبيرة بين الاحتياجات الفعلية والمساعدات الشحيحة التي تصل للقطاع.

فلسطين

الأحد 12 أبريل 2026 12:42 مساءً - بتوقيت القدس

تحذيرات من انهيار منظومة الخبز في غزة جراء تقليص الاحتلال لإمدادات الدقيق

أطلق المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة نداء استغاثة عاجل، محذراً من نقص حاد وخطير في مادة الخبز الأساسية بكافة مناطق القطاع. وأكدت مصادر رسمية أن هذا التراجع يأتي نتيجة مباشرة لسياسات الاحتلال التي تتحكم في المنافذ الحدودية وتمنع وصول الكميات الكافية من الطحين، مما يهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية ووصولها إلى مستويات غير مسبوقة من الجوع.

وأوضح البيان أن الاحتلال الإسرائيلي يمارس ما وصفه بـ 'هندسة التجويع' ضد المدنيين، حيث يبلغ الاحتياج الفعلي للسكان نحو 450 طناً من الدقيق يومياً، في حين لا تسمح الإجراءات العسكرية بدخول أكثر من 200 طن. وأشارت المصادر إلى أن الكميات التي تدخل حالياً لا تتجاوز 38% من حجم التوريدات التي كانت تتدفق قبل اندلاع الحرب، رغم وجود اتفاقات دولية تنص على إدخال 600 شاحنة يومياً.

وتفاقمت الأزمة بشكل دراماتيكي عقب إعلان 'المطبخ المركزي العالمي' وقف دعمه الذي كان يوفر ما بين 20 إلى 30 طناً من الدقيق يومياً للمخابز. كما قام برنامج الغذاء العالمي بتقليص حصصه الموردة من 300 طن إلى 200 طن فقط، بالتزامن مع توقف مؤسسات إغاثية أخرى عن تقديم الدعم اللازم، مما وضع منظومة إنتاج الخبز على حافة الانهيار الشامل.

وعلى صعيد القدرة الإنتاجية، كشف المكتب الإعلامي أن عدد المخابز العاملة حالياً في القطاع لا يتجاوز 30 مخبزاً، تنتج مجتمعة حوالي 133 ألف ربطة خبز يومياً. وتوزع هذه الكميات المحدودة عبر 142 نقطة بيع، حيث يخصص جزء منها للتوزيع المجاني والباقي يباع بأسعار مدعومة، إلا أن هذه الجهود تظل قاصرة عن تلبية احتياجات 2.4 مليون نسمة يعيشون تحت وطأة الفقر والنزوح.

واختتم المكتب الإعلامي تحذيره بالتأكيد على وجود مخاطر حقيقية تهدد بتوقف ما تبقى من دعم إنساني، وهو ما قد يؤدي إلى توقف المخابز المتبقية عن العمل بشكل كامل. وشدد على أن استمرار هذه السياسة يعزز من حرب التجويع الممنهجة بحق المدنيين، داعياً المجتمع الدولي للتدخل الفوري لفتح المعابر وضمان تدفق المساعدات الغذائية دون قيود.

اسرائيليات

الأحد 12 أبريل 2026 12:12 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة صواريخ اعتراضية تضرب منظومة الدفاع الإسرائيلية وخلافات مالية تعطل الإنتاج

كشفت أوساط عسكرية في دولة الاحتلال، للمرة الأولى منذ سريان تفاهمات وقف إطلاق النار، عن وجود نقص تدريجي ومقلق في مخزونات صواريخ الاعتراض من طراز 'آرو 3'. وتأتي هذه الاعترافات في ظل صمت مطبق من وزارة المالية حيال مطالبات المؤسسة الأمنية بزيادة الميزانيات المخصصة للإنتاج الحربي، وهو ما يعكس عمق الأزمة الهيكلية في إدارة الموارد العسكرية خلال المواجهات الطويلة.

وذكرت مصادر اقتصادية عبرية أن اللجنة الوزارية للاستحواذ، التي يرأسها وزير الحرب يسرائيل كاتس، أقرت مؤخراً خطة تهدف إلى التسريع الكبير في وتيرة تصنيع صواريخ 'آرو 3'. وتسمح هذه الموافقة لشركة الصناعات الجوية الإسرائيلية بالتعاقد على شراء كميات إضافية وتطوير البنية التحتية اللازمة لدعم خطوط الإنتاج، وذلك بعد تأخيرات وصفت بالخطيرة في ظل التهديدات الباليسيتية المستمرة.

وتحيط السرية التامة بتفاصيل الصفقة الجديدة من حيث عدد الصواريخ أو النطاق الزمني للتسليم لأسباب تتعلق بأمن المعلومات القومي. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن قيمة الصفقات السابقة بلغت مليارات الدولارات، حيث تتجاوز تكلفة الصاروخ الواحد من هذا الطراز حاجز المليوني دولار، مما يجعله عبئاً اقتصادياً ثقيلاً على الميزانية العامة.

وأوضحت المصادر أن منظومة 'آرو' الدفاعية شكلت الركيزة الأساسية في التصدي للهجمات الصاروخية القادمة من جبهات بعيدة مثل إيران واليمن منذ أحداث السابع من أكتوبر. وقد شدد قادة المؤسسة العسكرية، وعلى رأسهم مدير عام مكتب وزير الأمن أمير برعام، على ضرورة اتخاذ قرارات فورية لضمان عدم استنزاف القدرات الدفاعية الجوية بشكل كامل.

وتخفي التصريحات الرسمية الرنانة خلفها صراعاً مريراً بين وزارتي الأمن والمالية حول آليات التمويل، حيث ترفض المالية منح 'شيكات مفتوحة' للجيش. وترى وزارة المالية أن ميزانية الدفاع تضخمت بشكل خرج عن السيطرة، وتطالب المؤسسة العسكرية بإيجاد مصادر تمويل داخلية من ميزانيتها الضخمة الحالية قبل طلب مخصصات إضافية.

في المقابل، تحذر المؤسسة العسكرية من أن المواجهات الصاروخية السابقة لم تكن سوى مقدمة لحروب أكثر تعقيداً وكثافة في المستقبل. وتؤكد المصادر أن هذا الخلاف المالي أدى بالفعل إلى تجميد أوامر الشراء لعدة أشهر، مما أثر بشكل مباشر على الجاهزية العملياتية لسلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة.

ولجأ جيش الاحتلال مؤخراً إلى تعديل سياسات الاعتراض الجوي كإجراء تقشفي للحفاظ على ما تبقى من مخزون صواريخ 'آرو'. وشملت هذه السياسة الاعتماد بشكل أكبر على منظومة 'مقلاع داود' لاعتراض الأهداف في مستويات منخفضة، رغم أن هذا الخيار يحمل مخاطر أمنية أكبر تتعلق بتناثر الشظايا فوق المناطق المأهولة.

وتشير التقارير التقنية إلى أن اعتراض الصواريخ خارج الغلاف الجوي بواسطة 'آرو 3' يضمن احتراق معظم الشظايا قبل وصولها للأرض. أما الاعتراض المنخفض بواسطة 'مقلاع داود' فقد يؤدي إلى سقوط ذخائر فرعية ورؤوس حربية مشتتة على مساحات واسعة، مما يتسبب في دمار مادي كبير وإصابات في صفوف المدنيين.

وبحسب تقرير صادر عن معهد الأبحاث البريطاني 'RUSI'، فإن وضع المخزونات الاستراتيجية لدى الاحتلال والولايات المتحدة وصل إلى مستويات حرجة. التقرير أكد أن مخزون صواريخ 'آرو' تراجع بنسبة تصل إلى 80%، بينما فقدت منظومة 'مقلاع داود' نحو 55% من صواريخها الجاهزة للاستخدام منذ اندلاع الحرب.

ولم يقتصر النقص على الصناعات المحلية، بل امتد ليشمل منظومة 'ثاد' الأمريكية التي تم نشرها لدعم الدفاعات الإسرائيلية، حيث انخفض مخزونها إلى النصف. هذا التآكل السريع في القدرات الاعتراضية يضع ضغوطاً هائلة على صانع القرار السياسي والعسكري في تل أبيب للبحث عن بدائل سريعة أو تهدئة الجبهات.

وعلى الرغم من استمرار خطوط الإنتاج في العمل دون توقف منذ أكتوبر 2023، إلا أن الطلب المتزايد فاق القدرة على التوريد. وقد زادت وتيرة الإنتاج بشكل ملحوظ بعد الهجمات الصاروخية الإيرانية المباشرة في أبريل 2024، في محاولة لتعويض النزيف الحاد في المخزونات الاستراتيجية.

ومن المثير للاهتمام أن صفقات تصدير خارجية ساهمت في إبقاء خطوط الإنتاج تعمل، حيث تضاعف إنتاج 'آرو 3' ثلاث مرات بفضل طلبيات ضخمة من ألمانيا. وبلغت قيمة الصفقات الألمانية نحو 6.5 مليار دولار، استخدمت دفعاتها المقدمة لتمويل استمرار الإنتاج المنتظم وتوسيع المصانع التابعة للصناعات الجوية.

ويعتقد مسؤولون عسكريون أن الموافقة على الصفقة الجديدة مطلع هذا الأسبوع ستدفع باتجاه زيادة معدلات الإنتاج بشكل أكبر خلال الأشهر المقبلة. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو الموازنة بين الالتزامات الدولية للتصدير وبين الاحتياجات العملياتية العاجلة للجيش الإسرائيلي الذي يواجه تهديدات متعددة الساحات.

ختاماً، تظل أزمة الصواريخ الاعتراضية شاهداً على كلفة الحرب الطويلة التي لم يحسب الاحتلال حسابها بدقة من الناحية اللوجستية والمالية. وبينما تستمر المزايدات السياسية، يبقى الميدان محكوماً بمدى قدرة الصناعات العسكرية على سد الفجوة قبل وقوع أي مواجهة شاملة قادمة قد تختبر هذه المنظومات إلى أقصى حدودها.

عربي ودولي

الأحد 12 أبريل 2026 11:57 صباحًا - بتوقيت القدس

الكاتب بوعلام صنصال يعلن اعتزامه مقاضاة الرئيس الجزائري دولياً

كشف الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال عن توجهه لرفع دعوى قضائية ضد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في المحافل الدولية. وأوضح صنصال أن هذه الخطوة تأتي رداً على فترة السجن التي قضاها في الجزائر، مشيراً إلى أنه ينتظر التوقيت المناسب لتحريك الملف قانونياً بشكل رسمي.

جاءت هذه التصريحات المثيرة للجدل خلال مشاركة الكاتب في فعالية 'يوم الكتاب السياسي' التي استضافتها الجمعية الوطنية الفرنسية في العاصمة باريس. وشارك صنصال في جلسة نقاشية رفقة المحامي ريشار مالكا، حيث ركزت المداخلات على دور الكتابة السياسية كأداة للالتزام والمواجهة مع السلطة.

وأكد صنصال، البالغ من العمر 81 عاماً، أنه كان قد وجه رسالة مباشرة إلى الرئيس تبون أثناء فترة اعتقاله يبلغه فيها بنيته مقاضاته في حال إطلاق سراحه. واعتبر الكاتب أن الرئيس هو المسؤول الأول عن الحكم الذي صدر بحقه، واصفاً الإجراءات القضائية السابقة بأنها افتقرت للنزاهة المطلوبة.

وكان الكاتب قد أمضى قرابة عام كامل خلف القضبان من أصل حكم بالسجن لمدة خمس سنوات، قبل أن يستفيد من عفو رئاسي أصدره تبون في نوفمبر 2025. وتعود خلفية القضية إلى مواقف وتصريحات أدلى بها صنصال بخصوص التاريخ الجزائري، والتي اعتبرتها السلطات مساساً بأمن الدولة وسيادتها.

وشدد صنصال في حديثه على أن التهم التي وُجهت إليه كانت ثقيلة جداً وشملت قضايا تتعلق بالإرهاب والتجسس والاعتداء على أمن الدولة. ويرى الكاتب أن هذه الاتهامات كانت تهدف إلى تصفية حسابات سياسية بسبب آرائه المعلنة، مؤكداً أن ملفه القانوني بات جاهزاً الآن للمواجهة القضائية الدولية.

وأفادت مصادر إعلامية بأن صنصال أكد بدء الإجراءات الفعلية من خلال فريقه القانوني الذي يعكف على دراسة الثغرات في المحاكمة السابقة. وأشار الكاتب إلى أنه يسعى من خلال هذه الخطوة إلى إثبات براءته أمام العالم وتفنيد الرواية الرسمية التي أدت إلى سجنه وتشويه سمعته الأدبية.

وفي سياق حديثه، ربط صنصال بين قضيته وقضية الصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز، الذي يقضي عقوبة السجن في الجزائر منذ منتصف عام 2024. واعتبر أن استمرار سجن غليز بتهم تمجيد الإرهاب يعكس مناخاً عاماً يضيق على حرية التعبير والعمل الصحافي والأدبي في البلاد.

وأعرب الكاتب عن إصراره على المضي قدماً في مساره القانوني حتى النهاية، مشدداً على أن غياب المراقبين الدوليين والمحامين المستقلين جعل من محاكمته صورية. ويرى صنصال أن القضاء الدولي هو الساحة الوحيدة المتبقية لانتزاع ما يصفه بحقه القانوني ورد الاعتبار لشخصه وتاريخه.

من جهة أخرى، أثارت هذه التصريحات ردود فعل متباينة في الأوساط الجزائرية والفرنسية، حيث اعتبرها البعض محاولة للعودة إلى الأضواء بعد تراجع الاهتمام بقضيته. ويرى منتقدوه أن العفو الرئاسي كان فرصة لطي الصفحة، إلا أن إصراره على المقاضاة يفتح الباب أمام جولة جديدة من التوتر السياسي.

وتشير التقارير إلى أن السلطات الجزائرية كانت قد استندت في حكمها إلى أدلة وصفتها بالدامغة حول نشاطات الكاتب وتصريحاته التي مست الثوابت الوطنية. وفي المقابل، يصر المدافعون عن صنصال في فرنسا على أن القضية برمتها تندرج تحت بند قمع الحريات الفكرية والأدبية التي يكفلها القانون الدولي.

ويبدو أن المعركة القانونية القادمة ستتركز في المحاكم الأوروبية أو الدولية، حيث يحاول صنصال تدويل القضية لجذب انتباه المنظمات الحقوقية العالمية. ويراهن الكاتب على جنسيته الفرنسية ودعم بعض الدوائر السياسية في باريس لتعزيز موقفه في مواجهة مؤسسة الرئاسة الجزائرية.

ختاماً، تظل قضية بوعلام صنصال نموذجاً للصراع المستمر بين السلطة والمثقف في المنطقة، خاصة عندما تتداخل فيها الأبعاد الوطنية بالضغوط الدولية. وسيكون لنتائج التحركات القانونية القادمة أثر كبير على طبيعة العلاقات الثقافية والسياسية بين الجزائر وفرنسا في المرحلة المقبلة.

فلسطين

الأحد 12 أبريل 2026 11:57 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة تحت وطأة الغلاء: المعابر المغلقة تخنق الأسواق والأسعار تقفز لمستويات قياسية

تشهد أسواق قطاع غزة تدهوراً اقتصادياً غير مسبوق، حيث أدى استمرار إغلاق المعابر وتشديد القيود على دخول البضائع إلى موجة غلاء حادة طالت كافة السلع الأساسية. هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار أثقل كاهل المواطنين الذين يعانون أصلاً من تراجع حاد في القدرة الشرائية واعتماد شبه كلي على المعونات.

وأفادت مصادر ميدانية من داخل أسواق القطاع بأن تضييق الخناق على حركة الشاحنات انعكس بشكل مباشر وفوري على أسعار الخضروات، لا سيما الأصناف الضرورية مثل البندورة والبصل. وباتت هذه السلع الأساسية خارج متناول الغالبية العظمى من السكان، وخصوصاً فئة النازحين الذين فقدوا مصادر دخلهم.

وفي شهادات من قلب السوق، أكد تجار محليون أن السلع التي كان سعرها يتراوح بين 3 و4 شواكل قفزت لتصل إلى 16 شيكلاً، مما خلق فجوة كبيرة بين الدخل والأسعار. وأشاروا إلى أن طبقة محدودة جداً هي من تستطيع الشراء حالياً، بينما ينتظر البقية وصول حوالات مالية من أقاربهم في الخارج.

ولم تقتصر الزيادات على الخضروات فقط، بل شملت الفواكه التي سجلت أرقاماً فلكية، حيث وصل سعر كيلو 'الأسكدنيا' إلى 50 شيكلاً بعد أن كان يباع بـ10 شواكل فقط. ويعزو التجار هذا الارتفاع إلى الشح الكبير في الكميات الموردة التي لا تغطي سوى جزء يسير من احتياجات الأسر الفلسطينية.

وعلى الرغم من وجود إنتاج زراعي محلي، إلا أنه لم يساهم في خفض الأسعار بسبب الارتفاع الهائل في تكاليف التشغيل التي يتحملها المزارع. فتكاليف استخراج المياه وتوفير الوقود اللازم للمزارع تضاعفت، مما يضطر المنتج والتاجر لرفع السعر النهائي لضمان استمرارية العمل.

وتشير البيانات الميدانية إلى أن ما يتم السماح بدخوله عبر المعابر لا يتجاوز 15% إلى 20% من الاحتياج الفعلي لسكان القطاع. هذا النقص الحاد يؤدي إلى تقلبات سعرية يومية تجعل من الصعب على المواطن التنبؤ بتكاليف معيشته الأساسية أو تأمين قوت يومه.

وفي توصيف للواقع المعيشي الصعب، يعتمد نحو نصف سكان غزة حالياً على المساعدات الإنسانية أو التحويلات المالية التي يرسلها ذووهم من الخارج. ويلجأ الكثير من المواطنين إلى الاستدانة من أصحاب المحلات التجارية لتأمين الحد الأدنى من الغذاء بانتظار وصول أي دعم مالي.

وإلى جانب أزمة الخضروات، تبرز أزمة الخبز كواحدة من أقسى صور المعاناة اليومية، حيث يضطر المواطنون للوقوف في طوابير طويلة أمام المخابز منذ ساعات الفجر الأولى. وأكد مواطنون أن الحصول على ربطة خبز واحدة بات يتطلب جهداً شاقاً وانتظاراً يمتد لساعات طويلة في ظل نقص الدقيق والوقود.

هذا الواقع المرير دفع مئات العائلات للاعتماد بشكل كامل على 'التكيات' والمبادرات الخيرية لتوفير وجبات الطعام اليومية. وبحسب شهادات الأهالي، فإن بعض الأسر قد لا تجد ما تأكله طوال اليوم لولا وجود هذه الموائد الإغاثية التي تحاول سد الرمق في ظل الغلاء الفاحش.

وتتناقض هذه المعطيات الميدانية مع التقارير الدولية التي تتحدث عن دخول مئات الشاحنات، إذ تؤكد المصادر أن ما يصل فعلياً يتراوح بين 100 و200 شاحنة فقط. وتشدد الفعاليات الشعبية والاقتصادية في غزة على أن الحل الوحيد لإنهاء هذه الأزمة يكمن في فتح المعابر بشكل كامل وزيادة تدفق السلع دون قيود.

فلسطين

الأحد 12 أبريل 2026 11:42 صباحًا - بتوقيت القدس

عزام الأحمد يهنئ المسيحيين بعيد الفصح: وحدة شعبنا ركيزة الصمود والقدس ستبقى مركزاً روحياً مفتوحاً

توجّه أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، عزام الأحمد، بالتهنئة إلى أبناء الشعب الفلسطيني من الطوائف المسيحية، بمناسبة عيد الفصح المجيد، مؤكداً أن هذه المناسبة تحمل في طياتها معاني الأمل والتجدد، وتعكس عمق الانتماء للأرض والهوية الوطنية.


وأوضح الأحمد أن خصوصية الحالة الفلسطينية تتجلى في وحدة الشعب رغم تنوعه الديني والثقافي، حيث تتداخل المناسبات الدينية لتصبح جزءاً من الوجدان الجمعي لكل الفلسطينيين، بما يعزز روح الشراكة الوطنية والإحساس بالمصير المشترك.


وأشار إلى أن الشعب الفلسطيني يواجه محاولات ممنهجة تستهدف وجوده في مدينته المقدسة، لا سيما خلال فترات الأعياد، من خلال إجراءات تحدّ من حرية الحركة والوصول إلى أماكن العبادة، في مشهد يتكرر ويستدعي تحركاً دولياً جاداً لحماية الحقوق الدينية والإنسانية.


وأضاف أن ما جرى اليوم في مدينة القدس خلال يوم سبت النور من إجراءات مشددة وقمع للمشاركين في الاحتفالات الدينية، يعكس حجم الانتهاكات التي تطال حرية العبادة، حيث فُرضت قيود على وصول المصلين وأُعيق إحياء الشعائر في أجواء من التضييق، بما يتنافى مع القوانين والمواثيق الدولية.


وشدد الأحمد على أن مدينة القدس ستبقى مركزاً روحياً وثقافياً مفتوحاً، يجسد القيم الإنسانية الجامعة، مؤكداً أن أي سياسات لن تنجح في تغيير هويتها أو عزلها عن محيطها الفلسطيني والعربي.


وفي ختام تصريحه، أكد أن تمسك الفلسطينيين بأرضهم وحقوقهم يشكل الضمانة الحقيقية لمستقبل تسوده العدالة، معرباً عن أمله في أن تحلّ الأعياد القادمة في ظل واقع جديد ينعم فيه الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال.

أقلام وأراء

الأحد 12 أبريل 2026 11:41 صباحًا - بتوقيت القدس

الصديق عند "المضيق"!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

بينما تجري المفاوضات بين الوفدين الأمريكي والإيراني في إسلام أباد وجهاً لوجه، وسط تدابير أمنية مشددة، وتعتيم إعلامي مطبق، لا يزال "المضيق"، الذي يعاني عسر المرور للسفن المتكدسة في مياهه الضيقة، يتصدر عناوين الأخبار المتلاحقة حول "تطهير" الممر المائي نيابة عن الدول "غير المتعاونة"، كما جاء في تصريحات ترمب أمس، يقابلها تحذيراتٌ أطلقتها طهران، أجبرت مدمرتين أمريكيتين على التوقف التام تحت طائلة الاستهداف خلال نصف ساعة. 

حتى كتابة هذه السطور لم ترشح أيّ أنباء من غرفة المفاوضات  محكمة الإغلاق، إذ تبدو المسافة شاسعة بين "بنود إيران العشرة" و"نقاط واشنطن الخمس عشرة"، فيما تواجه الدولة المضيفة  صعوبة بالغة في إجراء "مقاصة" بين الورقتين خلال فترة الأسبوعين، ما يرجح تمديد المفاوضات لأسابيع أُخرى، في محاولةٍ يائسةٍ لتجسير فجواتٍ اتسعت عقب "الخديعة الثانية"، بينما يتحسب المفاوضون الإيرانيون من  وقوع "الثالثة". 

وسط هذا الاحتقان، وغياب الثقة وانعدام اليقين، واشتعال الأسعار في الأسواق العالمية بسبب تعثر سلاسل الإمداد، تبرز  مفارقة "الصديق عند الضيق"، حيث تشق سفن الدول الصديقة لطهران طريقها بسلاسة، في وقتٍ يتصاعد فيه الجدل القانوني حول نية إيران فرض رسوم عبور تصل إلى "دولار واحد" عن كل برميل نفط يمر عبر هذا الشريان الحيوي؛ مالئ الدنيا وشاغل الأسواق. 

حركة الأمواج في المضيق ستحدد خلال الساعات المقبلة ما إذا كانت الأوضاع ماضية نحو الخروج من عنق الزجاجة، أم نحو   احتقان جديد يجعل من "برميل النفط" وقوداً يوقظ الجمر من تحت الرماد.

فلسطين

الأحد 12 أبريل 2026 11:38 صباحًا - بتوقيت القدس

حصار المقدسات: سياسة ممنهجة لعزل المدينة المقدسة

 د. كامل ريان: ربط صلاة المسلمين في "الأقصى" والمسيحيين في "القيامة" باقتحامات المستوطنين عقاب جماعي وتغيير جوهري وخطير في "الوضع القائم‪" 

 د. حسن خاطر: تخوفات كبيرة من أن تقوم سلطات الاحتلال بتوظيف هذه السابقة الخطيرة لسحب أسلوب السيطرة على الحرم الإبراهيمي على "الأقصى‪" 

المطران منيب يونان: فتح المقدسات حق إنساني أساسي يجسد جوهر حرية الأديان بعيداً عن النزاعات السياسية والحروب 

المطران عطا الله حنا : السياسات الإسرائيلية هدفها عزل القدس عن محيطها ويجب إزالة الحواجز والبوابات وجدار الفصل بما يضمن حرية العبادة 

أديب جودة الحسيني: صوت الصلاة الذي عاد ليصدح في القدس هو رسالة أمل وسلام ودعوة دائمة للحفاظ على قدسية هذه المدينة 

 فواز إبراهيم عطية: يجب فرض معادلة حق الوجود العربي الإسلامي المسيحي في القدس دون تغيير أو فرض أمر لا يليق بنا جميعاً 

جاك سارة: كنيسة القيامة كانت عبر التاريخ مقصداً رئيسياً للحجاج المسيحيين وإعادة فتحها حمل دلالات كبيرة للمؤمنين حول العالم 

وديع أبو نصار: حماية الأماكن المقدسة وضمان حرية العبادة يجب أن يُكفلا بشكل كامل في جميع الظروف حتى في أوقات النزاعات

شكَّلَ إغلاق سلطات الاحتلال الإسرائيلي، المسجد الأقصى وكنيسة القيامة لأربعين يوماً بذريعة "الأمن والسلامة" في خضم أحداث الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، صدمة روحية عميقة للمؤمنين حول العالم مسيحيين ومسلمين، وفاقم من خطورة هذه الخطوة غير المسبوقة منذ عام 1967 محاولات حثيثة لمستوطنين متطرفين من أجل إدخال قرابين حيوانية إلى باحات المسجد الأقصى المبارك وسط تواصل دعوات "جماعات الهيكل" لاقتحام المسجد، إلى جانب منع شرطة الاحتلال بطريرك اللاتين في القدس الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا من دخول كنيسة القيامة في البلدة القديمة، لإقامة قدّاس أحد الشعانين‪.

وجاء قرار شرطة الاحتلال إعادة فتح المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، ليثير مخاوف أكبر، لا سيما وأنه جاء متلازماً مع إجراء موازٍ يُمدد ساعات اقتحام المستوطنين المتطرفين للمسجد الأقصى، فهل يسعى الاحتلال لاستنساخ نموذج السيطرة على الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل وسحبه على المسجد الأقصى؟ وهل ستدفع الردود العربية والإسلامية الباهتة تجاه هذه الانتهاكات سلطات الاحتلال إلى التجرؤ الكبير على قبلة المسلمين الأولى ووجهة المسيحيين في العالم؟‪



عقاب جماعي

‪ 

يقول المختص بشؤون القدس والمسجد الاقصى د. كامل ريان إن قرار الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى وكنيسة القيامة كان في أساسه قراراً خاطئاً، لأنه يمسّ بحرية العبادة ويكرّس منطق العقاب الجماعي بدل احترام الحقوق الدينية المكفولة تاريخياً وقانونياً‪.

ويشير د. ريان أن ما يجري اليوم من ربط السماح للمسلمين والمسيحيين بالصلاة، بتوسيع أو تنظيم صلوات المستوطنين داخل المسجد الأقصى، يشكّل مساًّ صارخاً بما يُعرف بالوضع الراهن التاريخي (الستاتيكو)، الذي قام على الفصل الواضح بين حقوق العبادة الإسلامية الخالصة في المسجد الأقصى وبين أي وجود ديني آخر فيه‪.

ويضيف أن زيادة الوقت المخصص لاقتحامات المستوطنين، سواء من حيث المدة أو عدد المقتحمين، هو تغيير جوهري وخطير في هذا الوضع، مؤكداً وجود سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الواقع القائم تدريجياً‪.

ويرى ريان أن الأخطر من كل ذلك، هو سحب الصلاحيات من الأوقاف الإسلامية، صاحبة الولاية الدينية والإدارية الحصرية على المسجد الأقصى، في مسألة تنظيم الدخول والسماح بالصلاة من عدمه‪.

ويلفت ريان إلى أن هذا التحول لا يمكن اعتباره إجراءً إدارياً عابراً، بل هو رأس الخطيئة، لأنه يستهدف المرجعية القانونية والتاريخية التي قامت عليها إدارة المسجد الأقصى‪.

ويؤكد ريان أن هذه السياسات تمثل إنجازاً سياسياً لنهج الوزير إيتمار بن غفير، الذي يسعى بشكل واضح إلى تحدي الوصاية الهاشمية وتقويض منظومة الوضع الراهن التاريخي، عبر فرض وقائع جديدة على الأرض بقوة القرار الأمني والسياسي‪.

ويختم ريان بالقول إن استمرار هذه السياسات لا يهدد فقط الحقوق الدينية، بل يفتح الباب أمام مزيد من التوتر وعدم الاستقرار، ويستدعي موقفاً دولياً واضحاً لإعادة الاعتبار للوضع التاريخي والقانوني الراهن‪.

‪"الأقصى" سيعاني أكثر في مُقبل الأيام

‪ 

يقول الكاتب المختص بشؤون القدس والأقصى د. حسن خاطر "لا شك أن إعادة فتح أبواب المسجد الأقصى المبارك. رغم استمرار القيود، يعتبر حدثاً مهماً شَغَل عموم الفلسطينيين والمقدسيين على مدار فترة الإغلاق‪".

ويضيف، رغم ابتهاجنا بذلك، إلا أن هناك تخوفات كبيرة من أن تقوم سلطات الاحتلال بتوظيف هذه السابقة الخطيرة وما ترتب عليها من تفاعلات وردود هزيلة ضمن سياسات التعامل مع الاقصى في المراحل القادمة ذهاباً في اتجاه محاكاة الحال الذي أصبح عليه المسجد الابراهيمي في الخليل‪.

ويضيف، مما يرجح ذلك أن إعادة فتح المسجد الأقصى من قبل سلطات الاحتلال لم يكن نتيجة حراك شعبي فلسطيني أو عربي أو إسلامي، وإنما كان قراراً إسرائيلياً خالصاً، بقدر ما كان إغلاقه أيضاً، قراراً إسرائيلياً صرفاً‪.

ويرى الكاتب خاطر أن المسجد الأقصى سيعاني أكثر في المرحلة المقبلة على يد الاحتلال وجماعات الهيكل بتشجيع صريح وتأثير مباشر من تلك الجريمة غير المسبوقة في حق أقدس مقدسات المسلمين. إغلاق الأقصى، طوال تلك المدة، كَشَفَ هشاشة الموقف العربي، والإسلامي تجاه يجري في القدس، والأراضي الفلسطينية حتى أننا لا نستطيع أن نتذكر موقفاً اسلامياً واحداً أزعج الاحتلال طوال مدة الإغلاق‪!

ويختم د. خاطر بالقول لستُ متشائماً عندما أقول: على المسلمين اليوم أن يخشوا على الأقصى بعد إعادة افتتاحه تماماً كما كانوا يخشوا عليه خلال فترة إغلاقه، لأن الاحتلال تأكد خلال هذه التجربة المُرَّة أن الأقصى لم يعد أولوية عند المسلمين ولا خطا أحمر في حياتهم‪.

‪"تباين غير مفهوم في الموقف الأوروبي‪"

يؤكد المطران منيب يونان، الرئيس السابق للاتحاد اللوثري، أن الأماكن المقدسة كافة يجب أن تبقى مفتوحة في وقت الحرب وفي وقت السلم. وأنه لا يمكن فهم إغلاق هذه المقدسات، سواء المسجد الأقصى أو كنيسة القيامة. فالأمر الطبيعي هو أن تكون الكنائس والمساجد وأماكن العبادة مفتوحة للجميع، لأن الإنسان في أوقات الحرب والضيق يحتاج إلى الالتجاء إلى الله بالصلاة، وطلب وقف الحروب والإجراءات التعسفية‪.

ويوضح يونان أنه لا يمكن فهم سبب إغلاق المسجد الأقصى في شهر رمضان، لا سيما في ليلة القدر والعشر الأواخر التي تُعد أيام اعتكاف لدى المسلمين. ويشير إلى أنه إذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فهناك وسائل أخرى يمكن اعتمادها دون إغلاق كامل‪.

ويعرب يونان عن استغرابه من موقف الدول الأوروبية، متسائلا: لماذا تحرك الاتحاد الأوروبي عندما أُغلقت الكنيسة ومُنع البطريرك من الدخول، بينما لم يتحرك بالشكل ذاته عند إغلاق المسجد الأقصى ومنع المسلمين من أداء شعائرهم، حتى في أعيادهم؟ هذا التباين غير مفهوم‪.

ويشدد المطران يونان على أن من الطبيعي أن تكون كنيسة القيامة مفتوحة، لا سيما في أسبوع الآلام لدى الكنائس الشرقية، إذ من حق كل إنسان أن يصلي في الأماكن التي يجد فيها راحته‪.

ويعرب يونان عن أسفه لعدم السماح، في سبت النور، للمسيحيين الفلسطينيين القادمين من مختلف المناطق بالدخول إلى القدس والاحتفال بهذه المناسبة الدينية، بمشاركة الكنائس الشرقية وفرق الكشافة، باعتباره احتفالاً دينياً وشعبياً مُهماً. ويقول نعرف أن كنيسة القيامة لا تتسع لجميع الوافدين لأسباب تنظيمية وأمنية، إلا أن المدينة المقدسة يجب أن تظل فضاءً مفتوحاً للاحتفال بهذه المناسبات‪.

ويؤكد يونان أن فتح المقدسات هو حق إنساني أساسي، ويجسد جوهر حرية الأديان، التي تعني بقاء هذه الأماكن مفتوحة للصلاة والتعبد، بعيداً عن النزاعات السياسية والحروب، لتكون فضاءات للسلم والأمن المجتمعي والخشوع‪.

ويختتم يونان بتوجيه التهنئة إلى الكنائس الأرثوذكسية والشرقية، ويعرب عن أمله في أن تمر احتفالاتهم بسلام، وأن تحمل هذه المناسبات رسالة أمل ورجاء، بأن تنقشع غيوم الحرب والظلم، وتشرق شمس الحرية وحرية الأديان، لينال كل إنسان حقوقه المشروعة‪.

‪"فتح المقدسات حق أصيل للفلسطيني وليس منّة من أحد‪"

يؤكد المطران عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس أن فتح المقدسات في القدس هو حق أصيل لكل فلسطيني ومقدسي، وليس منّة أو هدية من أحد، ويشدد على أن إبقاء كنيسة القيامة والمسجد الأقصى المبارك مفتوحين هو الوضع الطبيعي، فيما يُعد إغلاقهما أو التضييق على المصلين ومنعهم من الوصول إلى أماكن عبادتهم أمرا غير طبيعي ومرفوض‪.

ويوضح حنا أن كنيسة القيامة والمسجد الأقصى كانا مفتوحين، وقد شهد المسجد الأقصى يوم الجمعة توافد أعداد كبيرة من المصلين تأكيداً على ارتباطهم بمقدساتهم، وكذلك الحال في كنيسة القيامة‪.

ويلفت إلى أنه في يوم سبت النور، الذي يشهد احتفالاً دينياً كبيراً في كنيسة القيامة، تم إغلاق الطرقات المحيطة بالكنيسة وإغلاق بوابات القدس، ومُنعَ المسيحيين من الوصول إليها‪.

ويصف المطران حنا هذه الإجراءات بأنها تعجيزية وهادفة للنيل من أهمية وقدسية هذا اليوم المقدس الذي يسبق الاحتفال بعيد القيامة المجيد، ويؤكد رفضه لكافة الإجراءات التي تستهدف المقدسات الإسلامية والمسيحية على حد سواء‪.

ويشير إلى أن المطلب لا يقتصر على فتح أبواب المقدسات، بل يشمل أيضا تمكين المؤمنين من الوصول إليها بحرية، خاصة أبناء الضفة الغربية، ويوضح أن قرب المسافة بين بيت لحم والقدس لا ينعكس على الواقع بسبب الحواجز والقيود التي تمنع الفلسطينيين من الوصول إلى المدينة المقدسة‪.

ويضيف أن هذه السياسات تعكس محاولة لعزل القدس عن محيطها الفلسطيني، ويطالب بإزالة الحواجز والبوابات العسكرية وجدار الفصل، بما يضمن الحد الأدنى من حرية العبادة، ويتيح للفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، الوصول إلى مقدساتهم دون قيود‪.

ويشدد المطران حنا على ضرورة وضع حد لهذه الإجراءات، بما يضمن عدم تكرار مثل هذه المعاناة، وصون حرية العبادة في المدينة المقدسة‪.

خطوة إيجابية ولكن‪..

يقول أمين مفتاح كنيسة القيامة أديب جودة الحسيني: في مشهد يعكس عمق الإيمان وصمود مدينة القدس، عادت الصلوات لترتفع من جديد في كنيسة القيامة والمسجد الأقصى المبارك، بعد فترة من القيود التي حدَّت من وصول المؤمنين إلى أماكنهم المقدسة‪.

ويشير الحسيني إلى أن هذه العودة تشكل محطة مهمة في استعادة الحياة الروحية إلى المدينة، وتجديد ارتباط أهلها وزوارها بأماكنها المقدسة‪.

ويضيف الحسيني أن أعياد المسيحيين الكاثوليك بدأت هذا العام في ظل ظروف الحرب، حيث اقتصر الاحتفال على عدد محدود جداً من الرهبان، لم يتجاوز نحو عشرين راهباً داخل كنيسة القيامة، في مشهد اتسم بالهدوء والحزن نتيجة غياب الحجاج وصعوبة الوصول إلى المدينة، ويلفت إلى أنه رغم ذلك أصرَّ الرهبان على إقامة الشعائر الدينية تأكيداً على استمرارية الرسالة الروحية وعدم انقطاع الصلاة في هذا المكان المقدس‪.

ويتابع أمين مفتاح كنيسة القيامة "أما أعياد الإخوة الأرثوذكس، فقد جاءت بعد وقف الحرب مباشرة، الأمر الذي انعكس بشكل إيجابي نسبياً على أعداد المشاركين، حيث شهدت الأيام الحالية توافد أعداد لا بأس بها من المؤمنين والحجاج إلى كنيسة القيامة. وقد تمكَّنَ بعض الحجيج من الوصول عبر معبر طابا المصري، للمشاركة في هذه المناسبة الدينية المهمة، وسط أجواء من الرجاء والاشتياق‪".

ويوضح الحسيني أنه مع الاحتفال بسبت النور وعيد القيامة، تزايدت أعداد الوافدين إلى المدينة حيث شارك المؤمنون في هذه الطقوس العريقة التي تحمل رمزية دينية كبيرة، وتعبر عن الإيمان بالقيامة والانتصار على الألم والمعاناة‪.

ويرى الحسيني إن إعادة فتح كنيسة القيامة والمسجد الأقصى المبارك تمثل خطوة إيجابية، لكنها تتطلب استمرار العمل لضمان حرية العبادة ووصول المؤمنين دون عوائق‪.

ويؤكد الحسيني ان مدينة القدس كانت وستبقى مدينة مفتوحة للديانات كافة، ويجب الحفاظ على هذا الطابع التاريخي والديني الفريد‪.

ويختتم أمين مفتاح كنيسة القيامة الحسيني بالتأكيد على أن صوت الصلاة الذي عاد ليصدح في القدس هو رسالة أمل وسلام، ودعوة دائمة للحفاظ على قدسية هذه المدينة، وضمان حق جميع المؤمنين في ممارسة شعائرهم الدينية بحرية وكرامة‪.

واقع لا مثيل له في التاريخ

يقول الباحث المتخصص في شؤون القدس والأوقاف، فواز إبراهيم عطية، إنه منذ 28/2/2026 حتى تاريخ 8/4/2026 شهدت القدس والبلدة القديمة واقع أليم، لم يظهر في التاريخ له مثيل، حُظر الدخول إليها إلا من سكانها ومن له عنوان داخلها، أُغلقت جميع المحلات التجارية باستثناء المخابز وبعض الصيدليات وبعض محلات البقالة، واُقفلت دور العبادة جميعها بتعليمات وأوامر من قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية‪.

ويضيف كانت مدة أربعين يوما (40) مُثقلة بالهموم والترقب والخوف، انقطعت الحياة في البلدة القديمة، فأصبحت مدينة أشباح، واكتمل فصل الخطاب بمنع إقامة الصلوات والشعائر الدينية للمسلمين والمسيحيين، تحت مسمى تعليمات قيادة الجبهة الداخلية، واستمر الحال على هذا المنوال إلى أن تقرر فجأة فتح كل شيء، وإعادة الحال ليس لما كان عليه قبل 28/2/2026‪.

ويشير عطية إلى أن معظم دور العبادة ضمن واقعها الجغرافي، تقع ضمن نسق بيوت البلدة القديمة، وعدد كبير منها يعلوها بيوت ومنشآت، لكن ما وراء الأكمة ما وراءها، فهذا المنع أمر مريب عجيب، وراءه سر وأحداث وأمور أعظم، ونتائج غير متوقعة ستحدث في القدس الشريف وخصوصا في البلدة القديمة قريباً ومستقبلاً‪.

ويوضح عطية، أن منع إقامة الصلوات والشعائر الدينية في البداية كان لجميع فئات سكان البلدة القديمة عرباً ويهوداً، ثم أُعطي المجال في اليوم بعد الثلاثين من أيام الحرب الإيرانية الإسرائيلية الامريكية، لليهود من أجل ممارسة شعائرهم الدينية في حائط البراق، بمناسبة حلول عيد الفصح لديهم، ضمن أفواج لا تزيد عن 50 شخصاً وَفقَ زعمهم، وبذات الوقت استمر اغلاق المسجد الأقصى تماماً وكذلك كنيسة القيامة، إلى أن اقتحم بن غفير وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي باحات المسجد الأقصى، قبل أن يُسمح للمسلمين أصحاب المكان الصلاة فيه، وهذا الأمر له دلالات ورسائل واضحة مستقبلا‪.

ويؤكد عطية أن ما وراء كواليس هذه الحرب وآثارها كثيرة، ولكن يجب أن نأخذ الدروس والعبر، ومحاكاة الواقع بإيجاد حلول وابتكارات تفرض على الطرف الآخر، معادلة حق الوجود العربي الإسلامي المسيحي في القدس، دون تغيير أو فرض أمر لا يليق بنا جميعاً‪.

آمال مُعلَّقَة

‪ 

يؤكد رئيس كلية بيت لحم للكتاب المقدس جاك سارة أن فتح كنيسة القيامة بعد إغلاق دام نحو أربعين يوماً كان مصدر فرح كبير‪.

ويشير إلى أن كنيسة القيامة تُعد الكنيسة الأم لجميع الكنائس. فهي المكان الذي شهد الحدث الأهم في تاريخ المسيحية، حيث يؤمن المسيحيون بأنه الموقع الذي وقعت فيه حادثتا الصلب والقيامة، الأمر الذي يجعلها مركز الإيمان ومصدره الأساسي في فهم عمل الله وعمل المسيح على الصليب‪.

ويوضح سارة أن القيامة تمثل يوما مميزا في العقيدة المسيحية، كما أن الكنيسة نفسها تحظى بمكانة خاصة، ولذلك يحرص المؤمنون على الاحتفاء فيها، ويشعرون بالحزن عند إغلاقها‪.

ويضيف أن أنظار المسيحيين من مختلف أنحاء العالم تتجه إلى هذا المكان المقدس، خاصة خلال فترة الفصح، ليس فقط من الناحية الجغرافية، بل لما يحمله من أبعاد روحية عميقة مرتبطة بالأحداث التي شهدها‪.

ويشير سارة إلى أن فتح الكنيسة في هذه الفترة كان بالغ الأهمية، لتمكين إقامة الشعائر الدينية والروحية، لا سيما خلال أسبوع الآلام، ويوم الجمعة العظيمة، وسبت النور، وأحد القيامة، ويؤكد أن إعادة فتحها في هذه الأيام تحمل دلالات كبيرة للمؤمنين‪.

ويؤكد سارة أن كنيسة القيامة كانت عبر التاريخ مقصدا رئيسيا للحجاج المسيحيين من مختلف أنحاء العالم، نظرا لمكانتها ورمزيتها وروحانيتها، ويعرب عن شكره لعودة فتحها، ويتمنى أن تبقى مفتوحة بشكل دائم، وأن تعود حركة السياحة الدينية والحجاج إليها من جديد‪.

حماية المقدسات يجب أن تُكفَل حتى في الحروب

ويؤكد منسق منتدى مسيحيي الأرض المقدسة وديع أبو نصار أن إعادة فتح أبواب المقدسات أمام المصلين تُعد خبرًا يبعث على الارتياح، ويُعرِبُ عن أمله في ألا تتكرر مثل هذه المحنة مستقبلا، وأن تبقى المقدسات وجميع أماكن العبادة مفتوحة بشكل دائم‪.

ويشدد ابو نصار على ضرورة العمل على إنهاء الحروب ومنع تكرارها، ويؤكد أن مصلحة الإنسان لا تتحقق بالحروب، بل من خلال البحث عن وسائل مختلفة لحل النزاعات والخلافات بطرق سلمية‪.

ويضيف أن الحلول الدبلوماسية والسلمية يجب أن تكون الخيار الوحيد المطروح على الطاولة لمعالجة الأزمات، ويشدد في الوقت ذاته على أن حماية الأماكن المقدسة وضمان حرية العبادة يجب أن تُكفل بشكل كامل في جميع الظروف، حتى في أوقات النزاعات‪.

ويؤكد ابو نصار على أهمية العمل الجاد لضمان حرية العبادة في كل الأوقات، والبحث في آليات تكفل الحفاظ على هذا الحق الإنساني الأساسي مهما كانت الظروف‪.


أقلام وأراء

الأحد 12 أبريل 2026 11:37 صباحًا - بتوقيت القدس

حين يصبح القانون أداة للعقاب: قراءة في واقع الأسرى

حين نتحدث اليوم عن الأسرى الفلسطينيين، فإننا لا نتحدث عن ملف إنساني عابر، ولا عن قضية فرعية في سياق نزاع طويل. نحن نتحدث عن اختبار حقيقي لمصداقية القانون الدولي، وعن سؤال جوهري يواجه المجتمع الدولي: هل لا يزال القانون أداة لحماية الإنسان، أم أنه بات يُستخدم لتبرير انتهاكه؟

في السجون الإسرائيلية اليوم، يقبع نحو عشرة آلاف أسير فلسطيني، بينهم آلاف المعتقلين إدارياً بلا تهمة أو محاكمة، ومئات الأطفال والنساء. هذا الرقم ليس مجرد إحصاء، بل هو مؤشر على سياسة منهجية، تُدار ضمن إطار أوسع من السيطرة والعقاب الجماعي، في سياق احتلال طويل لم ينتهِ بعد.

الاعتقال الإداري، الذي يُستخدم على نطاق واسع، يمثل أحد أخطر أشكال انتهاك العدالة الأساسية. فهو يسمح باحتجاز الإنسان لأشهر وسنوات دون توجيه تهمة، ودون تمكينه من الدفاع عن نفسه، استناداً إلى ملفات سرية لا يُسمح له أو لمحاميه بالاطلاع عليها. في أي نظام قانوني يحترم ذاته، يُعتبر هذا الإجراء استثناءً ضيقاً، أما في الحالة الفلسطينية، فقد تحول إلى قاعدة.

وفي موازاة ذلك، تتصاعد سياسات اعتقال الأطفال، حيث يمكن أن تبدأ المسؤولية الجنائية من سن 12 عاماً، في تناقض صارخ مع روح اتفاقية حقوق الطفل، التي تنص بوضوح على أن احتجاز الأطفال يجب أن يكون الملاذ الأخير، ولأقصر فترة ممكنة. ومع ذلك، يُعتقل الأطفال الفلسطينيون، ويُخضعون للتحقيق، ويُحتجزون في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية القانونية والإنسانية.

كما يُستخدم الحبس المنزلي، خصوصاً في القدس، كأداة إضافية للسيطرة والعقاب، بحيث يتحول البيت إلى سجن، والأسرة إلى جزء من منظومة الرقابة، في انتهاك واضح للحق في الحياة الطبيعية والنمو السليم.

لكن ما يجري داخل السجون يتجاوز ذلك بكثير. فقد وثقت تقارير متعددة تدهوراً حاداً في ظروف الاحتجاز، يشمل تقليص الغذاء، وحرمان الأسرى من الرعاية الطبية، ومنع زيارات الصليب الأحمر والمحامين. كما تم تسجيل وفيات داخل السجون نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي، إلى جانب تقارير مقلقة عن انتهاكات جسيمة تمس الكرامة الإنسانية.

وفي تطور بالغ الخطورة، أقر الكنيست الإسرائيلي قانوناً يفتح الباب أمام إعدام الأسرى، في خطوة تمثل تحوّلاً نوعياً في طبيعة النظام العقابي، وتطرح تساؤلات جدية حول التزام إسرائيل بالقانون الدولي. فإقرار عقوبة الإعدام في سياق احتلال عسكري، وضمن منظومة قضائية تفتقر إلى الضمانات الكافية، لا يمكن اعتباره إجراءً قانونياً عادياً، بل يمثل تهديداً مباشراً للحق في الحياة.

ولا تنتهي معاناة الأسرى عند حدود الحياة. إذ تستمر سياسة احتجاز جثامين الشهداء والأسرى في ما يعرف بمقابر الأرقام، حيث يُحرم الأهالي من حقهم في دفن أبنائهم بكرامة، في انتهاك يمتد إلى ما بعد الموت.

هذه الوقائع، حين تُجمع معاً، لا تعكس مجرد سلسلة من الانتهاكات، بل تكشف عن بنية متكاملة من السياسات التي تهدف إلى الإخضاع، وكسر الإرادة، وإعادة تعريف الإنسان الفلسطيني داخل منظومة قانونية غير متكافئة.

إن القانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف، واتفاقية حقوق الطفل، جميعها تضع معايير واضحة لحماية الأشخاص الواقعين تحت الاحتلال. لكنها تظل بلا قيمة إذا لم تُفعّل، وإذا لم تتحول من نصوص إلى أدوات مساءلة حقيقية.

في هذا السياق، لم يعد كافياً أن يعبّر المجتمع الدولي عن القلق. المطلوب اليوم هو مواقف واضحة، وإجراءات ملموسة: رفض تشريع إعدام الأسرى، الضغط لإنهاء الاعتقال الإداري، ضمان وصول الهيئات الدولية إلى المعتقلين، حماية الأطفال، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

إن الصمت في مثل هذه الحالات لا يمكن اعتباره حياداً، بل هو شكل من أشكال القبول الضمني. والتردد لا يمكن أن يكون بديلاً عن الموقف.

إن قضية الأسرى الفلسطينيين ليست قضية فلسطينية فقط. إنها قضية تتعلق بجوهر النظام الدولي، وبمدى قدرته على حماية القيم التي يدّعي الدفاع عنها.

فإما أن يبقى القانون الدولي مرجعية حقيقية تُطبّق على الجميع،

أو يتحول إلى نص جميل يُستحضر في الخطابات، ويُغيّب في الواقع.

في النهاية، لا نطلب استثناءً،

بل نطالب بما يجب أن يكون بديهياً:

الحرية، والكرامة، والعدالة.

أقلام وأراء

الأحد 12 أبريل 2026 11:36 صباحًا - بتوقيت القدس

أصوات المشانق

إن تجارب الشعوب تشير أن الاستعمار لا يقتصر على السيطرة على الأرض بل إلى محاولات السيطرة على الصوت والصورة واسكات الضحايا والذاكرة، ومن هنا جاءت اهمية مؤتمر توثيق التاريخ الشفوي الذي نظمته وزارة الثقافة يوم 6.4.2026، وضرورة وأهمية توثيق مئات الشهادات والأصوات للأسرى والاسيرات المفرج عنهم من سجون ومعسكرات الاحتلال والناجين من حبال المشانق، خاصة بعد حرب الإبادة الدموية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر2023.

عندما يُفرج عن أسير فلسطيني من سجون الاحتلال، لا يحمل معه فقط جسداً أنهكه التعذيب والمرض، بل يحمل أيضاً شهادة حية على ما يجري خلف الجدران الصامتة، هذه الشهادات ليست مجرد روايات عابرة، بل تمثل وثائق تاريخية وقانونية ذات قيمة قصوى في مسار المحاسبة ومقارعة الاحتلال، ومع تزايد أعداد الأسرى المفرج عنهم في صفقات التبادل الأخيرة، تبرز الحاجة الملحة إلى أرشفة هذه "الأصوات" بشكل منهجي، لضمان عدم ضياعها مع الوقت أو تلاشي تفاصيلها تحت وطأة الصدمة والمرض والنسيان.

تشكل شهادات الأسرى المحررين النافذة الوحيدة التي تطل منها العيون على ما يجري داخل معتقلات الاحتلال، حيث تمتنع إسرائيل عن السماح لأي جهات رقابية دولية، بما فيها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بزيارة آلاف المعتقلين في معسكرات مثل "سديه تيمان". وراكيفت، والزنازين المدفونة تحت الارض، والذين يتعرضون لسياسة الاخفاء القسري وفي ظروف مريعة.

الجميع وفي كل أرجاء الكون سمع أصوات المشانق في قصص وحكايات الاسرى المحررين، وان قانون الإعدام الذي شرع في الكنيست الاسرائيلي في نهاية آذار من العام 2026، ينفذ منذ سنوات تعذيباً وقتلاً وتجويعاً واغتصاباً وعزلاً وتدميراً ممنهجاً لإنسانية الإنسان.

اصوات المشانق تقول إن قانون الإعدام هو فضاء للإبادة الشاملة داخل السجون وخارجها، وأنه ليس مجرد قانون، وانما هو سياسة رسمية هدفها محو وافناء الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، وتجريم نضاله الوطني من أجل الحرية والاستقلال، شرعنة الجريمة والافلات من العقاب.

 إن اصوات الاسرى هي محكمة مؤجلة ووثيقة اتهام وإدانة لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ترتكب على مدار الساعة بتوحش وانتقام وسادية لم يسبق لها مثيل حتى في عصور الظلام، يرافقها اصوات الجلادين في فيديوهات تبث على الهواء، وتصريحات ابادية ورقصات وحفلات شيطانية جعلت من أجساد الاسرى المعذبين وسيلة للمتعة والانتشاء.

 لقد وثقت المؤسسات الحقوقية الفلسطينية والدولية إفادات من معتقلين مفرج عنهم تكشف عن ممارسة ممنهجة ومنظمة للتعذيب الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، والتعرية، والتصوير القسري، والاعتداء بالأدوات والكلاب، التجويع والإذلال والضرب والإعدامات وانتشار الأمراض المزمنة، أنها جهنم كما يقول الاسرى، والان ومن خلال هذه الأصوات المعذبة القادمة من الجحيم، علينا أن نرفع الصمت لمنع إسكات التاريخ والحقيقة.

بدون أرشفة هذه الشهادات، ستبقى هذه الجرائم مجرد "إشاعات" أو "ادعاءات" يمكن للاحتلال إنكارها بسهولة، لكن الأرشفة المنهجية تحول هذه الأصوات الفردية إلى أدلة ملموسة ترسم صورة كاملة عن منظومة التعذيب والعنف الابادي الذي يجري خلف القضبان، وان حجم الكوارث الإنسانية الذي كشفته إفادات الشهود يوضح أن هذه الممارسات لم تكن عشوائية، وانما ترجمة لسياسة هيكلية استعمارية تستهدف وجود الشعب الفلسطيني وتجريده من حقوقه القومية.

تؤكد خبيرة حقوق الإنسان والمحامية دانا شومان أن توثيق شهادات الأسرى المحررين هو "إجراء أساسي وضروري لضمان عدم إفلات الاحتلال من العقاب"، وتوصي الأسرى بالتوجه فور الإفراج عنهم إلى جهات مختصة لتوثيق الإصابات والندوب والمشاهدات، والاحتفاظ بالتقارير الطبية، وتسجيل الإفادات أمام محامين أو هيئات حقوقية.

تكمن أهمية جمع وأرشفة الشهادات أنه عند اللجوء إلى المحاكم الدولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية، لا يكفي سرد الحكايات. بل تحتاج الدعاوى إلى أدلة موثقة ومنظمة يمكن تقديمها كبينات قانونية، وقد أظهرت تجارب المحاكمات في قضايا حقوق الإنسان حول العالم أن الشهادات الموثقة بدقة تشكل في كثير من الأحيان المصدر الرئيسي للأدلة، خاصة عندما تكون السجلات الرسمية قد دمرت أو أخفيت أو شوهت.

 أرشفة اصوات الضحايا تعيد بناء التجربة الحية ضد محاولات الاخفاء والانكار، فما لا يرى لا يدان، فالأرشفة فعل مقاومة معرفية وأخلاقية ومسؤولية وطنية، وسجل مركزي لكشف تفاصيل الإبادة الجسدية والنفسية للأسرى والاسيرات، وصوت بديل للعدالة الغائبة، فالأرشيفات التي تبنى اليوم ستكون أساس المساءلة غدا، وستكون الشاهد الحي للأجيال القادمة.

أرشفة اصوات المشانق وأدوات القتل التدريجي، ليست مجرد عمل تقني، أنه سجل الخسارة والصمود، والدليل على حدوث الفظائع والأساس لملاحقة المجرمين مستقبلا، والحفاظ على الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني، ومقاومة تحويل الفلسطيني إلى مجرد رقم في سجلات الاحتلال، فالأرشفة تحول الجرائم الفردية إلى قضية منظمة يمكن تقديمها كدليل على انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني ولكل شرائع حقوق الإنسان.

مع مرور الوقت، قد تتلاشى اثار التعذيب الجسدي وتتداخل التفاصيل في الذاكرة تحت وطأة الصدمة النفسية، كما أن معظم الاسرى المحررين يعانون من أمراض مزمنة أو إعاقات نتيجة ما تعرضوا له، وقد لا يبقون على قيد الحياة لسنوات طويلة، لذلك يجب توحيد عمل مؤسسي للأرشفة بمنهجية علمية ورقمنة وحفظ هذه الشهادات والأصوات على وجه السرعة وقبل تلاشي آثار التعذيب والتعافي من الأمراض الجسدية والنفسية والعقلية.

لطالما كان التاريخ الشفوي الفلسطيني أداة مركزية في مقاومة محاولات الاحتلال طمس الرواية الفلسطينية. وقد أدرك الباحثون أهمية توثيق شهادات الناجين من النكبة، وعددهم يتضاءل كل يوم، ولهذا علينا البدء فورا بجمع وتوثيق اصوات الضحايا، لان ضياعها هو خسارة في معركة وجودية لا تعوض.

الأرشفة لأصوات المشنوقين في أقبية السجون هي إعادتهم للحياة، استعادة الصوت والكرامة، فالأسير المفرج عنه لا يخرج فقط بجسد مثقل، بل بقصة محملة بالمعنى، فتوثيق شهادته يمنحه حق السرد

ويعيد له دوره كفاعل وشاهد لا كضحية صامتة، أنه استرجاع الروح عبر الكلام، الجريمة لن تمر بلا اسم وبلا محاسبة.

تقول إحدى الأسيرات لازلت اسمع صوت أبواب السجن، صوت السجانات، رغم أنني في المنزل وتحررت، وصوت آخر يصرخ ويتلوى مقيدا عاريا نازفا جوعانا  تغتصبه الكلاب، بينما ذلك الصوت يتحدث عن استشهاد القاصر وليد احمد في سجن مجدو بسبب الجوع وسوء التغذية، تحول التجويع الى حبل مشنقة، اصوات تروي كيف هجم السجانون على الأسير ثائر أبو عصب في سجن النقب وضربوه حتى الموت في تلك الليلة الموحشة، أصوات عن حرق الجلد بالسجائر والسحل والدعس والتعليق وشد القيود والحرمان من النوم والملابس والاغطية، الانحناء والركوع والموسيقى الصاخبة والمزعجة، صوت الهراوات والشتائم النابية، صوت الاقتحامات المتكررة والقنابل ولسع الهراوات الحديدية، السبطانات واعقاب البنادق والبساطير ورذاذ الفلفل، مرض الجرب وانعدام مواد التنظيف والدواء والماء، اصوات كثيرة ودماء على الأرض والجدران، اصوات عندما  تتحدث تحاول أن تفك عن رقابها حبال تلك المشانق العديدة، لتصعد إلى المنصة، وتتسلق على صوتها لتتنفس وتخرج من الأقبية وتخاطب الرأي العام تحت الشمس.

لقد حررت الأمم عبر توثيقها لوحشية الاستعمار، وشكلت سلاحا قانونياً في الملاحقات القضائية ودفع المستعمرين إلى الاعتراف، وضمان أن لا تموت الحقيقة في زنازين المعتقلات، ولازلنا نذكر المناضل العالمي الصحفي يوليوس فوتشيك ومذكراته التي هربها من سجن بانكراك في براغ بعد أن اعتقل بتهمة مقاومة النازية، وأصبح يوم إعدامه يوما دوليا للتضامن مع الصحفيين، وشكل تقريره من تحت اعواد المشنقة عن وحشية النازية، دعما للمحاكمات اللاحقة وجبر الضحايا وتحرير الذاكرة.

ما زلنا نذكر صوت الطفل احمد مناصرة وهو يصرخ في وجه المحقق: مش متذكر، ايش ذنبي، انجنيت انا، ليصبح هذا الصوت محاكمة إنسانية عالمية عن اعتقال القاصرين وتعذيبهم في سجون الاحتلال، وظفته المؤسسات الحقوقية لسنوات في المطالبة بالإفراج عن الأطفال.

أسرى حركة ماو ماو في كينيا الناجون من المعتقلات، قدموا شهادات تفصيلية عن التعذيب الوحشي، لتكشف صمت التاريخ الاستعماري وتجبر الحكومة البريطانية على الاعتراف والاعتذار عام 2013.

حوّل نيلسون مانديلا زنزانته إلى جامعة سياسية، ادار حوارا مع السجانين، وشكل لجنة الحقيقة والمصالحة التي كانت مسرحا لمحكمة شعبية لأصوات الضحايا الذين عانوا من القمع والفصل العنصري، حيث أدلى آلاف الأشخاص بشهادتهم الشفوية في جلسات استماع علنية.

الأسير القائد مروان البرغوثي حول المحاكمات الاسرائيلية إلى منصة سياسية، والى لائحة اتهام ضد جرائم الاحتلال، وهو يعلن ان من حق الفلسطيني المقاومة، وان اليوم الأخير من عمر الاحتلال هو اليوم الأول للسلام. 

استمعوا الى اصوات المشانق، ايها الباحثون و الحقوقيون والسياسيون، حولوها إلى أسلحة في هذه الحرب لحماية الرواية والهوية، والى خطاب مضاد للرواية الاستعمارية المهيمنة، فلم تكن هذه الأصوات مجرد رواية للألم، بل هي تضحية وبطولة، اخرجوها من الرعب والتهديد والصمت والتهميش إلى الفضاء والإعلام، لا تسمحوا للجلادين أن يخنقوا الحقيقة بحبل مشنقة، اصوات الاسرى بمثابة قنابل سردية كفيلة أن تغير مجرى التاريخ، وتهدم نظام السجن الذي تحول الى مقبرة، ومن يستطيع أن يحرر الصوت من الموت يستطيع أن يحرر الجسد والارادة وتستمر الحياة.

اكتبوا هذا الصوت، وحولوه إلى مرافعة وموقف سياسي وحركة جماهيرية غاضبة وإلى أغنية.

———

تكمن أهمية جمع وأرشفة الشهادات أنه عند اللجوء إلى المحاكم الدولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية، لا يكفي سرد الحكايات. بل تحتاج الدعاوى إلى أدلة موثقة ومنظمة يمكن تقديمها كبينات قانونية.

أقلام وأراء

الأحد 12 أبريل 2026 11:35 صباحًا - بتوقيت القدس

حين يُعدَم الأسير يوقّع الطغيانُ شهادةَ نهايته

يتجلى الظلم والطغيان في أبشع أشكاله عندما يجري التفاخر بإعدام أسير كان يكافح من أجل حرية بلاده واستقلالها، لا هو بالمجرم ولا هو بالقاتل السفاح المتسلِّط على غيره ظلما وعدوانا. ويتعمق هذا الظلم أكثر عندما يكون المتفاخر بإعدام الأسير محتلا لأرض الأسير نفسه، طاردا سكانها منها، مُدرِجا كل رافض لذلك ضمن قائمة المرشحين للأسر والإعدام. وقد تعمَّق هذا الظلم اليوم في فلسطين على يد صهاينة متعطشين للدماء، كما تعمق أمس بالجزائر في أثناء ثورتها التحريرية على يد غلاة الكولون المفتخرين بوضع رؤوس عشرات الجزائريين تحت المقصلة وقطعها بلا شفقة ولا رحمة، فقط لأنهم نادوا بتحرير بلدهم من استعمار غاشم معتدٍ وظالم دام لعشرات العقود.

هي الطبيعة الفاسدة والمريضة ذاتها التي حركت أولئك بالأمس، تُحرِّك هؤلاء اليوم، والمصير ذاتُه ينتظرهم.

قتل الفرنسيون ملايين الجزائريين منذ وطئت أقدامهم التراب الجزائري غزاةً محتلين، ونكّلوا بجثثهم ولم يتركوا وسيلة قتل وتعذيب ونفي إلا مارسوها، وما زالوا يحتفظون بجماجم شهداء تلك الحقبة في متحفهم الباريسي الذين يسمونه ظلما "متحف الإنسان"، ويفتخرون بذلك! وكانت آخر ممارساتهم خلال ثورة التحرير المباركة ما بين سنتي1954 و1962 إذ بلغت مُحصِّلة جرائمهم مليونا ونصف مليون من الشهداء الأبرار... وكذلك فعلها قبلهم الرجل الأبيض في أمريكا حيث أفنى الهنود الحمر بكافة الوسائل لِنهب أرضهم والحلول محلهم إلى اليوم، وفعلها أيضا في أستراليا حيث لم يبق من السكان الأصليين "الأبوريجين" سوى عدد قليل، وفي إفريقيا وفي بقية القارات... وظن العالم أن ذلك العهد قد ولّى وأن الإنسانية قد بلغت درجة من الحضارة لِترفض الإبادة والقتل الجماعي والتهجير القسري، فإذا بمجموعة من سفَّاكي الدماء المجرمين تَظهر في فلسطين أكثر وحشية وأكثر إجراماً تُذكِّرنا بكبار المجرمين الذين عرفهم تاريخ البشرية.. لا يكتفون باحتلال كل فلسطين، لا يكتفون بالإبادة الجماعية في غزة، لا يكتفون بالتطبيق المنهجي للجوع كسلاح، لا يكتفون بكل تلك الأساليب الوحشية التي جرى ويجري بها تعذيب أكثر من مليوني فلسطيني محاصرين في المساحة الأكثر كثافةً سكانية في العالم من دون ماء ولا غذاء ولا دواء بشهادة المؤسسات الأممية جميعها، وينتقلون إلى مستوى آخر من الظلم بالإعلان فرحين، هذه المرة، أنهم سيُعدِمون أسرى أفناهم الجوعُ والتعذيب والقهر في سجون المحتل الغاصب لعشرات السنين... هل يوجد ظلمٌ أكثر من هذا اليوم؟ هل يوجد أكثر تعطشا لسفك الدماء من هؤلاء الذين يزعمون أنهم حملة الديمقراطية وحقوق الإنسان والتقدم لشعوب المنطقة؟ هل بقي من مُبرَّر للتعامل معهم والاعتراف بهم والتطبيع معهم كما يدعو لذلك بعض الواهمين ممن صدَّقوا إمكانية التعامل والعيش جنباً إلى جنب مع هذا الصنف من الصهاينة الأشرار؟

يبدو أن ساعة الحقيقة تجلت اليوم، وأن ساعة الأمل قد اقتربت وقد بلغ الظلم في فلسطين مداه، ذلك أن قمة الطغيان تؤذن دائماً باقتراب نهايته. ولم يعد اليوم هناك في العالم طغيانٌ وظلم أكبر كالذي يجري في فلسطين ومن حولها، لا يكتفي بإشعال الحروب باستمرار والعدوان على الآمنين، ولا يكتفي بامتلاك أسلحة الدمار الشامل من دون غيره في المنطقة والتهديد باستخدامها، ولا يكتفي بالافتخار بأنه يملك أكبر ترسانة عسكرية ويده في يد أقوى جيش في العالم، وأنه قادر على البطش بها في أي مكان، بل يصل به الجبروت إلى أن يستقوي على أضعف الحلقات أمامه، أسرى لا حيلة لهم، ذنبهم الوحيد أنهم مارسوا حقهم المشروع في الدفاع عن النفس والسعي لتحرير بلدهم من الاحتلال الغاشم، لِيعلن الشروع في إعدامهم تباعاً باسم القانون ابتداء من اليوم!

هل سينجح هؤلاء المعتدون في مهمتهم؟ بكل تأكيد لا، كما فشل من سبقهم بمثل هذه الممارسات سيَفشلون هم أيضا، ذلك أن الظلم منذرٌ بزوال العمران، وما كانت نهاية الطغاة في كل مرة إلا بعد أن بلغوا قمة الظلم وسفك الدماء.. وهكذا هم الصهاينة اليوم في فلسطين، ومِثلُ مَن سبقهم: لقد وقَّعوا اليوم شهادة نهايتهم وهم يعتقدون أنهم وقَّعوا قانون إعدام أسرى سيرتقون شهداء في سبيل تحرير وطنهم المُفدَّى فلسطين المحتلة... إنها بداية التحرير الحقيقية.

أقلام وأراء

الأحد 12 أبريل 2026 11:33 صباحًا - بتوقيت القدس

الفائز في معركة الإعلام في الحرب الأخيرة

لن أُعطي لنفسي حق الإعلان عن الفائز في معركة الإعلام في حرب إسرائيل وأمريكا على إيران، خاصة أن طبول هذه الحرب لم تهدأ، ونيرانها لم تنطفئ بعد. كما أنني لا أنوي أن أُرجح كفّة رواية على أخرى، بل أسعى وإياكم لفهم المشهد الحالي، الذي تغيّرت معه قواعد الاشتباك مع احتدام الصراع بين الفرقاء في الفضاء الرقمي وليس فقط في الميدان.

فتجند الإعلام في زمن الحروب لخدمة رواية المتحاربين أمر لا حياد فيه، متحلل من المساحات الرمادية بما ضاق منها وما اتسع.  فالمنصات والشاشات وخطوط الإنترنت والحواسيب والهواتف المحمولة، إنما تتحول لتستخدم لصالح سردية طرف على طرف، في مسعى كل منهم لتبرير موقفه، أو تحشيد الرأي العام ضد خصمه، أو حتى ترهيب ذلك الخصم وزرع الرعب وسط جنوده وداخل صفوفه. وبذلك لم يعد المشهد الإعلامي هذه المرة مماثلاً لكل الحروب، بل بات وفي خضم تنامي البعد الرقمي، ساحة مواجهة لا تقل شراسة عن أي مواجهة تقليدية معهودة.

ولعل ما يميز هذه المواجهة أنها جاءت في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الإعلام مجرد منصة لنقل الخبر، بل بمثابة صانع له، ومُعيداً لتشكيله، وأحيانًا مُضلِّلًا به. وعليه جندت الأطراف الثلاثة ماكيناتها الإعلامية بكامل طاقتها من فضائيات وصحف ومنصات للتواصل الاجتماعي، بحيث أصبحت في معظمها جاهزة لترويج رواية طرف على طرف، في سباق محموم لكسب العقول تمهيداً لكسب الحرب نفسها.

لكن اللافت، الذي يشكل فارقاً حقيقياً، إنما تمحور حول كثافة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بصورة تحول معها السؤال من: من يملك المنصة؟ إلى من يُتقن استخدامها ومن يوجع خصمه بها؟ وذلك عبر إنتاج محتوى أكثر تأثيرًا، أسرع انتشارًا، وأعمق اختراقًا لعقول الناس وقلوبها؟ وبذلك دخلنا مرحلة جديدة، تصبح معها صورة مُصممة، أو مقطع مُركب، إنما يوازيان في أثرهما عواجل الأخبار والبيانات العسكرية وحتى المؤتمرات الصحفية على تعددها وصاخبها ومفاعيلها.

وفي خضم توظيف الذكاء الاصطناعي، فقد يذهب البعض إلى القناعة الواضحة بأن هذا الاستخدام لم يتوقف عند حدود الحقيقة، بل يمتد إلى فبركة أفلامٍ لقصف مزعوم، ومشاهد وصور لضربات عسكرية مزورة، وجولات وهمية للقصف، وذلك في محاولة مستمرة لتكريس واقع بصري يخدم الرواية المراد تثبيتها. وهنا تصبح الحقيقة أمام جمهور المتابعين ضحية تتأرجح بين ما هو موثق، وما هو مفبرك بعناية فائقة.

ورغم الإمكانات الضخمة التي تمتلكها الولايات المتحدة وإسرائيل، وسيطرتهما التقليدية على جزء واسع من الإعلام العالمي ومنصات التواصل الاجتماعي على تعددهما، فإن إيران لم تعدم وسائل المناكفة الرقمية، ولا سبل توظيف الذكاء الاصطناعي، في ضحد الرواية الأمريكية والإسرائيلية عبر اختراق هذا الفضاء بمحتوى هزلي معتمد على السخرية البصرية، والمقاطع التسطيحية القصيرة، والرسائل التي تخاطب الجمهور بلغة استهزائية بسيطة لكنها نافذة وقادرة على الانتشار الأوسع عالمياً.

فهذا النوع من المحتوى، الذي يبدو ترفيهيًا، إنما استطاع أن يثبت قدرته على الانتشار الواسع، وربما التأثير الأعمق في نفوس مشاهديه. فالمشاهدون ليسوا مراقبين محايدين في معظمهم، فهم لا يبحثون فقط عن المعلومة، بل عن مواد تقربهم إلى ما يتقاطع مع مواقفهم خاصة تلك اللقطات التي تلامس ميولاتهم، والصورة التي تختصر رواية كاملة في لحظة أو دقيقة واحدة.

ولعل مثال الفيلم الكرتوني الموّلد للرئيس الأمريكي ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي وهما يخوضان اشتباكاً مسلحاً مع المرشد الإيراني الجديد مجتبى الصدر على ضفاف جزيرة "خارك" الإيرانية، إضافة إلى الصورة المتداولة لرئيس البرلمان الإيراني، وهو في طريقه على متن طائرة إيرانية إلى باكستان للتفاوض، محاطًا بصور وحقائب أطفال قُتلوا  في قصف مدارسهم الإيرانية خلال الحرب، وما رافقها من عبارة بسيطة كتبها هو على صفحته وتقول: هؤلاء هم من يرافقونني اليوم، لهو دليل قاطع على حجم التأثير الإعلامي والتحول الذي يوظف الذكاء الاصطناعي والصورة المقتضبة لضحد مواقف الخصوم. وهو ما يقدم بدوره وفي الوقت ذاته رسالة مركّبة، تمزج بين العاطفة والسياسة، وتُحمّل المتلقي مسؤولية التفسير.

وعليه أقول هنا إن الفائز في معركة الإعلام الرقمي ليس بالضرورة من يسيطر على أكبر عدد من القنوات الفضائية ومنصات الإعلام الاجتماعي، ولا من وظف الخوارزميات لإنتاج الذكاء الاصطناعي، بل من يفهم روح اللحظة، فيستطيع الاستفادة من تلك التقنيات والمنصات لخدمة روايته، ومن يعرف كيف يحوّل التكنولوجيا إلى قصة، والصورة إلى إحساس، والمحتوى إلى موقف، والحجج إلى براهين.

أختم هنا بالقول: إننا أمام زمن لم يعد فيه الخبر يُفرض بقوته، بل بقدرة الخوارزميات على تجنب السؤال الأهم: هل ما نراه قد حصل؟ واستبداله بالتعامل مع ذلك الخبر كحقيقة دامغة لا شك فيها. للحديث بقية!


[email protected]

أقلام وأراء

الأحد 12 أبريل 2026 11:33 صباحًا - بتوقيت القدس

عيد الفصح: حين تتحول القيامة إلى شهادة على الأبارتهايد

في كل عام، يحمل عيد الفصح المجيد معاني القيامة، والرجاء، والانتصار على الألم، معاني التضحية والإنسانية، لكن بالنسبة للفلسطينيين، وتحديدًا في القدس، لم يعد العيد مجرد مناسبة دينية، بل تحوّل إلى لحظة كاشفة لواقع سياسي وقانوني قاسٍ، تُنتهك فيه أبسط الحقوق الدينية والإنسانية تحت سلطة الاحتلال.

القدس، التي شهدت حدث القيامة، يفترض أن تكون مفتوحة لأبنائها المؤمنين. فمن الطبيعي أن يحتشد المسيحيون الفلسطينيون في كنيسة القيامة خلال خميس الأسرار، والجمعة العظيمة، وسبت النور، حيث اعتادت الكنيسة استقبال آلاف المصلين من القدس والضفة الغربية وقطاع غزة. إلا أن ما نشهده اليوم هو سياسة ممنهجة لتقييد هذا الحضور، عبر نظام تصاريح تعسفي، وإجراءات إغلاق مشددة، بل وإلغاء تصاريح مُنحت سابقًا، في سابقة خطيرة تمس جوهر الحرية الدينية.

هذه الإجراءات لا يمكن قراءتها بمعزل عن الإطار القانوني الدولي. فبموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، تتحمل القوة القائمة بالاحتلال مسؤولية ضمان حرية العبادة للسكان الواقعين تحت الاحتلال. كما تكفل المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الحق في حرية الدين وممارسة الشعائر. ما يحدث في القدس هو انتهاك صريح لهذه الالتزامات، ويشكّل جزءًا من نظام أوسع من التمييز الممنهج.

ولا يقتصر هذا الواقع على المسيحيين الفلسطينيين. ففي شهر رمضان المبارك، يُحرم المسلمون أيضًا من الوصول الحر إلى المسجد الأقصى، وتُفرض قيود عمرية وجغرافية، وتُغلق الحواجز، وتُقيّد الصلاة، بل وتُغلق أبواب المسجد في بعض الأحيان. وفي عيد الفطر، الذي يفترض أن يكون مناسبة جامعة للفرح والعبادة، يجد آلاف الفلسطينيين أنفسهم محرومين من الصلاة في أحد أقدس الاماكن. إننا أمام سياسة متكاملة تستهدف الوجود الديني الفلسطيني، بمختلف مكوناته.

في المقابل، يتمتع المستوطنون الإسرائيليون بحرية كاملة في الوصول إلى القدس، رغم أن المستوطنات التي يقيمون فيها تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي. هذا التباين الصارخ في المعاملة ليس مجرد خلل إداري، بل هو تعبير واضح عن نظام فصل عنصري (أبارتهايد)، حيث تُمنح الحقوق على أساس الهوية، وتُقيّد على الأساس ذاته.

إن استخدام أدوات قانونية وإدارية لتقييد الوصول إلى الأماكن المقدسة، ومنع السكان الأصليين من ممارسة شعائرهم، يندرج ضمن سياسات تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والسياسي للقدس. وهو ما يتقاطع مع تشريعات مثل "قانون القومية"، الذي يكرّس التمييز وينكر بشكل صريح حقوق غير اليهود، بمن فيهم المسيحيون والمسلمون الفلسطينيون.

لكن، ورغم كل ذلك، يبقى لعيد الفصح في السياق الفلسطيني رمزية تتجاوز الطقس الديني. إنه فعل صمود، واستعادة للمعنى في وجه محاولات الإقصاء. فالقيامة هنا ليست فقط حدثًا لاهوتيًا، بل تجربة يومية يعيشها الفلسطينيون، الذين ينهضون من تحت وطأة القيود ليؤكدوا حضورهم في مدينتهم ومقدساتهم.

في القدس، تتجسد المفارقة القاسية: مدينة تُعد رمزًا عالميًا للحرية الروحية، تتحول إلى مساحة تُقيّد فيها ابسط الحقوق "العبادة". لكن في المقابل، تتحول الصلاة إلى فعل مقاومة، ويصبح الإيمان بالحق والحرية أقوى من كل القيود.

عيد الفصح في فلسطين، إذًا، ليس فقط مناسبة للاحتفال، بل لحظة للمساءلة: مساءلة نظام يحرم الناس من حقهم في الإيمان، ومساءلة المجتمع الدولي عن صمته، ومساءلة الضمير الإنساني عن حدود تحمّله لهذا الظلم المستمر.

أقلام وأراء

الأحد 12 أبريل 2026 11:32 صباحًا - بتوقيت القدس

من بغداد إلى طهران: عندما تُصنّع الحروب باكاذيب

في التاسع من نيسان عام 2003، لم يكن سقوط بغداد مجرد نهاية لنظام حكم، بل كان انهياراً مدوياً لرواية دولية جرى تسويقها بإحكام، تحت عنوان "أسلحة الدمار الشامل"، قادت الولايات المتحدة، بقيادة جورج دبليو بوش، حرباً أطاحت بنظام صدام حسين، قبل أن يتبين لاحقاً أن الذريعة الأساسية للحرب لم تكن سوى وهمٍ سياسي جرى تضخيمه وتسويقه للرأي العام العالمي، لم تكن الكذبة مجرد خطأ في التقدير، بل كانت جزءاً من منظومة متكاملة لإنتاج "حقيقة" تخدم قراراً مُتخذاً سلفاً.

في تلك المرحلة، لم يكن التحريض على الحرب محصوراً في واشنطن وحدها، بل لعبت أطراف إقليمية دوراً فاعلاً في الدفع نحو المواجهة، وفي مقدمتها بنيامين نتنياهو، الذي قدم شهادات وتصريحات علنية تؤكد خطورة النظام العراقي، وتدعو بشكل واضح إلى إسقاطه، هكذا تلاقت المصالح، وتوحد الخطاب، وتمت صناعة حالة من الهلع الدولي، مهدت الطريق لغزو غيّر وجه المنطقة لعقود.

اليوم، وبعد أكثر من عشرين عاماً، تعود اللغة ذاتها إلى الواجهة، لكن هذه المرة باتجاه إيران، الحديث عن "الخطر النووي"، و"التهديد الوجودي"، و"الضرورة الملحة للتحرك"، يعيد إلى الأذهان تلك الأيام التي سبقت غزو العراق، مرة أخرى يظهر بنيامين نتنياهو في المشهد، محذراً، محرضاً، ودافعاً باتجاه تصعيد قد يتجاوز حدود السياسة إلى مواجهة عسكرية شاملة.

المفارقة أن العالم الذي اكتشف زيف رواية أسلحة الدمار الشامل، يبدو اليوم أقل حساسية تجاه تكرار السيناريو ذاته،  فبدلاً من أن تكون تجربة العراق درساً رادعاً، تحولت إلى نموذج قابل لإعادة الاستخدام، مع تعديلات في الشكل لا في الجوهر، يتم تضخيم التهديد، ويتم تسويق الخطر، ثم يُطرح الخيار العسكري باعتباره الحل الوحيد.

غير أن الفارق هذه المرة يكمن في حجم وتعقيد المشهد، فإيران ليست العراق، والبيئة الإقليمية والدولية أكثر تشابكاً، ما يجعل أي مغامرة عسكرية محفوفة بتداعيات قد تتجاوز حدود المنطقة، ومع ذلك فإن الخطاب السائد لا يعكس هذا التعقيد، بل يسعى إلى تبسيط المشهد في معادلة ثنائية: خطر يجب إزالته، وقوة قادرة على إزالته.

ما بين بغداد الأمس وطهران اليوم، تتكشف ملامح نمط متكرر في صناعة الحروب: يبدأ بتخويف، يمر بتضليل، وينتهي بدمار، وبينما تُكتب الروايات في مراكز القرار، تدفع الشعوب الثمن، مرة أخرى، من أمنها واستقرارها ومستقبلها.

إن استحضار تجربة العراق ليس ترفاً تاريخياً، بل ضرورة سياسية وأخلاقية، فالتاريخ لا يُستدعى للبكاء على أطلاله، بل للتحذير من تكرار مآسيه، وإذا كانت كذبة "أسلحة الدمار الشامل" قد كشفت هشاشة النظام الدولي، فإن اختبار اليوم يكمن في قدرة العالم على منع إعادة إنتاج الكذبة نفسها، ولكن هذه المرة بثمن قد يكون أفدح.

أقلام وأراء

الأحد 12 أبريل 2026 11:31 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة بين وعود الإعمار ومعضلة السلاح والشرعية: مستقبل على حافة الانهيار

لم يعد السؤال عن مستقبل قطاع غزة ترفًا سياسيًا أو فكريًا، بل بات سؤالًا وجوديًا يضغط على وعي الفلسطينيين جميعًا، في ظل واقع يتأرجح بين تعهدات دولية ضخمة بالإعمار، وتعثر فعلي يكشف عمق الأزمة وتشابكها. فالأرقام التي تجاوزت 17 مليار دولار لم تجد طريقها إلى التنفيذ، إلا في حدود ضيقة، ما يعكس فجوة صارخة بين الوعود والواقع.

غير أن الأزمة لا تختزل في نقص التمويل، بل تتجاوز ذلك إلى بنية سياسية وأمنية مأزومة، تتداخل فيها مسألة السلاح مع إشكالية الشرعية، ومع غياب التوافق الوطني. وفي قلب هذا المشهد تقف حركة حماس، بوصفها القوة الحاكمة فعليًا في القطاع، والممسكة بزمام القرار الأمني والعسكري. فالسلاح الذي تراه الحركة ضمانة للمقاومة، تنظر إليه أطراف دولية باعتباره عقبة أمام الاستقرار، وبالتالي أمام تدفق أموال الإعمار.

وهنا تتجسد المعضلة المركزية: لا إعمار بلا استقرار، ولا استقرار في ظل تعدد مراكز السلاح خارج إطار سلطة وطنية موحدة. وفي المقابل، فإن أي محاولة لتجاوز هذا الواقع بفرض ترتيبات أحادية، أو السعي لنزع السلاح دون توافق وطني شامل، قد تقود إلى انفجار داخلي يعمّق الأزمة بدل حلّها.

في هذا السياق، برز ما يُعرف بـ«مجلس السلام» بقيادة دونالد ترمب، كأحد الأطر التي سعت إلى الدفع نحو مقاربة جديدة لمستقبل غزة، تقوم على الربط بين إعادة الإعمار وإعادة تشكيل البنية الإدارية والأمنية في القطاع. وقد لعب هذا المجلس دورًا في الدفع نحو تشكيل لجنة وطنية لإدارة غزة برئاسة علي شعث، باعتبارها مدخلًا لإعادة تنظيم الإدارة المدنية، وتهيئة بيئة أكثر قبولًا دوليًا لتدفق التمويل.

غير أن هذا الدور، رغم طموحه، لا يزال يواجه تحديات جدية. فضعف الاستجابة المالية الفعلية  -حيث لم يصل سوى جزء محدود من التعهدات- بدأ يثير تساؤلات لدى المراقبين حول جدية هذا المسار، وقدرته على التحول إلى برنامج عملي قابل للحياة. كما أن ربط التمويل بترتيبات سياسية وأمنية معقدة، زاد من حالة التردد لدى الأطراف المحلية، وأبقى المبادرة في دائرة الانتظار.

إلى جانب ذلك، لا تزال اللجنة الوطنية المقترحة عاجزة عن مباشرة عملها على الأرض، نتيجة عراقيل سياسية وأمنية تحول دون دخولها إلى القطاع. هذه العراقيل تعكس في جوهرها استمرار الانقسام بين حركة فتح وحركة حماس، وغياب اتفاق واضح حول طبيعة المرحلة الانتقالية، وحدود الصلاحيات، وشكل الشراكة.

ولا يمكن إغفال عامل آخر بالغ الأهمية، يتمثل في تعدد الفصائل الفلسطينية المسلحة، التي تمتلك حضورًا ميدانيًا وسلاحًا، وترى في أي إعادة ترتيب للمشهد احتمالًا لتقليص دورها.

هذا التعدد يضعف فرص بناء منظومة أمنية موحدة، ويجعل من مسألة “حصر السلاح” أو" نزع السلاح " تحديًا سياسيًا قبل أن يكون أمنيًا.

في ضوء ذلك، يتشكل مشهد مركب: مبادرات دولية مشروطة، قيادة فلسطينية منقسمة، واقع أمني متعدد، وثقة دولية تتآكل تدريجيًا.

فالدول المانحة، وعلى رأسها الجهات المرتبطة بمبادرة «مجلس السلام»، لم تعد تنظر فقط إلى حجم التمويل المطلوب، بل إلى جدوى الاستثمار في بيئة غير مستقرة، تفتقر إلى ضمانات حقيقية.

والأخطر من ذلك، أن هذا التعثر بدأ ينعكس على ثقة الشارع الفلسطيني نفسه، الذي بات يرى في المؤتمرات الدولية والوعود المالية مجرد تكرار لخطاب لا يلامس واقعه اليومي.

ومع تآكل هذه الثقة، تتزايد احتمالات الانفجار الاجتماعي، أو الانزلاق نحو مزيد من الفوضى، أو حتى الهجرة القسرية.

إن غزة اليوم تقف أمام لحظة حاسمة: إما أن تتحول هذه المبادرات، بما فيها دور دونالد ترمب ومجلسه، إلى مسار فعلي يعيد بناء القطاع ضمن رؤية سياسية واضحة، أو أن تبقى مجرد إطار نظري يتآكل مع الوقت، ويضيف طبقة جديدة من الإحباط إلى واقع مأزوم.

خلاصة القول: إن معضلة غزة لم تعد تقنية ولا مالية، بل هي معضلة قرار وطني وسياسي.

فالإعمار يحتاج إلى سلطة موحدة، والسلطة تحتاج إلى شرعية، والشرعية تحتاج إلى توافق، والتوافق يمر حتمًا عبر معالجة قضية السلاح ضمن رؤية وطنية جامعة.

دون ذلك، ستبقى غزة رهينة معادلة مستحيلة: أموال بلا أثر، وسلطة بلا سيادة، وسلاح بلا إطار… ومستقبل معلق على حافة الانهيار.

وهنا أنشر تعليقاً للدكتور عادل جودة من العراق على الرؤية التي طرحها هذا المقال بعد قراءته قبل النشر: "يمضي النص في تشريحٍ عميقٍ لأزمة غزة، لا بوصفها أزمة ظرفية عابرة، بل باعتبارها عقدة بنيوية مركبة تتداخل فيها السياسة بالأمن، والشرعية بالواقع الميداني، والإرادة الوطنية بالتوازنات الدولية.

ومنذ السطور الأولى، ينجح الكاتب في نقل السؤال من هامش التفكير إلى مركز الوجود، حين يجعل من “مستقبل غزة” قضية تمس الوعي الجمعي الفلسطيني، لا مجرد ملف تفاوضي أو بند في أجندة دولية.

تكمن قوة النص في تفكيكه لفكرة الإعمار بوصفها وهمًا مؤجلًا أكثر منها مشروعًا قيد التنفيذ. فالإشارة إلى المليارات الموعودة التي لم تتحقق فعليًا، لا تُقدَّم كخلل مالي، بل كعرضٍ لمرضٍ أعمق: غياب البيئة السياسية القادرة على تحويل التعهدات إلى واقع.

هنا، يخرج الكاتب من التفسير السطحي الذي يُحمّل المجتمع الدولي وحده مسؤولية التعثر، ليضع الإصبع على البنية الداخلية الفلسطينية بوصفها عنصرًا حاسمًا في إنتاج الأزمة واستمرارها.

يبرز مفهوم "معضلة السلاح والشرعية" كالمحور المركزي الذي يدور حوله التحليل.

 فالنص لا يتبنى موقفًا تبسيطيًا من سلاح المقاومة، بل يعترف بازدواجية دلالته: هو من جهة رمز للصمود وضمانة للردع، ومن جهة أخرى عقبة في نظر الفاعلين الدوليين أمام الاستقرار.

 هذا الطرح المتوازن يمنح النص عمقًا، لأنه لا يسقط في ثنائية التقديس أو الإدانة، بل يضع السلاح داخل معادلة سياسية أشمل، تتطلب إعادة تعريف وظيفته ضمن إطار وطني جامع.

ومن خلال هذه الزاوية، يطرح الكاتب إشكالية "تعدد مراكز القوة" باعتبارها عائقًا بنيويًا أمام قيام سلطة موحدة. فغياب الاحتكار الشرعي للسلاح لا يؤدي فقط إلى فوضى أمنية، بل يقوض أساس الثقة—داخليًا وخارجيًا—في أي مشروع لإعادة البناء.

 وهنا تتجلى إحدى أهم أفكار النص: أن الإعمار ليس عملية هندسية، بل فعل سياسي مشروط بوجود سلطة قادرة على فرض النظام وتقديم الضمانات.

في تناوله للمبادرات الدولية، وخاصة ما سُمّي بـ«مجلس السلام»، يتعامل الكاتب بنبرة نقدية هادئة، لا ترفض المبادرة من حيث المبدأ، لكنها تشكك في قابليتها للتحقق. فربط الإعمار بإعادة تشكيل البنية السياسية والأمنية يبدو منطقيًا من منظور دولي، لكنه في السياق الفلسطيني يتحول إلى عامل تعطيل، لأنه يصطدم بواقع الانقسام وغياب التوافق. وهنا يلمّح النص إلى فجوة عميقة بين منطق الخارج، الذي يبحث عن "شريك مستقر"، ومنطق الداخل، الذي لا يزال غارقًا في صراع الشرعيات.

كما يسلّط الضوء على عجز اللجنة الوطنية المقترحة، لا باعتباره فشلًا إداريًا، بل كدليل على انسداد الأفق السياسي. فعدم قدرتها على دخول غزة يعكس أن الأزمة لم تعد في "من يدير"، بل في "من يملك الحق في الإدارة"، وهي إشكالية تتجاوز الأشخاص إلى بنية النظام السياسي ذاته".

أقلام وأراء

الأحد 12 أبريل 2026 11:28 صباحًا - بتوقيت القدس

ما الذي فعله الاحتلال بشخصيتنا الجماعية؟

لسنوات طويلة كُتب الكثير عن الأرض المصادرة، والموارد المنهوبة، والقيود المفروضة على الحركة. لكن قليلاً ما طُرح سؤال مختلف : ماذا يحدث لمجتمع يعيش عقوداً كاملة داخل واقع غير مستقر لكنه مضطر للاستمرار؟ الإجابة لا تظهر في السياسة وحدها، بل في تفاصيل السلوك اليومي للناس.

لم يعد السؤال في فلسطين: كيف يقاوم الناس الاحتلال؟ السؤال الأكثر إزعاجاً هو: كيف تعلّم الناس العيش معه؟ لسنوات طويلة صُوِّر الصراع باعتباره مواجهة مباشرة بين قوة احتلال وشعب يقاوم. لكن ما يحدث اليوم أكثر تعقيداً بكثير. فالاحتلال المعاصر لا يبحث فقط عن السيطرة الأمنية أو الجغرافية؛ بل عن شيء أكثر استقراراً وأقل تكلفة: مجتمع قادر على التكيّف مع القيود باعتبارها جزءاً طبيعياً من الحياة. هذه ليست هزيمة، وليست استسلامًا. إنها نتيجة بيئة طويلة الأمد أُعيد فيها تشكيل السلوك الإنساني نفسه. من القمع إلى الإدارة الاحتلال الكلاسيكي يعتمد على المنع المباشر.

أما الاحتلال طويل الأمد فيعتمد على الإدارة. لا حاجة لمنع الحركة بالكامل، يكفي جعلها غير مضمونة. لا حاجة لإغلاق الاقتصاد، يكفي إبقاؤه هشاً. لا حاجة لإيقاف الحياة، يكفي جعل التخطيط مخاطرة.

بهذه الطريقة يبدأ المجتمع بتطوير آليات ذاتية للتكيّف: يخفض التوقعات، يقلص المخاطر، ويعيد ترتيب أولوياته حول النجاة اليومية بدل البناء طويل الأمد.

وهنا يتحقق التحول الأخطر: القيود لا تُفرض فقط من الخارج، بل يُعاد إنتاجها داخلياً عبر السلوك اليومي.



الشخصية المرِنة.. والثمن الخفي

غالبًا ما يُمدح الفلسطيني بقدرته الاستثنائية على التكيف. وهو أحد أعظم أشكال الصمود الإنساني. وهو وصف صحيح. لكن المرونة المستمرة تحمل ثمنًا غير مرئي. حين يُجبر الإنسان على التكيف الدائم، يبدأ عقله بتجنب الرهانات الكبرى .. لا خوفاً، بل واقعيةً. ومع الزمن تصبح الحذر استراتيجية حياة. ينمو جيل أكثر قدرة على النجاة، لكنه أقل قدرة على الشعور بالأمان طويل الأمد. ليس لأن الإرادة ضعفت، بل لأن البيئة علّمت الناس أن الاستقرار قد يكون مؤقتًا دائمًا.

بمعنى آخر: قوة المجتمع في التكيّف قد تتحول دون قصد إلى عامل يسمح باستمرار الواقع نفسه. ليس لأن الناس اختاروا ذلك، بل لأن الحياة يجب أن تستمر.


من شعب يخطط... إلى شعب يستجيب

في المجتمعات الطبيعية، تُبنى الحياة على التخطيط: تعليم يقود إلى وظيفة، وظيفة تقود إلى استقرار، واستقرار يسمح ببناء مستقبل واضح. أما في الحالة الفلسطينية، فقد تشكل نمط مختلف تدريجيا ، الناس لم تتوقف عن العمل أو الطموح، لكنها بدأت تعيش وفق منطق آخر: الاستجابة بدل التخطيط.

قرار العمل مرتبط بالوضع اللحظي.

قرار الاستثمار مرتبط بدرجة المخاطرة السياسية.

حتى القرارات الشخصية أصبحت مرتبطة بإمكانية حدوث مفاجآت غير متوقعة.

وهكذا يتحول المجتمع من مجتمع يبني الزمن إلى مجتمع يدير المفاجآت.


الإرهاق الجمعي غير المعلن

هناك تحول آخر أقل وضوحاً: الإرهاق. ليس الإرهاق الناتج عن حدث كبير، بل الإرهاق الناتج عن التراكم. سنوات طويلة من القرارات الصغيرة الصعبة، والقلق المتكرر، وإدارة الحياة تحت احتمالات مفتوحة. هذا الإرهاق لا يوقف المجتمع، لكنه يغيّر إيقاعه النفسي . يصبح الحلم أكثر حذراً، والتوقعات أكثر تواضعاً، والطموح أكثر واقعية. وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج الاحتلال طويل الأمد: مجتمع قوي في البقاء، لكنه مُرهق في التقدم.


إعادة تعريف الشجاعة

في سياقات أخرى، تُقاس الشجاعة بالمواجهة المباشرة. أما هنا فقد تغير معناها، الشجاعة أصبحت: الذهاب إلى العمل رغم عدم اليقين، بناء مشروع صغير رغم المخاطر، الاستمرار في الحياة اليومية رغم الإحساس الدائم بالهشاشة. لكن هذا النوع من الشجاعة اليومية الصامتة لا يظهر في الخطاب السياسي، رغم أنه يشكّل جوهر التجربة الفلسطينية المعاصرة.


اقتصاد البقاء بدل اقتصاد المستقبل

تحت الضغط المزمن، يتغير تعريف النجاح. لم يعد النجاح مشروعاً طويل الأمد أو استقراراً اقتصادياً؛ أصبح القدرة على الصمود ليوم إضافي. تنتشر المشاريع الصغيرة المؤقتة، الوظائف غير المستقرة، والقرارات السريعة.

يبدو الأمر وكأنه ضعف اقتصادي، لكنه في الحقيقة تكيف عقلاني مع بيئة لا تكافئ الاستقرار. الاحتلال هنا لا يمنع التنمية فقط؛ بل يعيد توجيه المجتمع نحو نمط اقتصادي قائم على الاستجابة لا المبادرة.

أخطر ما يتغير: سقف الممكن لا يحدث التحول الأكبر في السياسة أو الاقتصاد، بل في المخيلة الجماعية. حين يكبر جيل كامل وهو يتعلم أن الخطط الكبرى قد تنهار فجأة، يبدأ الناس دون وعي بتقليص أحلامهم قبل أن تُقيدها الظروف.

وهنا تتحقق السيطرة الأكثر هدوءاً .... ليس منع الحلم، بل جعل الحلم يبدو غير واقعي.


التحول الذي لا يُرى

لا توجد لحظة واحدة يمكن القول عندها إن الشخصية الجماعية تغيّرت. بل يحدث التحول ببطء، جيلاً بعد جيل، حتى يصبح التعامل مع عدم الاستقرار مهارة أساسية للحياة. المفارقة أن هذا التحول هو في الوقت نفسه دليل قوة ودليل ضغط مستمر. فالفلسطيني لم يفقد القدرة على الاستمرار، لكنه اضطر لإعادة تعريف معنى الاستقرار، ومعنى النجاح، وحتى معنى المستقبل .


احتلال بلا ضجيج

وإن أخطر إنجاز لأي نظام سيطرة ليس فرض الطاعة بالقوة، بل الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الواقع القائم قابلاً للحياة بما يكفي كي يستمر. في هذه المرحلة لا يشعر الناس أنهم يعيشون وضعاً استثنائياً دائماً، بل حالة طبيعية معقّدة يجب إدارتها يوماً بيوم.


المعركة المقبلة

ربما لم تعد المعركة فقط على الجغرافيا أو الاقتصاد، بل على شيء أعمق: الحفاظ على القدرة على التخطيط، والحلم، وتخيّل حياة طبيعية رغم واقع غير طبيعي. لأن أخطر ما يمكن أن ينجح به أي احتلال ليس السيطرة على الأرض... بل جعل الناس يعتقدون أن الحياة المؤقتة هي الشكل الطبيعي للحياة. والتحدي الفلسطيني اليوم ليس فقط البقاء، بل حماية الإنسان الداخلي من التحول الدائم الذي تفرضه الظروف.

كيف نستمر في النجاة ... دون أن نتوقف عن تخيّل مستقبل مختلف؟ لأن الصراع لم يعد فقط على الأرض، بل على تعريف ما هو ممكن أصلًا .

تحليل

الأحد 12 أبريل 2026 11:27 صباحًا - بتوقيت القدس

من الغيبة إلى الدولة: المسار التاريخي والفكري لنظرية ولاية الفقيه

تشغل نظرية 'ولاية الفقيه' حيزاً واسعاً في النقاشات الفكرية والسياسية المعاصرة، نظراً لتأثيرها المباشر على موازين القوى في الشرق الأوسط. وقد اكتسبت هذه النظرية طابعاً مؤسسياً بعد انتصار الثورة في إيران عام 1979، حيث تحولت من بحث فقهي في بطون الكتب إلى نظام حكم يدير الدولة والعلاقات الدولية.

تعود الجذور الأولى للافتراق النظري إلى مرحلة ما بعد وفاة النبي محمد، وتحديداً أحداث 'سقيفة بني ساعدة'. ويرى الفقه السياسي الشيعي أن الولاية حق منصوص عليه للإمام علي بن أبي طالب، مستندين في ذلك إلى نصوص دينية وتفسيرات لحديث 'غدير خم'، مما جعل الإمامة ركناً اعتقادياً لا مجرد مسألة فرعية.

يتميز الفكر الإمامي بجعل الإمامة واجباً عقلياً يقع على عاتق اللطف الإلهي، حيث يجب أن يكون الإمام معصوماً ومنصوصاً عليه. وقد أدرج علماء الكلام الشيعة أبحاث الإمامة ضمن سياق العقائد لتثبيت الأحقية الشرعية في مواجهة الفرق الإسلامية الأخرى التي اعتمدت مبدأ الشورى أو الاختيار.

تمثل 'غيبة الإمام المهدي' المنعطف الأبرز في تاريخ الفكر السياسي الشيعي، حيث انقسمت إلى غيبة صغرى انتهت عام 329 هـ، وغيبة كبرى مستمرة. هذا الانقطاع في التواصل المباشر مع الإمام المعصوم وضع الفقهاء أمام تحدي إدارة شؤون الجماعة المؤمنة والتعامل مع السلطات القائمة التي وُصفت غالباً بأنها 'أنظمة جور'.

خلال 'زمن الانتظار'، تباينت مواقف الفقهاء بين الانكفاء عن السلطة أو الانخراط الجزئي فيها للحفاظ على مصالح الطائفة. وقد وفرت الدولة البويهية في بغداد هامشاً من الحرية سمح لعلماء مثل الشيخ الطوسي والشريف الرضي بتطوير أدوات فقهية للتعامل مع الواقع السياسي المعقد دون الاصطدام المباشر مع الخلافة.

شهدت الدولة الصفوية تحولاً جوهرياً، حيث برز المحقق الكركي كأحد المنظرين الأوائل لولاية الفقيه العامة. ورأى الكركي في قيام دولة تتبنى المذهب الإمامي فرصة تاريخية، معتبراً الفقيه نائباً عن الأئمة في القضاء والحكم، وهو ما واجه معارضة من فقهاء آخرين تمسكوا بضرورة الابتعاد عن السلاطين.

في القرن التاسع عشر، قدم الملا أحمد النراقي صياغة أكثر شمولاً لصلاحيات الفقيه، مؤكداً أن كل ما كان للنبي والإمام من ولاية في أمور العباد ينتقل للفقيه. ومع ذلك، ظل الشيخ مرتضى الأنصاري متحفظاً على إثبات الولاية العامة بالدليل القطعي، معتبراً أن إقامة البرهان عليها دونها 'خرط القتاد'.

مع مطلع القرن العشرين، بدأت الحوزات الدينية تتفاعل مع مفاهيم الحداثة والدستور، وظهر ذلك جلياً في 'ثورة المشروطة' بإيران. الشيخ محمد حسين النائيني قدم رؤية توفيقية في كتابه 'تنبيه الأمة'، حيث اعتبر الحكم الدستوري والشورى وسيلة للحد من الاستبداد في عصر غيبة الإمام المعصوم.

أحدث الإمام الخميني ثورة فكرية من خلال كتابه 'الحكومة الإسلامية'، حيث كسر حالة السلبية والانتظار التي سادت لقرون. وربط الخميني بين مفهوم الولي الفقيه والمفاهيم العرفانية، معتبراً أن إقامة العدل وتطبيق أحكام الشريعة هي مسؤولية الفقيه المباشرة التي لا تحتمل التأجيل.

في المقابل، برزت أطروحات مغايرة مثل نظرية 'ولاية الأمة على نفسها' للشيخ محمد مهدي شمس الدين، الذي جعل الشورى والمشاركة الشعبية هي الأصل. كما قدم محمد باقر الصدر نموذجاً يدمج بين ولاية الفقيه وخلافة الإنسان العامة، مؤكداً أن شرعية القيادة تكتسب من ثقة الأمة بها.

كرس الدستور الإيراني بعد عام 1979 سلطة الولي الفقيه كقائد أعلى للدولة، ومنحه صلاحيات واسعة تشمل الإشراف على القوات المسلحة والقضاء. وقد أثارت التعديلات الدستورية عام 1988، التي نصت على 'الولاية المطلقة'، نقاشات حادة حول حدود هذه السلطة ومدى توافقها مع المؤسسات الديمقراطية.

أثار انتخاب علي خامنئي مرشداً عام 1989 خلفاً للخميني جدلاً فقهياً واسعاً، خاصة من قبل المرجع حسين علي منتظري. وتركز الخلاف حول شرط 'الاجتهاد المطلق' ومرتبة 'آية الله'، مما أدى إلى تصدعات داخل النخبة الدينية الحاكمة انتهت بفرض الإقامة الجبرية على المعارضين.

تطرح تطبيقات ولاية الفقيه اليوم إشكاليات تتعلق بالسيادة الوطنية في الدول التي تتواجد بها أحزاب تتبنى هذه النظرية. ويرى منتقدون أن التبعية لمرجعية عابرة للحدود قد تضعف الولاء الوطني، بينما تدافع تلك الأحزاب بأن الالتزام هو في الإطار العقائدي العام مع مراعاة خصوصيات كل مجتمع.

يبقى الجدل حول ولاية الفقيه مفتوحاً بين من يراها ضرورة لحفظ النظام الإسلامي ومن يعتبرها اجتهاداً بشرياً قابلاً للنقد والتطوير. وتستمر الحوزات العلمية في النجف وقم في تقديم قراءات متباينة تعكس التوتر التاريخي بين النص الديني ومتطلبات الدولة الحديثة.

أقلام وأراء

الأحد 12 أبريل 2026 11:27 صباحًا - بتوقيت القدس

كيف يبتكر الفلسطيني نموذجاً لا تُدرّسه الجامعات؟

في كل الأدبيات التربوية تقريباً، يُفترض أن التعليم يحتاج إلى بيئة مستقرة: صفوف آمنة، موارد كافية، تخطيط طويل الأمد، ومناخ نفسي متوازن.

لكن ماذا يحدث حين تُسحب هذه الشروط واحدة تلو الأخرى؟

هل ينهار التعليم، أم يعيد تعريف نفسه؟

في الحالة الفلسطينية، الإجابة ليست نظرية.

هي واقع يُعاش يومياً.

نحن أمام نموذج تعليمي يعمل تحت ضغط مستمر: انقطاع، توتر، اقتحامات، أزمات مالية، بيئة نفسية مثقلة، ونظام سياسي واقتصادي هش.

كل ما تقوله كتب التربية إنه "ضروري لنجاح التعليم" هو، في حالتنا، مهدد أو غائب جزئيا.

ومع ذلك، التعليم لم يتوقف. بل استمر ، وتكيّف، وأحيانا ابتكر. هذه المفارقة لا تُقرأ جيدًا حتى الآن.

غالبا ما نصف ما يحدث بأنه "صمود"، وهي كلمة صحيحة لكنها غير كافية، لأن ما يجري ليس مجرد صمود، بل إنتاج نمط تعليمي مختلف- نمط لم تُنظّر له الجامعات بعد، ولم تُبنَ عليه سياسات واضحة.

في البيئات القسرية، يتغير معنى التعليم.

لا يعود هدفه فقط نقل المعرفة، بل الحفاظ على استمرارية الوعي، لا يعود الصف مكانا للتلقين، بل مساحة لإعادة ترتيب الفوضى التي يعيشها الطالب خارج المدرسة.

المعلم هنا لا يدرّس مادة فقط. هو يوازن بين المعرفة والحالة النفسية، بين المنهاج والواقع، بين ما يجب أن يُقال وما يجب أن يُحتوى.

يصبح أقرب إلى قائد ميداني منه إلى موظف، يدير صفاً لا يخلو من القلق، ويخلق داخله حدًا أدنى من الاستقرار المعرفي. هذا الدور لا يُدرّس في كليات التربية.

ولا تُقاس كفاءته في امتحانات التوظيف.

والطالب، من جهته، لم يعد ذلك المتلقي الهادئ. هو يدخل الصف محمّلًا بتجارب لا تناسب عمره: خوف، فقدان، قلق، وأسئلة أكبر من المنهاج نفسه.

ومع ذلك، يتعلم. ليس فقط ما في الكتاب، بل كيف يستمر رغم كل شيء. هذه القدرة ليست تفصيلًا إنسانيا.

إنها مؤشر تربوي عميق على أن لدينا طاقة كامنة لإنتاج نموذج تعليمي مختلف.

لكن المشكلة أننا لا نقرأ هذا النموذج كما يجب.

نتعامل مع التعليم في هذه الظروف باعتباره حالة استثنائية يجب تجاوزها، لا حالة يمكن التعلم منها.

نحاول "إصلاح الخلل" بدل أن نسأل: ماذا لو كان في هذا الخلل نفسه عناصر قوة لم نكتشفها بعد؟

في العالم، بدأت تظهر أدبيات حول "التعليم في الطوارئ" و"التعليم في النزاعات".

لكن معظمها ينظر إلى هذه الحالات كأزمات مؤقتة تحتاج إلى تدخلات سريعة، لا كنماذج قابلة لإنتاج معرفة جديدة.

أما نحن، فنعيش هذه الحالة بشكل ممتد. وهذا يمنحنا- إن أحسنا القراءة- فرصة نادرة:

أن ننتقل من موقع "المتلقي للنظريات" إلى موقع  "منتج النظرية".

لكن ذلك يتطلب تغييرًا في زاوية النظر.

بدل أن نسأل: كيف نُعيد التعليم إلى طبيعته؟ يجب أن نسأل: ما هي "الطبيعة الجديدة" للتعليم في سياقنا؟

بدل أن نقيس النجاح بمدى تطابقنا مع النماذج التقليدية، يجب أن نقيسه بقدرتنا على الحفاظ على التعلم رغم اختلال الشروط.

وبدل أن نرى المعلم ضحية الظروف فقط، يجب أن نراه أيضًا فاعلًا ينتج ممارسات جديدة تستحق التوثيق والبناء عليها.

المشكلة ليست في غياب التجربة، بل في غياب تحويلها إلى معرفة. لدينا ممارسات يومية في الصفوف، في المخيمات، في البيئات الصعبة، لكنها تبقى خبرات معزولة، لا تُجمع، ولا تُحلل، ولا تتحول إلى سياسات.

وهنا تضيع الفرصة، لأن النموذج لا يولد من التنظير المجرد، بل من تجميع التجارب، وقراءتها، وإعادة صياغتها.

وما نملكه اليوم هو مادة خام غنية جدًا- لكنها غير مستثمرة. التعليم تحت القهر ليس قصة بطولية فقط.

هو مختبر حي. مختبر ينتج يومياً أسئلة جديدة:

•كيف نحافظ على الدافعية؟

•كيف نُبقي الطالب متماسكًا؟

•كيف نوازن بين المنهاج والواقع؟

•كيف نُعيد تعريف النجاح؟

هذه الأسئلة، إذا أُخذت على محمل الجد ، يمكن أن تقود إلى بناء نموذج تربوي مختلف، لا يُلغي النماذج العالمية، لكنه لا يخضع لها أيضًا. نموذج يبدأ من الواقع، لا من القوالب.

لكن ذلك لن يحدث إذا استمررنا في النظر إلى التعليم كملف يحتاج إلى "دعم" فقط.

الدعم مهم، لكنه لا يكفي.

نحن بحاجة إلى إطار فكري وسياسي يعترف بأن ما يحدث هنا يستحق أن يُفهم، لا أن يُدار فقط.

لأن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نعيش تجربة غنية بهذا الحجم، ثم نخرج منها بلا معرفة.

وحينها، لا نخسر فقط فرصة تطوير التعليم، بل نخسر فرصة أن نقول للعالم: إن ما نعيشه ليس مجرد أزمة، بل نموذج يولد من تحت الضغط.

أقلام وأراء

الأحد 12 أبريل 2026 11:25 صباحًا - بتوقيت القدس

قشّة نصر في بيدر المعركة: حين يُعاد تعريف الانتصار

في زمنٍ لم تعد فيه الحروبُ تُخاضُ في الميدان وحده، بل في اللغة والصورة والوعي، لم يعد النصرُ واقعةً صلبةً يمكن الإشارة إليها بوضوح، بل تحوّل إلى معنىً قابلٍ للتشكيل، وإلى روايةٍ قابلةٍ لإعادة الكتابة. لم يعد السؤال: من انتصر؟ بل: كيف جرى تقديم ما حدث؟ ومن امتلك القدرة على تسميته؟

في هذا التحوّل، تتشكّل مفارقةٌ قاسية: ليس كلُّ ما يُعلَنُ نصرًا هو نصر، وليس كلُّ ما يبدو هزيمةً هو كذلك. بين الحدث وتأويله، وبين الواقع وصورته، تتكوّن فجوةٌ تُملأ بعناية، وتُدارُ بمهارة، وتُستثمرُ سياسيًا ونفسيًا. في هذه الفجوة تحديدًا، تولدُ "قشّة النصر": ذلك الجزء الضئيل من الوقائع، الذي يُنتزع من سياقه، ويُرفع عاليًا، لا لأنه يمثّل الحقيقة، بل لأنه قادرٌ على إقناع جمهورٍ مُتعبٍ بأن الحصادَ ما زال ممكنًا.

الاستعارة الزراعية هنا ليست بريئة؛ فالبيدر في الذاكرة القديمة، هو مكان الفرز: حيث تُفصلُ الحبوب عن القشّ، ويظهرُ الجوهر من الفائض. غير أنّ هذه العلاقة تنقلب في زمن الحرب الحديثة. لم يعد القشّ مجرّد بقايا، بل أصبح مادةً قابلةً لإعادة التوظيف، ورمزًا يمكن تضخيمه، وإشارةً يمكن تحميلها ما لا تحتمل. هكذا يُعاد ترتيب المعنى: ما هو ثانوي يُقدَّم كأنه جوهري، وما هو جزئي يُسوَّق كأنه حاسم، وما هو عابر يُعاد تدويره بوصفه نقطة تحوّل.

في هذا السياق، لا يعود النصر نتيجةً تُعلن بعد انتهاء المعركة، بل يصبح عمليةً مستمرة تُصنع أثناءها، تُبنى في غرف السياسة، وتُصاغ في قوالب الإعلام، ويُعاد إنتاجها في الفضاء الرقمي، حيث تتسارع دورة الحدث والتأويل إلى حدٍّ يسبق الفهم نفسه. لم تعد الوقائع تنتظر تفسيرها، بل يُصنع لها تفسيرٌ جاهزٌ قبل أن تستقر.

تعمل هذه الصناعة عبر آليات دقيقة، قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة الفعالية، يُنتقى مشهدٌ واحد من بين آلاف المشاهد، لأنه يخدم الرواية المطلوبة، ويُعاد بثّه حتى يتحوّل إلى مركز الإدراك. يُقتطع الزمن عند لحظةٍ تبدو مواتية، قبل أن تتكشف نتائجها، تُعاد تسمية الأشياء بلغةٍ مخفّفة لا تنفي الواقع، لكنها تعيد تغليفه: التراجع يصبح إعادة تموضع، والخسارة تتحوّل إلى استنزاف، والانسحاب يُقدَّم كخيارٍ تكتيكي. ومع التكرار، لا تعود هذه الكلمات مجرد توصيفات،بل تتحوّل إلى حقائق نفسية، مستقرة في وعي من يسمعها.

غير أنّ هذه العملية لا تنجح من دون قابليةٍ للتلقي. فالجمهور، في لحظات الخطر، لا يبحث فقط عن المعلومات، بل عن المعنى، يحتاج إلى قصةٍ تُمسك بتفكّك الواقع، وتمنحه شعورًا بالتماسك. وفي ظلّ الخوف يصبح الأمل ضرورةً نفسية، وفي ظل الإرهاق تتراجع القدرة على التفكيك والنقد، ويصبح التصديق أسهل من الشكّ. أما الانتماء، فيدفع الفرد إلى تبنّي ما يدعم موقعه، حتى لو كان يعلم، في مستوى ما، أن الصورة غير مكتملة.

هنا، لا تُفرض "قشّة النصر" من الأعلى فقط، بل تجد من يلتقطها، ويعيد حملها، وربما يدافع عنها، ليس لأن الناس ساذجون، بل لأنهم في لحظات الانكشاف يحتاجون إلى ما يخفّف وطأة الواقع. إنها آلية دفاعٍ جماعي، بقدر ما هي نتيجةُ خطابٍ موجّه.

ومع اتساع الفضاء الرقمي، لم تعد السيطرة على الرواية حكرًا على جهةٍ واحدة، فقد باتت الحروب تُخاض أيضًا في ساحةٍ مفتوحة، حيث تتنافس السرديات، وتتصادم التأويلات، ويتحوّل كلّ حدثٍ إلى مادةٍ قابلةٍ لإعادة الصياغة؛ قد يخسر طرفٌ موقعًا على الأرض، لكنه ينجح في تسويق ما حدث بوصفه صمودًا فيربح معنويًا، وقد يحقق طرفٌ تقدّمًا ملموسًا، لكنه يفشل في تقديمه، فيبدو وكأنه لم يحقق شيئًا، وهكذا، ينفصل النصر عن مادّته، ويستقر في صورته.

في قلب هذه العملية، تلعب اللغة دورًا حاسمًا؛ فهي لا تنقل الواقع فحسب، بل تعيد تشكيله. الكلمات ليست حيادية؛ إنها تُخفي وتُبرز، تُجمّل وتُخفّف، وتوجّه الإدراك من حيث يبدو أنها تصف فقط. فحين يُقال "تمّ تحييد الهدف"، فإن الفعل يُنزَع من ثقله الإنساني، ويُعاد تقديمه بصيغةٍ تقنية باردة، وحين يُقال "تمّت السيطرة"، يُحجب ما في الكلمة من حمولةٍ سياسية، اللغة هنا ليست وسيلة، بل أداة سلطة، ومن يملك تسميتها يملك جزءًا من الحقيقة.

أما الإعلام، فيقف في منطقةٍ رمادية بين النقل والمشاركة، تحت ضغط السرعة، والمنافسة، والانحياز أحيانًا، وقد يجد نفسه يعيد إنتاج السرديات بدل أن يفككها. ومع الوقت، قد يفقد القدرة على التمييز بين ما حدث فعلًا، وما جرى تقديمه بوصفه حدثًا، عندها، لا يعود شاهدًا، بل يصبح جزءًا من المشهد، وعنصرًا في ماكينة إنتاج المعنى.

لكن المشكلة الأعمق في "قشّة النصر" أنها لا تصمد طويلًا؛ فهي بطبيعتها خفيفة، قابلة للارتفاع السريع، لكنها أيضًا قابلة للانكشاف، ومع تراكم الوقائع، تبدأ الفجوات بالظهور، ويتآكل الخطاب، وتفقد الكلمات قدرتها على الإقناع. حينها، لا تكون الصدمة ناتجةً فقط عن الخسارة، بل عن إدراك أن ما تمّ تصديقه لم يكن دقيقًا، إنها صدمة مزدوجة: صدمة الواقع، وصدمة الوعي.

في تلك اللحظة، قد تتزعزع الثقة، لا في حدثٍ بعينه، بل في منظومة السرد كلها، وقد يشعر الجمهور بأنه لم يُهزم فقط، بل خُذل أيضًا. وهذا الثمن، في كثيرٍ من الأحيان، أثقل من الخسارة نفسها.

أمام هذا المشهد، لا يكفي الرفض أو السخرية من الخطاب، بل يصبح الوعي ضرورة، وعيٌ لا ينطلق من التشاؤم، بل من الدقة؛ أن نسأل عمّا غاب بقدر ما ننتبه إلى ما حضر، وأن نفهم أن التكرار لا يصنع الحقيقة، وأن الحاجة إلى الأمل لا يجب أن تتحوّل إلى قابليةٍ لتصديق أي شيء.

في النهاية، قد ترتفع "قشّة النصر" عاليًا، وقد تُقنع كثيرين لبعض الوقت، لكنها تظلّ معلّقةً على هواءٍ متقلّب، الريح التي رفعتها قادرةٌ أيضًا على إسقاطها، وما يبقى بعد أن تهدأ الضوضاء، ليس ما قيل بل ما حدث، ليس ما رُوّج بل ما ترسّخ؛ ليس القشّ بل الحصاد.

وفي بيدر المعركة، حين ينقشع الغبار، وتخفت الأصوات، ويتراجع صخب الصور، يظهر السؤال الذي لا يمكن تأجيله:

هل كان ما رأيناه نصرًا... أم مجرد قشّةٍ أُجيد رفعها؟

أقلام وأراء

الأحد 12 أبريل 2026 11:23 صباحًا - بتوقيت القدس

أهل القدس بعد أربعين يوماً من إغلاق المسجد الأقصى

يبدو أن للرباط أثماناً متعددة وللصمود أوجهاً صابرة ومحتسبة، أما في القدس فحكاية الثبات على إعمار المسجد الأقصى والمداومة على زيارة كنيسة القيامة لهما سياق متصل مع نبض الإيمان والتواصل مع البيئة الحاضنة للأماكن المقدسة، فالمعركة ليست على الحجر بل على البشر، فنحن شعب ترك وحيداً. ليس له إلا الله، وثلة من هذه الأمة، ورأس حربة الدوام والمداومة هم أهل القدس وتجارها وطلابها وفتيانها وفتياتها وكل زاوية من القدس يحيها كل من أحب المدينة المقدسة.

يبقى السؤال: ما الذي يمكن عمله؟

1. يمكن لكل من يصل إلى المدينة المقدسة أن يذهب إلى البلدة القديمة، أن يشتري القليل من تجارها ومحلاتها، تخيلوا أي أثر سيتركه الزوار، إنْ مررت بمحل واشتريت لعبة لابنك أو بنتك، أو تناولت الحلويات أو العصائر أو حملت القليل منها إلى بيتك، وماذا إنْ كان بالإمكان أن يبيت أهلنا من الناصرة وحيفا وعكا والقرى المجاورة والبلدات الممتدة في فنادقها لليلة واحدة مثلاً، أما قطاع التعليم فيها، فالأحرى أن يفكر من يعمل في المؤسسات الأهلية في الضفة وخارج فلسطين بتوفير جزء من التزامات الطلبة والمدارس دعماً للقدس، وليكن الدعم مباشراً وموثقاً، أما المستشفيات فأبوابها لم تغلق يوماً، وطرق دعمها عديدة وكثيرة.

2. لماذا لا يتم إطلاق حملة من عدد من سفارتنا في العالم الإسلامي لدعم قطاع التجارة وتعويض التجار بسبب الإغلاق، أو على الأقل التفكير بدفع الايجارات المتراكمة، أو نسبة من الضرائب، أو فليكن شراء عدد من السلع من المحلات التجارية مباشرة كي تتحرك العجلة الاقتصادية، حتى وإن كانت أغلى من أسعار السوق، فلا منافسة مع تثبيت الناس في القدس.

3. لماذا لا تقوم الكنائس والمؤسسات الفلسطينية الإسلامية والمسيحية بدعم الأنشطة داخل القدس، خاصة أن الأعياد المسيحية نافذة للفرحة وزيارة القدس أحد أهم معالمها.

4. لماذ لا نطلق "صندوقاً للأزواج الشابة"، أو لنطلق على الأقل حملة لدعم الأزواج الشابة في القدس من خلال المنظمات العربية والإسلامية والدولية المعنية بتثبيت الشباب في مدينة القدس، بدلاً من منحهم قروضاً لشراء شقق في كفر عقب، أو حتى في رام الله أو في أريحا.

5. كما أن إعمار المسجد الأقصى والبقاء في جنباته واجب ديني ووطني وأخلاقي، فإن الإبقاء على حيوية الزيارة لكنيسة القيامة يجسد معاني الوحدة والاتحاد في الثبات فوق هذه الأرض، وعنوان كل ذلك أهل القدس.

هذه دعوة قد يغدو معها أو تنتج عنها أفكار أكثر عملية مما كتبنا أو قد تولد مبادرات أكثر سرعة وتأثيراً، نحن جميعاً في حصار، ولكن الإرادة يمكن أن تصنع الكثير في زمن الاستثناء، فلنبادر قبل أن نغادر قراءة هذه الكلمات.=

أقلام وأراء

الأحد 12 أبريل 2026 11:23 صباحًا - بتوقيت القدس

مفاوضات ما بعد الحرب

الحقلة الأولى


في كل حروب التاريخ ثمة مظهران:

الأول: الانتصار الحاسم لطرف، والهزيمة للطرف الآخر.

الثاني: عدم تحقيق الحسم لأيٍّ من طرفي الصراع، وحصيلتها التوازن بين الطرفين، والتوصل إلى تفاهمات أو إتفاقات تعكس موازين القوى بين الطرفين المتعادلين نسبياً، على عكس المظهر الأول حيث يفرض المنتصر شروطه على المهزوم.

في حرب التحالف المزدوج الذي جمع الولايات المتحدة مع المستعمرة الإسرائيلية ضد إيران بدءاً من يوم 28 شباط 2026، ولمدة أربعين يوماً، انتهت بوقف إطلاق نار مؤقت، أو هدنة بدءاً من فجر الأربعاء 8 نيسان 2026، بوساطة باكستانية علنية مع تدخلات غير مرئية ولكنها ظاهرة: صينية مصرية تركية، حيث الضرر الواقع على هذه الأطراف سياسياً أو معنوياً أو اقتصادياً، إضافة إلى بلدان الخليج العربي الأكثر تضرراً من الحرب بعد إيران، يمكن الحكم على مسار الحرب ونتيجتها نتائج متوازنة، ليس فقط اعتماداً على مسار الحرب على الأرض وفي الميدان، حيث لا مقارنة بين قدرات الولايات المتحدة الأمريكية الهائلة، وبين إمكانات إيران المتواضعة مقارنة مع أمريكا، ولكن العوامل المشتركة أو المساندة من قبل المستعمرة الشريك في الهجوم على إيران، أو من الشراكة من قبل حزب الله اللبناني، وحركة أنصار الله اليمنية، مع إيران ولصالحها، أدت إلى ما أدت إليه من التوصل إلى إتفاق وقف إطلاق النار، لمدة أسبوعين، لتبدأ المفاوضات بين الأمريكيين والإيرانيين، وعبر تمثيل سياسي رفيع: نائب الرئيس الاميركي في مواجهة رئيس البرلمان الايراني ،بدءاً من يوم الجمعة 10 نيسان 2026، لمدة أسبوعين قابلة للتمديد باتفاق الطرفين.

بداية ما هي الوقائع الحسية ودلالتها؟

لقد بدأ العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران فجر السبت 28/ 2/ 2026، وتم ذلك بدون التنسيق المسبق مع أوروبا الحليف الأقرب إلى الولايات المتحدة، وبرز الموقف الأوروبي ليس فقط من قبل ألمانيا وفرنسا، بل حتى من بريطانيا الأقرب إلى التماهي مع واشنطن، رفضاً للمشاركة في الحرب والطعن والتشكيك في دوافعها، إضافة إلى موقفي الصين وروسيا، حيث أحبطتا مشروع قرار لدى مجلس الأمن، هدف إلى إدانة إيران على خلفية قصفها لمواقع في منطقة الخليج العربي.

وطوال أربعين يوماً صمدت إيران في مواجهة كل الضربات الموجعة التي تلقتها، وردت على ذلك بضربات موجعة للمستعمرة الإسرائيلية لم تتلقاها من قبل منذ عام 1948، كما وجهت ضربات مؤذية للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وجاء التدخل من قبل حزب الله اللبناني ومشاركته في الحرب ليضيف تأثيراً نوعياً في مسار الأحداث ضد المستعمرة الإسرائيلية، كما أضاف التدخل اليمني من قبل حركة أنصار الله في القصف ضد المستعمرة، والتهديد لإغلاق باب المندب أمام حركة الملاحة، ليضيف وضعاً اقتصادياً معقداً له التأثير المباشر على الاقتصاد العالمي.

عوامل فرضت نفسها رغم القدرة والتفوق الأمريكي، لتعكس نفسها على المواطن الأمريكي مباشرة بارتفاع أسعار النفط والسلع، مما شكل حالة ضغط اقتصادي سيكون له الأثر البالغ على انتخابات مجلس النواب والشيوخ الأمريكيين في شهر تشرين ثاني نوفمبر نهاية هذا العام 2026، وهذه هي أحد الأسباب الدافعة للإسراع الاميركي في قبول الوساطة الباكستانية لوقف إطلاق النار ، بل وقبول الرئيس ترمب لنقاط إيران العشرة، وهذا ما أكده حرفياً في خطابه بقوله:

" بناءً على محادثات مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف والمشير عاصم منير، حيث طلبا مني تأجيل القوة التدميرية التي كان من المقرر توجيهها إلى إيران، وبشرط موافقة الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الفتح الكامل والفوري والآمن لمضيق هرمز، أوافق على تعليق القصف والهجوم على إيران لمدة أسبوعين. سيكون هذا وقف إطلاق نار من الجانبين.

ويعود سبب ذلك إلى أننا قد حققنا وتجاوزنا جميع الأهداف العسكرية، ونحن متقدمون جداً نحو التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن سلام طويل الأمد مع إيران، وكذلك السلام في الشرق الأوسط. لقد تلقينا مقترح الـ10 نقاط من إيران، ونعتقد أنها تشكّل أساساً قابلاً للتفاوض.

تم الاتفاق على معظم نقاط الخلاف السابقة بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أن فترة الأسبوعين ستتيح استكمال الاتفاق وإنجازه بشكل نهائي.

وبصفتي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وممثلاً أيضاً لدول الشرق الأوسط، يشرفني أن تكون هذه المشكلة طويلة الأمد على وشك الحل".


أقلام وأراء

الأحد 12 أبريل 2026 11:22 صباحًا - بتوقيت القدس

نور القيامة يتحدى ظلام الاحتلال

على درب الألم سار المؤمنون في الأرض المقدسة، وهم يحاولون اختراق الحواجز العسكرية التي عملت على منع الناس من الوصول إلى كنيسة القيامة في القدس ليقيموا الصلوات ويشهدوا فيض النور، إلا أن العراقيل التي يضعها الاحتلال لتعكير الأعياد والتنغيص على الناس، كما في كل عام، جرت هذا العام أيضًا في مشاهد من القهر والإذلال المتعمد، ومنع حرية العبادة، وأمام كل ذلك، فاض النور متحديًا ظلمة الاحتلال وظلامه، فعلى درب الآلام يولد النور وتكون القيامة المجيدة.

ولأن عيد القيامة يمثل انتصار الحق على الظلم، وسمو السلام على الباطل، وقوة ورفعة الإيمان على جبروت الأوغاد، فإن الاحتلال الذي يُنزِل البطش والعذاب على شعبنا في كل وقت وحين، واصل سياساته الممنهجة، ووضع مئات السواتر الحديدية، وزجّ بآلاف الجنود المدججين بالعتاد في القدس، وأغلق الطرق الواصلة إلى كنيسة القيامة، ووضع العراقيل أمام الناس، وفرض القيود على مداخل المدينة وبين الأزقة القديمة، وتعرض الناس لأشكال عديدة من التنكيل والضرب، إلا أنهم آثروا الوصول بقوة إيمانهم، وبحقهم الراسخ في أعماقهم، وارتباطهم الوثيق بقدسهم وقيامتهم ومقدساتهم.

إن من دلالات فيض النور الانتصار على ظلام الباطل، وما من باطل أشد عنجهية وغطرسة من الاحتلال والتهويد والاستيطان، وما رأيناه في القدس من محاولات منع الابتهاج بفيض النور هو دليل على أن الاحتلال مسكون بالظلام والعتمة، ويزج بالكراهية والعنف حتى في يوم العيد.

بالأمس تحولت المدينة المقدسة إلى ثكنة عسكرية مغلقة في وجه المؤمنين، ولم يُسمح إلا لعدد قليل من الناس بالوصول إلى القيامة، وبعض الذين وصلوا تعرضوا للضرب، وبعضهم للتفتيش والاستفزاز، وبرغم كل ذلك، وصل البعض وشهدوا فيض النور المقدس الذي حمله المؤمنون بأيديهم وقلوبهم وضمائرهم.

إن شعبنا الفلسطيني الذي يعيش هذه الأيام مرحلة شديدة في الألم والمعاناة، وسط كل ما حدث ويحدث من قتل وإرهاب وتشريد وهدم واستيلاء واستيطان، يحتفل بعيد القيامة التي تمثل انتصار الحق على الظلم، وهذا ما نتطلع له، العدل والحق والانتصار على الظلم وانتهاء الاحتلال، والحرية الكاملة وأن يعم السلام في أرض السلام.

أقلام وأراء

الأحد 12 أبريل 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

الانسحاب من المفاوضات كخيار استراتيجي أمريكي وأداة ضغط على إيران

بعد أيام قليلة من إعلان هدنة مؤقتة بين إيران والولايات المتحدة، كانت الأنظار متجهة نحو المحادثات الأخيرة بين الطرفين، والتي انتهت بالفشل. هذا الفشل أعاد التوترات إلى السطح وأشعل التكهنات حول مستقبل العلاقات بين القوتين، لكنه كشف أيضًا عن سيناريو محتمل جديد: احتمال أن تصبح الهدنة الحالية دائمة، وأن تتوقف الأعمال الحربية المباشرة، وهو السيناريو الأفضل بالنسبة للولايات المتحدة والأسوأ بالنسبة لإيران.

الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، الذي أعلن الحرب على إيران في 28 فبراير 2026، يبدو مصممًا على عدم الانخراط في صراع شامل مباشر، لكنه في الوقت نفسه لن يغلق الباب كليًا أمام الأعمال العدائية الانتقائية. هذا النهج يتيح له استخدام الردود المدروسة ضد أي تصرف إيراني يعتبره تهديدًا، خصوصًا فيما يتعلق بمضيق هرمز الحيوي، نقطة الضغط الاستراتيجية الأكثر حساسية في المنطقة.

ما يؤكد أسلوب ترامب في إدارة النزاع هو طريقة التعامل مع "حرب الأيام 12"، حيث اعتمد الرئيس الأمريكي على استراتيجية الجمود والتحكم الانتقائي: توقف عن الأعمال العدائية دون أي اتفاقات رسمية مع إيران، محافظًا على الضغط النفسي والعسكري بطريقة مدروسة، وأظهر قدرة واشنطن على ضبط الصراع وفق مصالحها، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. هذا الأسلوب يعكس النهج الاستراتيجي لترامب: ترك المجال مفتوحًا للتهديد الانتقائي، إظهار القوة دون الارتباط باتفاقات قد تحد من حرية التحرك، واستغلال التوتر النفسي والسياسي الإيراني لصالح الضغط المستمر. خيار الانسحاب من المفاوضات والتهديد بعدم التفوض يشكل الآن أقوى ورقة تهديد ضاغطة على إيران، وربما يكون الخيار الأكثر فعالية بين كل أوراق الضغط الأمريكية.

من منظور واشنطن، الهدنة الدائمة تعني استقرارًا نسبيًا وتقليل الخسائر العسكرية والاقتصادية، مع الحفاظ على النفوذ الاستراتيجي الأمريكي في المنطقة دون الانزلاق إلى حرب شاملة. كما تتيح للأمريكيين التركيز على ملفات داخلية ودولية أخرى، بعيدًا عن دوامة الصراع الإيراني المستمر منذ عقود.

أما إيران، فالهدنة الدائمة تمثل تحديًا حقيقيًا، إذ تضطر للامتثال لحدود هذه الهدنة لتجنب الرد الأمريكي الانتقائي، لكنها في الوقت نفسه تواجه ضغوطًا داخلية للحفاظ على سيادتها ومصالحها الإقليمية. هذا السيناريو يترك إيران في حالة من عدم اليقين، ويضعها أمام معضلة استراتيجية مستمرة: كل خطوة تقوم بها يمكن أن تواجه رداً انتقائيًا أمريكيًا، بينما أي تراجع أو تنازل قد يُفسر داخليًا على أنه ضعف، ما يزيد من الضغوط السياسية والاجتماعية داخل البلاد.

في هذا السياق، التشدد الإيراني في المطالب ليس مجرد تعنت سياسي، بل هو استراتيجية محسوبة لضمان تماسك النظام داخليًا، ومنع الولايات المتحدة وإسرائيل من تحقيق أهداف استراتيجية أو الحصول على أي شعور بالنصر. المفاوضات نفسها محكومة بهذا النزاع الرمزي على "ورقة النصر"، حيث يسعى كل طرف إلى تأكيد قوته وتحقيق مكسب معنوي، حتى في ظل الهدنة، وهو ما يجعل أي اتفاق هشًا ومرهونًا بالتوازنات الدقيقة بين الطرفين.

استراتيجية ترامب تعتمد على الاحتواء الذكي والردع المرن، حيث تُترك الساحة مفتوحة لكل الاحتمالات المستقبلية. الهدنة، رغم كونها دائمة، ليست سلامًا حقيقيًا، بل هي حالة من الجمود المدروس تسمح للولايات المتحدة بالسيطرة على مسار الأحداث، بينما تبقى إيران في مواجهة تهديد مستمر عند كل منعطف استراتيجي. هذا الجمود يترك العداء قائمًا، لكنه يضمن عدم اندلاع صراع شامل في الوقت الراهن، مع استمرار إمكانية استخدام الضغوط الانتقائية لفرض النفوذ الأمريكي.

في نهاية المطاف، يظل المستقبل السياسي للمنطقة معلقًا بين الهدنات الدائمة والفشل الدبلوماسي، حيث يُبقي ترامب على الخيار مفتوحًا للتحرك العسكري الانتقائي وفق تصرفات إيران، خاصة فيما يتعلق بمضيق هرمز، بينما تكافح إيران للحفاظ على مصالحها دون الانزلاق في مواجهة شاملة. الهدنة الدائمة، بهذه الصورة، تعكس مكسبًا استراتيجيًا كبيرًا لأمريكا ومعضلة مستمرة لإيران، مع ترك الساحة مفتوحة لكل الاحتمالات، وتأكيد على أن العداء بين الطرفين سيبقى حاضرًا حتى في حالة السلام الظاهر، تاركًا إيران في حالة من الترقب وعدم اليقين المستمر، حيث يشكل التشدد في المطالب ضمانًا للحفاظ على تماسك النظام وصد أي شعور بنصر معنوي لأمريكا أو إسرائيل، بينما المحادثات محكومة بصراع دائم على "ورقة النصر" الرمزية بين الطرفين.


عربي ودولي

الأحد 12 أبريل 2026 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس

ترامب يتوعد الصين بـ 'مشكلات كبيرة' حال تزويد إيران بمنظومات دفاع جوي

وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيراً شديد اللهجة إلى القيادة الصينية، مؤكداً أن بكين ستواجه تداعيات خطيرة ومشكلات كبرى في حال ثبت إقدامها على تزويد إيران بالأسلحة. وجاءت هذه التصريحات في أعقاب تداول تقارير إعلامية واستخباراتية تشير إلى وجود نوايا لدى الجانب الصيني لتعزيز القدرات الدفاعية لطهران في ظل التوترات الإقليمية الراهنة.

وأفادت مصادر مطلعة بأن أجهزة المخابرات الأمريكية رصدت مؤشرات جدية على استعداد بكين لتسليم منظومات دفاع جوي متطورة إلى إيران خلال الأسابيع القليلة المقبلة. وأوضحت المصادر أن هذه الشحنات قد تشمل أنظمة صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف، وهي تقنيات تثير قلقاً بالغاً لدى الدوائر العسكرية في واشنطن نظراً لقدرتها على تهديد سلاح الجو.

وتشير التقديرات الاستخباراتية إلى أن بكين قد تلجأ إلى استراتيجيات معقدة لإيصال هذه الأسلحة، من بينها استخدام دول ثالثة كمنصات عبور لإخفاء المصدر الحقيقي للشحنات وتجنب العقوبات المباشرة. وتراقب واشنطن عن كثب هذه التحركات التي وصفتها بالسرية، معتبرة أن أي دعم عسكري مباشر لطهران يمثل تجاوزاً للخطوط الحمراء الأمريكية في المنطقة.

وفي سياق متصل، كشفت تقارير صحفية عن دور صيني غير معلن في دعم المجهود العسكري الإيراني، من خلال السماح لشركات صينية بتصدير مواد كيميائية ووقود ومكونات تقنية تدخل في الصناعات الحربية. ويرى مراقبون أن هذه المواد تساهم بشكل مباشر في تعزيز الإنتاج العسكري المحلي لإيران، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي.

وعلى الرغم من هذه الاتهامات، أقر مسؤولون أمريكيون بأن المعلومات الاستخباراتية التي تم الحصول عليها مؤخراً لا تزال تفتقر إلى التأكيد القاطع. وأشار المسؤولون إلى عدم توفر أدلة ملموسة حتى الآن تثبت استخدام أي صواريخ صينية الصنع ضد القوات الأمريكية أو الإسرائيلية في الميدان، مما يجعل القضية في إطار التحذيرات الاستباقية.

من جانبها، سارعت وزارة الخارجية الصينية إلى نفي هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً، حيث أكد المتحدث باسمها أن بلاده تلتزم بموقف محايد ولا تقدم دعماً عسكرياً لأي طرف في النزاعات القائمة. ووصف المتحدث الصيني المعلومات المتداولة بأنها غير صحيحة وتهدف إلى تشويه صورة بكين، داعياً الإدارة الأمريكية إلى الكف عن توجيه اتهامات لا تستند إلى حقائق.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية الصينية توتراً متصاعداً على خلفية ملفات اقتصادية وسياسية متعددة. ويمثل التهديد الأخير لترامب حلقة جديدة في مسلسل الضغوط القصوى التي تمارسها واشنطن للحد من النفوذ الإيراني، ومحاولة قطع خطوط الإمداد العسكري واللوجستي التي قد تصل لطهران من القوى الدولية الكبرى.

عربي ودولي

الأحد 12 أبريل 2026 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس

مؤرخ فرنسي يصف العلاقات مع الجزائر بـ 'المَرَضية' ويحذر من سيناريو قطع العلاقات

اعتبر المؤرخ الفرنسي المتخصص في تاريخ المنطقة المغاربية، بيير فَرْمَران أن العلاقات بين الجزائر وباريس تمر بمرحلة وصفها بـ 'المَرَضية'، مشيراً إلى أنها لا تزال أسيرة إرث الاستعمار الثقيل. وأوضح أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة باريس 1 أن هذه العلاقة محكومة بصراع الذاكرة الذي توظفه الجزائر سياسياً، في مقابل شعور فرنسي مزمن بالذنب التاريخي تجاه الحقبة الاستعمارية.

وأكدت مصادر إعلامية نقلاً عن فَرْمَران أن الأزمة الراهنة ليست مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل هي نتاج بنية تاريخية معقدة جعلت التوازن مفقوداً بين الطرفين. فقد انتقلت الروابط الثنائية من تقارب نسبي في عهد ديغول إلى توتر متصاعد في السنوات الأخيرة، تغذيه ملفات شائكة مثل الهجرة والتعاون الأمني والمواقف الإقليمية المتباينة.

وزعم المؤرخ الفرنسي أن النظام الجزائري يسعى دائماً لإيجاد 'عدو خارجي' لصرف الأنظار عن التحديات الداخلية، خاصة بعد حراك عام 2019. ويرى فَرْمَران أن اتهام الجزائر للاستخبارات الفرنسية بالتدخل في شؤونها يندرج ضمن هذه الاستراتيجية التي تهدف إلى تعزيز الجبهة الداخلية عبر استحضار التهديدات الخارجية.

وفي قراءته لموقف الإليزيه، أشار فَرْمَران إلى أن الرئيس إيمانويل ماكرون بدأ يشعر بالسأم من السلوك الجزائري، خاصة مع الإغلاق التدريجي للأسواق الجزائرية أمام الشركات الفرنسية. كما لفت إلى تراجع التعاون في ملفات حساسة مثل استعادة المهاجرين غير الشرعيين والدعم الجزائري للتحركات الروسية في منطقة الساحل، وتحديداً في مالي.

ويرى المحلل الفرنسي أن نقطة التحول الكبرى تمثلت في انحياز ماكرون للطرح المغربي بشأن قضية الصحراء، وهو ما اعتبره استجابة لشرط الرباط بتجديد التعاون مقابل الاعتراف بسيادتها. هذا التحول الدبلوماسي الفرنسي أدى بالضرورة إلى تعميق الفجوة مع الجزائر وزيادة حدة التوتر الدبلوماسي الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة.

وبالحديث عن العلاقات الثلاثية بين باريس والرباط والجزائر، أوضح فَرْمَران أن فرنسا ليست مضطرة للاختيار بين الطرفين، مستشهداً بعهد جاك شيراك الذي حافظ على توازن دقيق. ومع ذلك، يرى أن الجزائر تصر على استخدام ورقة الهجرة والتحكم في الشؤون الدينية للجالية في فرنسا كوسائل ضغط سياسي مستمرة.

وفيما يخص ملف المهاجرين، كشفت المصادر أن هناك نحو 100 ألف أمر بمغادرة الأراضي الفرنسية تخص جزائريين لم يتم تنفيذ معظمها حتى الآن. ورغم وجود بوادر استئناف خجولة لاستقبال بعض المرحلين، إلا أن المؤرخ يرى أن هذه الخطوات تندرج ضمن حسابات سياسية جزائرية تهدف للتأثير على الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة عام 2027.

وطرح فَرْمَران سيناريو 'أوربة' الملف الجزائري كحل محتمل، عبر إشراك دول مثل إيطاليا وألمانيا اللتين تتمتعان بعلاقات جيدة مع الجزائر في الوساطة. لكنه أشار في الوقت ذاته إلى وجود معارضة داخل دوائر القرار الفرنسية لهذا التوجه، حيث يفضل البعض إبقاء الملف ضمن الإطار الثنائي التقليدي.

وحذر المؤرخ من أن تدهور العلاقات قد يصل إلى حد القطع الكامل للتمثيل الدبلوماسي، معتبراً أن الجزائر قد تكون الخاسر الأكبر اقتصادياً في هذا السيناريو. وزعم أن هناك تياراً داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية يرغب في هذا الانفصال للتخلص مما يصفه بـ 'شبح الوصاية الاستعمارية' وبناء علاقات دولية جديدة بعيداً عن باريس.

وفي سياق متصل، تطرق التقرير إلى الزيارة المرتقبة لبابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى الجزائر في منتصف أبريل الجاري، مستبعداً أن يكون لها تأثير مباشر على العلاقات الفرنسية. وأوضح فَرْمَران أن الدبلوماسية الفاتيكانية تعمل بمسار منفصل عن الإليزيه، خاصة أن البابا يسعى للتوجه نحو المستقبل وتجاوز الحقبة الاستعمارية السوداء.

وأشار المؤرخ إلى أن الكنيسة في الجزائر، رغم صغر حجمها، أصبحت تمثل نموذجاً عالمياً يضم أطيافاً متنوعة من أصول عربية وأوروبية وآسيوية. ويرى أن الفاتيكان يحرص على عدم جرح مشاعر الجزائريين عبر استحضار الماضي الاستعماري الذي ارتبطت فيه الكنيسة بالإدارة الفرنسية في ذلك الوقت.

وتناول التحليل أيضاً رغبة فرنسا في الوصول إلى 'علاقة طبيعية' تتيح لها معالجة ملفات الهجرة والأمن دون تقديم تنازلات دائمة في ملف الذاكرة. ويرى فَرْمَران أن على باريس التعامل مع الجزائر باحترام كدولة عادية، ولكن دون إظهار ضعف أو شعور دائم بالمديونية التاريخية التي تعيق اتخاذ قرارات حازمة.

كما لفت التقرير إلى أن إلغاء اتفاقيات الهجرة لعام 1968 قد يكون أحد الأوراق التي قد تلجأ إليها فرنسا لإعادة التفاوض على أسس جديدة. وفي حال حدوث ذلك، يتوقع المؤرخ أن ترد الجزائر عبر إعادة توجيه تدفقات الهجرة نحو دول أوروبية أخرى مثل إسبانيا وإيطاليا للضغط على الموقف الفرنسي الجماعي.

وخلص المؤرخ إلى أن مستقبل العلاقات سيبقى رهيناً بالتطورات السياسية الداخلية في كلا البلدين، خاصة مع اقتراب المواعيد الانتخابية. وتبقى التساؤلات قائمة حول قدرة الدبلوماسية على احتواء الأزمات المتلاحقة أو الانزلاق نحو قطيعة شاملة تعيد رسم خارطة التحالفات في منطقة شمال إفريقيا.

فلسطين

الأحد 12 أبريل 2026 8:59 صباحًا - بتوقيت القدس

معارك ضارية في بنت جبيل والخيام: الاحتلال يفشل في تثبيت نقاطه تحت ضربات المقاومة

تشهد مناطق جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً واسع النطاق، حيث كثفت قوات الاحتلال غاراتها الجوية وقصفها المدفعي المركز على بلدات القطاعين الأوسط والشرقي. وتأتي هذه الهجمات بالتزامن مع احتدام المواجهات البرية على محاور استراتيجية، أبرزها مدينة بنت جبيل وبلدة الخيام، في محاولة إسرائيلية لفرض واقع ميداني جديد.

وأفادت مصادر ميدانية بأن مروحيات من طراز 'أباتشي' شاركت في العمليات القتالية عبر إطلاق نيران رشاشاتها الثقيلة باتجاه أحياء بلدة الخيام. وترافق ذلك مع قصف مدفعي عنيف استهدف البلدة، مما دفع البلدية إلى إصدار نداءات عاجلة للأهالي بضرورة التزام المنازل والابتعاد عن الأماكن المكشوفة والنوافذ حفاظاً على حياتهم.

وفي قضاء بنت جبيل، شن الطيران الحربي سلسلة غارات استهدفت بلدتي خربة سلم وكونين، فيما طال القصف المدفعي بلدة المنصوري في قضاء صور. كما سجلت المصادر سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى جراء غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً مأهولاً في بلدة الزرارية مساء أمس، مما يرفع حصيلة الضحايا المدنيين في العدوان المستمر.

وتتركز أعنف المعارك في القطاع الأوسط، وتحديداً في مدينة بنت جبيل التي تحولت إلى ساحة مواجهة رئيسية، حيث تسعى قوات الاحتلال لتطويقها من ثلاثة محاور. وتشمل هذه المحاور التقدم من مارون الراس باتجاه حي المسلخ، ومن عيترون نحو المنطقة المهنية، بالإضافة إلى محور عيناتا باتجاه منطقة صف الهوا شمال شرق المدينة.

ورغم الغطاء الناري الكثيف، أكدت تقارير ميدانية أن المقاومة خاضت اشتباكات مباشرة وعنيفة مع القوات المتوغلة عند 'مثلث التحرير' وقرب سوق المدينة. وقد أجبرت هذه الضربات الصاروخية والالتحام المباشر قوات الاحتلال على التراجع، ومنعتها من الوصول إلى نقاط استراتيجية مثل 'ملعب التحرير' داخل المدينة.

وفي المحور الشمالي لبنت جبيل، استهدفت مسيّرات انقضاضية تجمعات لجنود الاحتلال ودبابات من طراز 'ميركافا' في منطقة صف الهوا وثانوية الإشراق. وأدت هذه الاستهدافات الدقيقة إلى انسحاب القوات الإسرائيلية نحو أطراف بلدة عيناتا، حيث استمرت ملاحقتها بالأسلحة المناسبة خلال عمليات إعادة التموضع.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن جيش الاحتلال لم ينجح حتى الآن في تثبيت سيطرة عملياتية مستقرة داخل أحياء بنت جبيل، رغم تكرار محاولات التسلل. وتواجه القوات الإسرائيلية مقاومة شرسة تمنعها من تحويل نقاط توغلها إلى مراكز ارتكاز دائمة، وسط استمرار القصف المتبادل على أطراف مارون الراس وعيترون.

أما في القطاع الشرقي، فلا تزال بلدة الخيام تشكل حائط صد منيع أمام محاولات التقدم الإسرائيلية المستمرة منذ أكثر من 40 يوماً. وتتركز المواجهات في القسم الجنوبي من البلدة، حيث أحبطت المقاومة محاولات التفاف من الجهة الشمالية الغربية كانت تهدف للتوغل في عمق الأحياء السكنية.

وعلى محور العديسة – الطيبة، تم تدمير دبابة 'ميركافا' واستهداف تجمعات عسكرية بالقرب من وادي الحجير، مما أعاق خطط الاحتلال للاختراق نحو مناطق أعمق. وتؤكد المصادر أن محاولات فتح خطوط التفافية باتجاه بلدتي صربين وحداثا في القطاع الأوسط قد تم إحباطها بالكامل بفعل القصف المركز.

وفي القطاع الغربي، يستمر التوغل الإسرائيلي المحدود في بلدتي البياضة وشمع، وسط استهدافات متكررة لخطوط الإمداد والتحركات العسكرية الإسرائيلية. وتأتي هذه التطورات في ظل نفي واشنطن وتل أبيب لوجود أي تفاهمات تشمل لبنان ضمن الهدنة المعلنة مؤخراً بين الولايات المتحدة وإيران، مما ينذر باستمرار العمليات العسكرية.

ووفقاً لآخر تحديثات وزارة الصحة اللبنانية، فقد بلغت حصيلة العدوان الإسرائيلي نحو 2020 شهيداً وأكثر من 6436 مصاباً منذ بدء التصعيد. وتستمر الأوضاع الإنسانية في التدهور مع استمرار القصف العشوائي الذي يطال القرى والبلدات الجنوبية، مخلفاً دماراً واسعاً في البنية التحتية والممتلكات الخاصة.

عربي ودولي

الأحد 12 أبريل 2026 8:13 صباحًا - بتوقيت القدس

سلاح الذكاء الاصطناعي.. كيف توظف بكين المحتوى الرقمي للسخرية من ترمب؟

شهد الأسلوب الإعلامي للحكومة الصينية تحولاً لافتاً في الآونة الأخيرة، حيث تخلت بكين عن القوالب الجامدة والرسائل التقليدية لصالح محتوى رقمي مرن ومبتكر. وتستفيد الماكينة الإعلامية الرسمية من أدوات العصر الرقمي، وعلى رأسها تقنيات الذكاء الاصطناعي، لتعزيز قدرتها على التأثير في الرأي العام العالمي وجذب فئات عمرية جديدة.

وتسعى الصين من خلال هذا التوجه الجديد إلى تقديم انتقادات مباشرة وحادة للولايات المتحدة وسياسات رئيسها دونالد ترمب، وفقاً لما نقلته مصادر دولية. وباتت المنصات الرقمية ساحة لعرض مواد بصرية جذابة وسهلة الانتشار، تهدف إلى تقويض الرواية الغربية السائدة وتقديم وجهة النظر الصينية بأسلوب عصري.

ومن أبرز الأمثلة على هذا التطور، إنتاج فيلم رسوم متحركة قصير مدته خمس دقائق، تم تنفيذه بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي وبأسلوب يحاكي أفلام فنون القتال الكلاسيكية. ويقدم الفيلم قراءة رمزية للصراع في الشرق الأوسط، وتحديداً الحرب على إيران، عبر استعارات بصرية تعكس موازين القوى الدولية.

ويظهر في العمل الفني نسر أبيض يرتدي زياً ملكياً كرمز للولايات المتحدة، وهو يشن هجوماً على مجموعة من القطط الفارسية التي ترمز للشعب الإيراني. ويحمل السرد في طياته رسائل حول الظلم والانتقام، مصوراً السياسات الأمريكية كقوة غاشمة تسعى لفرض نفوذها على حساب استقرار الشعوب الأخرى.

ولا يقتصر الإنتاج الصيني على القضايا العسكرية، بل يمتد للسخرية من تصريحات ترمب المثيرة للجدل، مثل حديثه السابق عن السيطرة على جزيرة غرينلاند. وتعكس هذه المواد البصرية استراتيجية أوسع يقودها الرئيس الصيني شي جينبينغ، تهدف إلى تعزيز القوة الناعمة لبلاده ومواجهة ما تصفه بكين بالانحياز الإعلامي الغربي.

وفي سياق متصل، حذرت وزارة الخارجية الأمريكية في تقارير حديثة من خطورة هذه التحركات، معتبرة أن حملات التضليل التي تديرها وسائل إعلام مرتبطة بدول تمثل تهديداً للأمن القومي. وترى واشنطن أن هذا النوع من المحتوى يسهم في تأجيج العداء للمصالح الأمريكية حول العالم عبر الفضاء الرقمي المفتوح.

ويؤكد خبراء إعلاميون أن المحتوى الترفيهي المدعوم بالذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة فائقة على تبسيط القضايا الجيوسياسية المعقدة وجعلها أكثر قابلية للفهم. وقد حققت بعض هذه المقاطع انتشاراً واسعاً، حيث تجاوزت مشاهدات أحد الفيديوهات حاجز المليون مشاهدة فور وصوله إلى الجمهور الناطق باللغة الإنجليزية.

ويمثل هذا التوجه قطيعة واضحة مع الماضي، حيث كان الإعلام الصيني يعتمد على لغة خشبية مليئة بالشعارات السياسية التي لم تعد تجذب الشباب. وبدلاً من ذلك، بدأت المؤسسات الإعلامية في بكين بتبني لغة الإنترنت، واستخدام موسيقى الراب، والاستعانة بنجوم الفن لإنتاج أعمال وطنية بقوالب مشوقة.

كما دخلت المسلسلات الدرامية عالية الجودة على خط المواجهة الإعلامية، حيث نجحت في جذب جمهور واسع بفضل قصصها التي تدمج بين الترفيه والرسائل السياسية المبطنة. وتلعب تقنيات الذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في تخصيص هذا المحتوى ليتناسب مع خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي المختلفة.

إن تصاعد حرب المعلومات العالمية يشير إلى أن الصراع بين القوى الكبرى لم يعد مقتصرًا على الميادين العسكرية والاقتصادية فحسب. فاستخدام الصين للذكاء الاصطناعي في السخرية السياسية يمثل فصلاً جديداً من فصول التنافس على قيادة الرواية العالمية وتشكيل وعي الشعوب في العصر الرقمي.

اسرائيليات

الأحد 12 أبريل 2026 7:27 صباحًا - بتوقيت القدس

احتجاجات حاشدة في تل أبيب والقدس ترفع شعار 'لا للحرب الأبدية'

شهدت ساحة هابيما في قلب تل أبيب، مساء السبت، تدفق آلاف المتظاهرين الإسرائيليين الذين تجمعوا للتعبير عن رفضهم القاطع لما وصفوه بـ'حرب إسرائيل الأبدية'. ورفع المشاركون لافتات تطالب بوضع حد فوري للعمليات العسكرية المستمرة على جبهات متعددة، محذرين من التبعات الكارثية لاستمرار النزاع المسلح دون أفق سياسي واضح.

بالتزامن مع احتجاجات تل أبيب، أفادت مصادر ميدانية بخروج مسيرات غاضبة في مدينة القدس المحتلة، حيث احتشد المئات للتنديد بسياسات حكومة بنيامين نتنياهو. وأظهرت توثيقات مصورة حالة من الغليان الشعبي ضد استمرار التصعيد العسكري، وسط مطالبات بضرورة الالتفات إلى المسارات الدبلوماسية لضمان الأمن بدلاً من الاعتماد الكلي على القوة العسكرية.

واجهت الشرطة الإسرائيلية الحشود المتظاهرة في القدس وتل أبيب بتعامل أمني خشن، حيث استخدمت القوة المفرطة لتفريق المتجمعين وإجبارهم على التراجع من الساحات العامة. ورصدت مقاطع فيديو عمليات سحل لعدد من المتظاهرين واحتجاز آخرين، في محاولة من الأجهزة الأمنية لفرض السيطرة ومنع توسع رقعة الاحتجاجات تحت ذريعة القيود الأمنية.

هتف المتظاهرون بشعارات مناهضة للعمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، معتبرين أن زيادة المعاناة الإنسانية في الجانب اللبناني لن توفر الأمن للإسرائيليين في الشمال. وحمل المحتجون لافتات كُتب عليها 'السلام وحده سيجلب الأمن'، في إشارة واضحة إلى فشل الاستراتيجية العسكرية في تحقيق الاستقرار المنشود منذ اندلاع المواجهات.

تأتي هذه التحركات الشعبية في ظل قيود صارمة فرضتها قيادة الجبهة الداخلية على التجمعات العامة، إلا أن المتظاهرين اختاروا التحدي للضغط على صناع القرار. وتعد هذه المظاهرات امتداداً لسلسلة من الاحتجاجات التي شهدت الأسبوع الماضي اعتقال 17 شخصاً على الأقل بتهمة خرق التعليمات الأمنية والتظاهر غير المرخص.

قالت إيفات كالدرون، إحدى المشاركات في الاحتجاج إن دافعها للخروج هو المطالبة بإنهاء الحروب المفتوحة التي تخوضها إسرائيل في غزة ولبنان وإيران. وأكدت في تصريحاتها أن الواقع الميداني لم يتغير رغم كثافة العمليات العسكرية، بل أصبح أكثر تعقيداً وسوءاً، مشددة على ضرورة التوصل إلى اتفاقيات سياسية شاملة.

على الصعيد الميداني، كانت إسرائيل والولايات المتحدة قد نفذتا هجوماً جوياً واسعاً على إيران استمر قرابة 40 يوماً منذ نهاية فبراير الماضي. واستهدف الهجوم منشآت حيوية وقواعد عسكرية وبنى تحتية، مما أدى إلى سقوط قتلى في صفوف القيادات العليا، وهو ما قابله رد إيراني مباشر بالصواريخ استهدف العمق الإسرائيلي وقواعد أمريكية بالمنطقة.

في الجبهة الشمالية، تواصل القوات الإسرائيلية غاراتها المكثفة على الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق البقاع والجنوب اللبناني منذ مطلع مارس الماضي. وترافق القصف الجوي مع توغل بري محدود في القرى الحدودية، مما أسفر عن سقوط مئات الضحايا ونزوح ما يقارب مليون لبناني من منازلهم هرباً من القصف المستمر.

في المقابل، يواصل حزب الله اللبناني رده العسكري عبر إطلاق رشقات صاروخية وطائرات مسيرة باتجاه المستوطنات والمدن في شمال إسرائيل. وتسببت هذه الهجمات المتبادلة في شلل شبه كامل للحياة العامة في المناطق الحدودية، مما زاد من ضغط الشارع الإسرائيلي على الحكومة لإيجاد مخرج للأزمة المتفاقمة.

تواجه حكومة نتنياهو حالياً مأزقاً مزدوجاً يتمثل في كيفية الموازنة بين أهدافها العسكرية المعلنة وبين احتواء الغضب الشعبي المتزايد في الداخل. ويرى مراقبون أن استمرار المظاهرات قد يؤدي إلى تصدع في الموقف الحكومي، خاصة مع تعالي الأصوات التي تتهم القيادة السياسية بإطالة أمد الحرب لأهداف شخصية وحزبية.

تحليل

الأحد 12 أبريل 2026 7:06 صباحًا - بتوقيت القدس

انهيار مفاوضات واشنطن–طهران في إسلام أباد: خلافات جوهرية حول البرنامج النووي تعيد التصعيد إلى الواجهة

واشنطن – سعيد عريقات – 12/4/2026


أعلن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، مساء السبت، انتهاء جولة المفاوضات الحساسة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة الباكستانية إسلام أباد دون التوصل إلى اتفاق، بعد رفض طهران الشروط الأميركية المتعلقة ببرنامجها النووي، في تطور يعيد التوتر إلى واجهة المشهد الإقليمي والدولي.


وقال فانس في تصريحات للصحفيين إن المحادثات، التي استمرت نحو 21 ساعة متواصلة، انتهت دون تحقيق اختراق، مشيراً إلى أن الوفد الأميركي سيغادر باكستان عائداً إلى واشنطن. وأوضح أن الإدارة الأميركية كانت تسعى إلى "التزام واضح وصريح" من إيران بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي أو تطوير الأدوات التي تتيح لها تحقيق ذلك بسرعة.


وأضاف: "الهدف الأساسي لرئيس الولايات المتحدة هو ضمان عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، وهذا ما حاولنا تحقيقه عبر هذه المفاوضات"، لافتاً إلى أنه كان على تواصل دائم مع الرئيس دونالد ترمب وكبار المسؤولين خلال مجريات التفاوض.


خلفية المفاوضات


جاءت هذه الجولة في ظل أجواء إقليمية شديدة التوتر، خصوصاً بعد التصعيد العسكري الأخير بين إسرائيل وإيران، وما رافقه من تهديدات متبادلة، إضافة إلى تداعيات الحرب في غزة ولبنان. وكانت إسلام أباد قد استضافت المحادثات في محاولة لخفض التوتر وفتح نافذة دبلوماسية جديدة بين الطرفين.


وبحسب مصادر مطلعة، فإن الخلافات تمحورت حول طبيعة الضمانات التي تطلبها واشنطن، والتي تتجاوز مجرد وقف تخصيب اليورانيوم، لتشمل تفكيك أجزاء من البنية التحتية النووية الإيرانية، إضافة إلى قيود صارمة على برامج الصواريخ الباليستية.


في المقابل، رفضت طهران هذه الشروط، معتبرة أنها تمس "السيادة الوطنية" وتتجاوز ما يمكن قبوله ضمن أي اتفاق، مؤكدة أن برنامجها النووي سلمي الطابع، وأنها لن تتخلى عن "حقوقها المشروعة" في تطوير التكنولوجيا النووية.


فشل متوقع أم تكتيك تفاوضي؟


ويرى مراقبون أن فشل هذه الجولة لم يكن مفاجئاً، في ظل اتساع فجوة الثقة بين الطرفين، خصوصاً بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي السابق عام 2018 خلال ولاية الرئيس ترامب، وما تبعه من سياسة “الضغط الأقصى” التي أعادت فرض عقوبات قاسية على إيران.


كما أن طبيعة الشروط الأميركية الحالية، التي تصفها طهران بأنها “إملاءات”، تجعل من الصعب تحقيق اختراق سريع، خاصة في ظل غياب ضمانات أميركية بعدم تكرار الانسحاب من أي اتفاق مستقبلي.


تداعيات إقليمية ودولية


من المتوقع أن يؤدي انهيار المحادثات إلى زيادة التوتر في المنطقة، مع احتمال عودة التصعيد العسكري غير المباشر بين إيران وإسرائيل، إضافة إلى ارتفاع المخاوف من تسارع البرنامج النووي الإيراني كرد فعل على الضغوط الأميركية.


كما قد يؤثر هذا الفشل على أسواق الطاقة العالمية، في ظل التهديدات المتكررة بإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم ممرات النفط في العالم، وهو ما قد ينعكس على أسعار النفط والاستقرار الاقتصادي الدولي.


في الوقت ذاته، قد تجد واشنطن نفسها أمام خيارات محدودة، تتراوح بين تشديد العقوبات أو العودة إلى مسار دبلوماسي جديد بشروط أقل صرامة، أو حتى الانزلاق إلى مواجهة عسكرية غير مباشرة.


ويعكس الموقف الأميركي في هذه الجولة استمراراً لنهج قائم على فرض الشروط القصوى دون تقديم حوافز مقابلة ذات معنى، ما يضعف فرص التوصل إلى اتفاق مستدام. فبدلاً من البناء على الاتفاق النووي السابق، اختارت واشنطن إعادة صياغة قواعد اللعبة بشكل أحادي، متجاهلة أن فقدان الثقة هو العقبة الأساسية. كما أن الإصرار على ضمانات مطلقة من طرف واحد، دون تقديم التزامات مماثلة، يجعل من الدبلوماسية أداة ضغط لا وسيلة تفاهم. هذا النهج يعيد إنتاج أسباب الفشل السابقة، ويقوّض أي فرصة حقيقية لحل تفاوضي طويل الأمد.


وتبدو السياسة الأميركية أسيرة اعتبارات داخلية وتحالفات إقليمية، خصوصاً في ما يتعلق بإسرائيل، أكثر من كونها مبنية على رؤية استراتيجية متماسكة لمنع الانتشار النووي. فالتشدد في المطالب لا ينفصل عن الضغوط السياسية في واشنطن، ما يحوّل المفاوضات إلى ساحة لإرضاء أطراف داخلية وخارجية، بدلاً من كونها مساراً جدياً للحل. هذا التداخل بين السياسة الداخلية والخارجية يضعف مصداقية الولايات المتحدة كوسيط، ويعزز قناعة طهران بأن أي اتفاق قد يكون مؤقتاً وقابلاً للانهيار مع تغير الإدارات.


كما تكشف هذه الجولة أيضاً عن خلل أعمق في المقاربة الأميركية، يتمثل في الاعتماد المفرط على أدوات الضغط والعقوبات، مقابل إهمال بناء مسار ثقة تدريجي. فالتجارب السابقة أظهرت أن إيران تستجيب أكثر للانخراط الدبلوماسي المتوازن، لا للإملاءات. ومع ذلك، تواصل واشنطن تكرار النهج ذاته، متوقعة نتائج مختلفة. هذا التناقض يعكس غياب رؤية بعيدة المدى، ويزيد من احتمالات التصعيد بدل الاحتواء. وفي ظل بيئة إقليمية قابلة للاشتعال، فإن استمرار هذا النهج قد يدفع المنطقة نحو مواجهة مفتوحة، بدلاً من تجنيبها مزيداً من الأزمات.

تحليل

الأحد 12 أبريل 2026 7:04 صباحًا - بتوقيت القدس

منظمة "جي ستريت" تنضم لمجموعة المطالبين بوقف تزويد إسرائيل بأي سلاح بما يشمل الدفاعي


واشنطن — سعيد عريقات – 11/4/2026

يشهد النقاش السياسي في الولايات المتحدة تحولًا ملحوظًا بشأن طبيعة وحجم المساعدات العسكرية المقدمة لإسرائيل، مع دخول أطراف كانت تُعد تقليديًا ضمن معسكر الدعم الثابت على خط الجدل المتصاعد. وفي هذا السياق، أعلنت منظمة جي ستريت J-Street اليهودية الأميركية،  التي تُعرّف نفسها بأنها "مؤيدة لإسرائيل ومؤيدة للسلام"، دعمها للدعوات المتزايدة داخل الأوساط التقدمية في الكونغرس لإعادة النظر في تمويل الولايات المتحدة لمنظومات الدفاع الصاروخي الإسرائيلية، وعلى رأسها منظومة أيرون دوم Iron Dome   .

هذا الموقف يعكس تصدعًا متناميًا في الإجماع التقليدي الذي طالما حكم العلاقة الأميركية-الإسرائيلية، حيث كانت برامج الدفاع الصاروخي، بخلاف غيرها من أشكال الدعم العسكري، تحظى بحصانة سياسية شبه مطلقة نظرًا لطابعها الدفاعي المباشر ودورها في حماية المدنيين من الهجمات الصاروخية.

غير أن دخول “جي ستريت” على خط هذا الجدل يشير إلى أن هذه "المنطقة المحرّمة" سياسيًا لم تعد بمنأى عن إعادة التقييم، في ظل تصاعد أصوات داخل الحزب الديمقراطي، لا سيما من الجناح التقدمي، تطالب بإعادة توجيه أولويات الإنفاق الخارجي الأميركي، وربط المساعدات بشروط سياسية وأخلاقية أكثر صرامة.

وفي تصريحات نقلتها مجلة "جيويش إنسايدر  Jewish Insider" ، اعتبر متحدث باسم المنظمة أن مواقف التقدميين لا ينبغي توصيفها بأنها "راديكالية"، بل تندرج ضمن نقاش مشروع يتقاطع، بشكل لافت، مع تصريحات صادرة عن كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي المطلوب بجرائم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية بنيامين نتنياهو، والسيناتور الجمهوري، ليندزي غراهام  Lindsey Graham، اللذين أكدا في مناسبات مختلفة أن إسرائيل تمتلك القدرة الاقتصادية على تمويل احتياجاتها الدفاعية، بما في ذلك منظوماتها الصاروخية.

ويعكس هذا التقاطع غير المتوقع في الخطاب السياسي حالة من التعقيد في المشهد، إذ تلتقي مواقف أطراف متباينة أيديولوجيًا عند نقطة واحدة، لكنها تنطلق من دوافع متناقضة. ففي حين يسعى التقدميون إلى تقليص الدعم الأميركي انطلاقًا من اعتبارات مالية وأخلاقية، يطرح بعض القادة الإسرائيليين والمحافظين الأميركيين فكرة "الاكتفاء الذاتي" باعتبارها دليل قوة لا مدخلًا لإعادة تعريف التحالف.

ويكتسب موقف "جي ستريت" أهمية خاصة بالنظر إلى موقعها الوسطي داخل طيف جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، حيث دأبت على الجمع بين دعم أمن إسرائيل وانتقاد سياسات حكوماتها، خصوصًا في عهد بنيامين نتنياهو. ومن شأن هذا التموضع أن يمنحها قدرة أكبر على إعادة صياغة النقاش داخل الأوساط الليبرالية اليهودية في الولايات المتحدة، وربما التأثير في اتجاهات الرأي العام داخل الحزب الديمقراطي.

ويأتي هذا التطور في سياق أوسع من التوترات السياسية والدبلوماسية التي تشهدها العلاقات الأميركية-الإسرائيلية، حيث تتزايد الدعوات داخل الكونغرس لإعادة تقييم أولويات السياسة الخارجية الأميركية، في ظل تحديات داخلية وضغوط مالية متنامية، فضلًا عن تحولات جيوسياسية أوسع في الشرق الأوسط.

ورغم أن أي تغيير جذري في سياسات التمويل لا يبدو وشيكًا، فإن إدراج منظومات مثل “القبة الحديدية” ضمن دائرة النقاش العام يشير إلى تحول نوعي في طبيعة الخطاب السياسي، وقد يفتح الباب أمام مراجعات أعمق في المستقبل القريب.

ولطالما شكلت منظومة القبة الحديدية خطًا أحمر في النقاش الأميركي، بوصفها أداة دفاعية بحتة تحظى بإجماع أخلاقي وسياسي. غير أن موقف "جي ستريت" يعكس بداية تآكل هذا الإجماع، مع صعود جيل سياسي جديد داخل الحزب الديمقراطي لا يتعامل مع المسلمات التقليدية بذات القدر من الالتزام. لم يعد النقاش يدور حول حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، بل حول حدود التزام الولايات المتحدة بتمويل هذا الدفاع، خاصة في ظل قدرات إسرائيل الاقتصادية والتكنولوجية المتقدمة وتزايد الضغوط الداخلية الأميركية.

اللافت في هذا الجدل هو استحضار مواقف نتنياهو وليندسي غراهام لتبرير الطرح التقدمي، وهو تقاطع ظاهري يخفي تباينًا جوهريًا في الدوافع. فبينما ينطلق التقدميون من رغبة في تقليص الانخراط العسكري الأميركي وإعادة توجيه الموارد، يستخدم الطرف الآخر الحجة ذاتها لإبراز قوة إسرائيل واستقلاليتها. هذا التلاقي الخطابي يمنح الطرح التقدمي غطاءً سياسيًا أوسع، ويُخرجه من دائرة "التطرف"، لكنه في الوقت ذاته يعكس هشاشة التحالفات الخطابية في بيئة سياسية شديدة الاستقطاب والتقلب.

لم يعد النقاش محصورًا في كلفة الدعم أو جدواه الاستراتيجية، بل بات يعكس تصاعدًا ملحوظًا في مشاعر الاستياء والضجر من السياسات الإسرائيلية، خصوصًا في ظل ما يُنظر إليه كتصرفات عدوانية متكررة. هذا المزاج لم يعد مقتصرًا على الأوساط التقدمية، بل أخذ يمتد عبر شرائح أوسع من المجتمع الأميركي، بما في ذلك قطاعات من اليهود الأميركيين، وبعضهم منخرط في أطر مثل J Street. في هذا السياق، يصبح الجدل حول التمويل تعبيرًا عن تحوّل أعمق في الرأي العام واتجاهاته.