واشنطن — سعيد عريقات – 11/4/2026
يشهد النقاش السياسي في الولايات المتحدة تحولًا ملحوظًا بشأن طبيعة وحجم المساعدات العسكرية المقدمة لإسرائيل، مع دخول أطراف كانت تُعد تقليديًا ضمن معسكر الدعم الثابت على خط الجدل المتصاعد. وفي هذا السياق، أعلنت منظمة جي ستريت J-Street اليهودية الأميركية، التي تُعرّف نفسها بأنها "مؤيدة لإسرائيل ومؤيدة للسلام"، دعمها للدعوات المتزايدة داخل الأوساط التقدمية في الكونغرس لإعادة النظر في تمويل الولايات المتحدة لمنظومات الدفاع الصاروخي الإسرائيلية، وعلى رأسها منظومة أيرون دوم Iron Dome .
هذا الموقف يعكس تصدعًا متناميًا في الإجماع التقليدي الذي طالما حكم العلاقة الأميركية-الإسرائيلية، حيث كانت برامج الدفاع الصاروخي، بخلاف غيرها من أشكال الدعم العسكري، تحظى بحصانة سياسية شبه مطلقة نظرًا لطابعها الدفاعي المباشر ودورها في حماية المدنيين من الهجمات الصاروخية.
غير أن دخول “جي ستريت” على خط هذا الجدل يشير إلى أن هذه "المنطقة المحرّمة" سياسيًا لم تعد بمنأى عن إعادة التقييم، في ظل تصاعد أصوات داخل الحزب الديمقراطي، لا سيما من الجناح التقدمي، تطالب بإعادة توجيه أولويات الإنفاق الخارجي الأميركي، وربط المساعدات بشروط سياسية وأخلاقية أكثر صرامة.
وفي تصريحات نقلتها مجلة "جيويش إنسايدر Jewish Insider" ، اعتبر متحدث باسم المنظمة أن مواقف التقدميين لا ينبغي توصيفها بأنها "راديكالية"، بل تندرج ضمن نقاش مشروع يتقاطع، بشكل لافت، مع تصريحات صادرة عن كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي المطلوب بجرائم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية بنيامين نتنياهو، والسيناتور الجمهوري، ليندزي غراهام Lindsey Graham، اللذين أكدا في مناسبات مختلفة أن إسرائيل تمتلك القدرة الاقتصادية على تمويل احتياجاتها الدفاعية، بما في ذلك منظوماتها الصاروخية.
ويعكس هذا التقاطع غير المتوقع في الخطاب السياسي حالة من التعقيد في المشهد، إذ تلتقي مواقف أطراف متباينة أيديولوجيًا عند نقطة واحدة، لكنها تنطلق من دوافع متناقضة. ففي حين يسعى التقدميون إلى تقليص الدعم الأميركي انطلاقًا من اعتبارات مالية وأخلاقية، يطرح بعض القادة الإسرائيليين والمحافظين الأميركيين فكرة "الاكتفاء الذاتي" باعتبارها دليل قوة لا مدخلًا لإعادة تعريف التحالف.
ويكتسب موقف "جي ستريت" أهمية خاصة بالنظر إلى موقعها الوسطي داخل طيف جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، حيث دأبت على الجمع بين دعم أمن إسرائيل وانتقاد سياسات حكوماتها، خصوصًا في عهد بنيامين نتنياهو. ومن شأن هذا التموضع أن يمنحها قدرة أكبر على إعادة صياغة النقاش داخل الأوساط الليبرالية اليهودية في الولايات المتحدة، وربما التأثير في اتجاهات الرأي العام داخل الحزب الديمقراطي.
ويأتي هذا التطور في سياق أوسع من التوترات السياسية والدبلوماسية التي تشهدها العلاقات الأميركية-الإسرائيلية، حيث تتزايد الدعوات داخل الكونغرس لإعادة تقييم أولويات السياسة الخارجية الأميركية، في ظل تحديات داخلية وضغوط مالية متنامية، فضلًا عن تحولات جيوسياسية أوسع في الشرق الأوسط.
ورغم أن أي تغيير جذري في سياسات التمويل لا يبدو وشيكًا، فإن إدراج منظومات مثل “القبة الحديدية” ضمن دائرة النقاش العام يشير إلى تحول نوعي في طبيعة الخطاب السياسي، وقد يفتح الباب أمام مراجعات أعمق في المستقبل القريب.
ولطالما شكلت منظومة القبة الحديدية خطًا أحمر في النقاش الأميركي، بوصفها أداة دفاعية بحتة تحظى بإجماع أخلاقي وسياسي. غير أن موقف "جي ستريت" يعكس بداية تآكل هذا الإجماع، مع صعود جيل سياسي جديد داخل الحزب الديمقراطي لا يتعامل مع المسلمات التقليدية بذات القدر من الالتزام. لم يعد النقاش يدور حول حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، بل حول حدود التزام الولايات المتحدة بتمويل هذا الدفاع، خاصة في ظل قدرات إسرائيل الاقتصادية والتكنولوجية المتقدمة وتزايد الضغوط الداخلية الأميركية.
اللافت في هذا الجدل هو استحضار مواقف نتنياهو وليندسي غراهام لتبرير الطرح التقدمي، وهو تقاطع ظاهري يخفي تباينًا جوهريًا في الدوافع. فبينما ينطلق التقدميون من رغبة في تقليص الانخراط العسكري الأميركي وإعادة توجيه الموارد، يستخدم الطرف الآخر الحجة ذاتها لإبراز قوة إسرائيل واستقلاليتها. هذا التلاقي الخطابي يمنح الطرح التقدمي غطاءً سياسيًا أوسع، ويُخرجه من دائرة "التطرف"، لكنه في الوقت ذاته يعكس هشاشة التحالفات الخطابية في بيئة سياسية شديدة الاستقطاب والتقلب.
لم يعد النقاش محصورًا في كلفة الدعم أو جدواه الاستراتيجية، بل بات يعكس تصاعدًا ملحوظًا في مشاعر الاستياء والضجر من السياسات الإسرائيلية، خصوصًا في ظل ما يُنظر إليه كتصرفات عدوانية متكررة. هذا المزاج لم يعد مقتصرًا على الأوساط التقدمية، بل أخذ يمتد عبر شرائح أوسع من المجتمع الأميركي، بما في ذلك قطاعات من اليهود الأميركيين، وبعضهم منخرط في أطر مثل J Street. في هذا السياق، يصبح الجدل حول التمويل تعبيرًا عن تحوّل أعمق في الرأي العام واتجاهاته.





شارك برأيك
منظمة "جي ستريت" تنضم لمجموعة المطالبين بوقف تزويد إسرائيل بأي سلاح بما يشمل الدفاعي