تحليل

الأحد 12 أبريل 2026 7:06 صباحًا - بتوقيت القدس

انهيار مفاوضات واشنطن–طهران في إسلام أباد: خلافات جوهرية حول البرنامج النووي تعيد التصعيد إلى الواجهة

واشنطن – سعيد عريقات – 12/4/2026


أعلن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، مساء السبت، انتهاء جولة المفاوضات الحساسة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة الباكستانية إسلام أباد دون التوصل إلى اتفاق، بعد رفض طهران الشروط الأميركية المتعلقة ببرنامجها النووي، في تطور يعيد التوتر إلى واجهة المشهد الإقليمي والدولي.


وقال فانس في تصريحات للصحفيين إن المحادثات، التي استمرت نحو 21 ساعة متواصلة، انتهت دون تحقيق اختراق، مشيراً إلى أن الوفد الأميركي سيغادر باكستان عائداً إلى واشنطن. وأوضح أن الإدارة الأميركية كانت تسعى إلى "التزام واضح وصريح" من إيران بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي أو تطوير الأدوات التي تتيح لها تحقيق ذلك بسرعة.


وأضاف: "الهدف الأساسي لرئيس الولايات المتحدة هو ضمان عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، وهذا ما حاولنا تحقيقه عبر هذه المفاوضات"، لافتاً إلى أنه كان على تواصل دائم مع الرئيس دونالد ترمب وكبار المسؤولين خلال مجريات التفاوض.


خلفية المفاوضات


جاءت هذه الجولة في ظل أجواء إقليمية شديدة التوتر، خصوصاً بعد التصعيد العسكري الأخير بين إسرائيل وإيران، وما رافقه من تهديدات متبادلة، إضافة إلى تداعيات الحرب في غزة ولبنان. وكانت إسلام أباد قد استضافت المحادثات في محاولة لخفض التوتر وفتح نافذة دبلوماسية جديدة بين الطرفين.


وبحسب مصادر مطلعة، فإن الخلافات تمحورت حول طبيعة الضمانات التي تطلبها واشنطن، والتي تتجاوز مجرد وقف تخصيب اليورانيوم، لتشمل تفكيك أجزاء من البنية التحتية النووية الإيرانية، إضافة إلى قيود صارمة على برامج الصواريخ الباليستية.


في المقابل، رفضت طهران هذه الشروط، معتبرة أنها تمس "السيادة الوطنية" وتتجاوز ما يمكن قبوله ضمن أي اتفاق، مؤكدة أن برنامجها النووي سلمي الطابع، وأنها لن تتخلى عن "حقوقها المشروعة" في تطوير التكنولوجيا النووية.


فشل متوقع أم تكتيك تفاوضي؟


ويرى مراقبون أن فشل هذه الجولة لم يكن مفاجئاً، في ظل اتساع فجوة الثقة بين الطرفين، خصوصاً بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي السابق عام 2018 خلال ولاية الرئيس ترامب، وما تبعه من سياسة “الضغط الأقصى” التي أعادت فرض عقوبات قاسية على إيران.


كما أن طبيعة الشروط الأميركية الحالية، التي تصفها طهران بأنها “إملاءات”، تجعل من الصعب تحقيق اختراق سريع، خاصة في ظل غياب ضمانات أميركية بعدم تكرار الانسحاب من أي اتفاق مستقبلي.


تداعيات إقليمية ودولية


من المتوقع أن يؤدي انهيار المحادثات إلى زيادة التوتر في المنطقة، مع احتمال عودة التصعيد العسكري غير المباشر بين إيران وإسرائيل، إضافة إلى ارتفاع المخاوف من تسارع البرنامج النووي الإيراني كرد فعل على الضغوط الأميركية.


كما قد يؤثر هذا الفشل على أسواق الطاقة العالمية، في ظل التهديدات المتكررة بإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم ممرات النفط في العالم، وهو ما قد ينعكس على أسعار النفط والاستقرار الاقتصادي الدولي.


في الوقت ذاته، قد تجد واشنطن نفسها أمام خيارات محدودة، تتراوح بين تشديد العقوبات أو العودة إلى مسار دبلوماسي جديد بشروط أقل صرامة، أو حتى الانزلاق إلى مواجهة عسكرية غير مباشرة.


ويعكس الموقف الأميركي في هذه الجولة استمراراً لنهج قائم على فرض الشروط القصوى دون تقديم حوافز مقابلة ذات معنى، ما يضعف فرص التوصل إلى اتفاق مستدام. فبدلاً من البناء على الاتفاق النووي السابق، اختارت واشنطن إعادة صياغة قواعد اللعبة بشكل أحادي، متجاهلة أن فقدان الثقة هو العقبة الأساسية. كما أن الإصرار على ضمانات مطلقة من طرف واحد، دون تقديم التزامات مماثلة، يجعل من الدبلوماسية أداة ضغط لا وسيلة تفاهم. هذا النهج يعيد إنتاج أسباب الفشل السابقة، ويقوّض أي فرصة حقيقية لحل تفاوضي طويل الأمد.


وتبدو السياسة الأميركية أسيرة اعتبارات داخلية وتحالفات إقليمية، خصوصاً في ما يتعلق بإسرائيل، أكثر من كونها مبنية على رؤية استراتيجية متماسكة لمنع الانتشار النووي. فالتشدد في المطالب لا ينفصل عن الضغوط السياسية في واشنطن، ما يحوّل المفاوضات إلى ساحة لإرضاء أطراف داخلية وخارجية، بدلاً من كونها مساراً جدياً للحل. هذا التداخل بين السياسة الداخلية والخارجية يضعف مصداقية الولايات المتحدة كوسيط، ويعزز قناعة طهران بأن أي اتفاق قد يكون مؤقتاً وقابلاً للانهيار مع تغير الإدارات.


كما تكشف هذه الجولة أيضاً عن خلل أعمق في المقاربة الأميركية، يتمثل في الاعتماد المفرط على أدوات الضغط والعقوبات، مقابل إهمال بناء مسار ثقة تدريجي. فالتجارب السابقة أظهرت أن إيران تستجيب أكثر للانخراط الدبلوماسي المتوازن، لا للإملاءات. ومع ذلك، تواصل واشنطن تكرار النهج ذاته، متوقعة نتائج مختلفة. هذا التناقض يعكس غياب رؤية بعيدة المدى، ويزيد من احتمالات التصعيد بدل الاحتواء. وفي ظل بيئة إقليمية قابلة للاشتعال، فإن استمرار هذا النهج قد يدفع المنطقة نحو مواجهة مفتوحة، بدلاً من تجنيبها مزيداً من الأزمات.

دلالات

شارك برأيك

انهيار مفاوضات واشنطن–طهران في إسلام أباد: خلافات جوهرية حول البرنامج النووي تعيد التصعيد إلى الواجهة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.