أقلام وأراء

الأحد 12 أبريل 2026 11:25 صباحًا - بتوقيت القدس

قشّة نصر في بيدر المعركة: حين يُعاد تعريف الانتصار

في زمنٍ لم تعد فيه الحروبُ تُخاضُ في الميدان وحده، بل في اللغة والصورة والوعي، لم يعد النصرُ واقعةً صلبةً يمكن الإشارة إليها بوضوح، بل تحوّل إلى معنىً قابلٍ للتشكيل، وإلى روايةٍ قابلةٍ لإعادة الكتابة. لم يعد السؤال: من انتصر؟ بل: كيف جرى تقديم ما حدث؟ ومن امتلك القدرة على تسميته؟

في هذا التحوّل، تتشكّل مفارقةٌ قاسية: ليس كلُّ ما يُعلَنُ نصرًا هو نصر، وليس كلُّ ما يبدو هزيمةً هو كذلك. بين الحدث وتأويله، وبين الواقع وصورته، تتكوّن فجوةٌ تُملأ بعناية، وتُدارُ بمهارة، وتُستثمرُ سياسيًا ونفسيًا. في هذه الفجوة تحديدًا، تولدُ "قشّة النصر": ذلك الجزء الضئيل من الوقائع، الذي يُنتزع من سياقه، ويُرفع عاليًا، لا لأنه يمثّل الحقيقة، بل لأنه قادرٌ على إقناع جمهورٍ مُتعبٍ بأن الحصادَ ما زال ممكنًا.

الاستعارة الزراعية هنا ليست بريئة؛ فالبيدر في الذاكرة القديمة، هو مكان الفرز: حيث تُفصلُ الحبوب عن القشّ، ويظهرُ الجوهر من الفائض. غير أنّ هذه العلاقة تنقلب في زمن الحرب الحديثة. لم يعد القشّ مجرّد بقايا، بل أصبح مادةً قابلةً لإعادة التوظيف، ورمزًا يمكن تضخيمه، وإشارةً يمكن تحميلها ما لا تحتمل. هكذا يُعاد ترتيب المعنى: ما هو ثانوي يُقدَّم كأنه جوهري، وما هو جزئي يُسوَّق كأنه حاسم، وما هو عابر يُعاد تدويره بوصفه نقطة تحوّل.

في هذا السياق، لا يعود النصر نتيجةً تُعلن بعد انتهاء المعركة، بل يصبح عمليةً مستمرة تُصنع أثناءها، تُبنى في غرف السياسة، وتُصاغ في قوالب الإعلام، ويُعاد إنتاجها في الفضاء الرقمي، حيث تتسارع دورة الحدث والتأويل إلى حدٍّ يسبق الفهم نفسه. لم تعد الوقائع تنتظر تفسيرها، بل يُصنع لها تفسيرٌ جاهزٌ قبل أن تستقر.

تعمل هذه الصناعة عبر آليات دقيقة، قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة الفعالية، يُنتقى مشهدٌ واحد من بين آلاف المشاهد، لأنه يخدم الرواية المطلوبة، ويُعاد بثّه حتى يتحوّل إلى مركز الإدراك. يُقتطع الزمن عند لحظةٍ تبدو مواتية، قبل أن تتكشف نتائجها، تُعاد تسمية الأشياء بلغةٍ مخفّفة لا تنفي الواقع، لكنها تعيد تغليفه: التراجع يصبح إعادة تموضع، والخسارة تتحوّل إلى استنزاف، والانسحاب يُقدَّم كخيارٍ تكتيكي. ومع التكرار، لا تعود هذه الكلمات مجرد توصيفات،بل تتحوّل إلى حقائق نفسية، مستقرة في وعي من يسمعها.

غير أنّ هذه العملية لا تنجح من دون قابليةٍ للتلقي. فالجمهور، في لحظات الخطر، لا يبحث فقط عن المعلومات، بل عن المعنى، يحتاج إلى قصةٍ تُمسك بتفكّك الواقع، وتمنحه شعورًا بالتماسك. وفي ظلّ الخوف يصبح الأمل ضرورةً نفسية، وفي ظل الإرهاق تتراجع القدرة على التفكيك والنقد، ويصبح التصديق أسهل من الشكّ. أما الانتماء، فيدفع الفرد إلى تبنّي ما يدعم موقعه، حتى لو كان يعلم، في مستوى ما، أن الصورة غير مكتملة.

هنا، لا تُفرض "قشّة النصر" من الأعلى فقط، بل تجد من يلتقطها، ويعيد حملها، وربما يدافع عنها، ليس لأن الناس ساذجون، بل لأنهم في لحظات الانكشاف يحتاجون إلى ما يخفّف وطأة الواقع. إنها آلية دفاعٍ جماعي، بقدر ما هي نتيجةُ خطابٍ موجّه.

ومع اتساع الفضاء الرقمي، لم تعد السيطرة على الرواية حكرًا على جهةٍ واحدة، فقد باتت الحروب تُخاض أيضًا في ساحةٍ مفتوحة، حيث تتنافس السرديات، وتتصادم التأويلات، ويتحوّل كلّ حدثٍ إلى مادةٍ قابلةٍ لإعادة الصياغة؛ قد يخسر طرفٌ موقعًا على الأرض، لكنه ينجح في تسويق ما حدث بوصفه صمودًا فيربح معنويًا، وقد يحقق طرفٌ تقدّمًا ملموسًا، لكنه يفشل في تقديمه، فيبدو وكأنه لم يحقق شيئًا، وهكذا، ينفصل النصر عن مادّته، ويستقر في صورته.

في قلب هذه العملية، تلعب اللغة دورًا حاسمًا؛ فهي لا تنقل الواقع فحسب، بل تعيد تشكيله. الكلمات ليست حيادية؛ إنها تُخفي وتُبرز، تُجمّل وتُخفّف، وتوجّه الإدراك من حيث يبدو أنها تصف فقط. فحين يُقال "تمّ تحييد الهدف"، فإن الفعل يُنزَع من ثقله الإنساني، ويُعاد تقديمه بصيغةٍ تقنية باردة، وحين يُقال "تمّت السيطرة"، يُحجب ما في الكلمة من حمولةٍ سياسية، اللغة هنا ليست وسيلة، بل أداة سلطة، ومن يملك تسميتها يملك جزءًا من الحقيقة.

أما الإعلام، فيقف في منطقةٍ رمادية بين النقل والمشاركة، تحت ضغط السرعة، والمنافسة، والانحياز أحيانًا، وقد يجد نفسه يعيد إنتاج السرديات بدل أن يفككها. ومع الوقت، قد يفقد القدرة على التمييز بين ما حدث فعلًا، وما جرى تقديمه بوصفه حدثًا، عندها، لا يعود شاهدًا، بل يصبح جزءًا من المشهد، وعنصرًا في ماكينة إنتاج المعنى.

لكن المشكلة الأعمق في "قشّة النصر" أنها لا تصمد طويلًا؛ فهي بطبيعتها خفيفة، قابلة للارتفاع السريع، لكنها أيضًا قابلة للانكشاف، ومع تراكم الوقائع، تبدأ الفجوات بالظهور، ويتآكل الخطاب، وتفقد الكلمات قدرتها على الإقناع. حينها، لا تكون الصدمة ناتجةً فقط عن الخسارة، بل عن إدراك أن ما تمّ تصديقه لم يكن دقيقًا، إنها صدمة مزدوجة: صدمة الواقع، وصدمة الوعي.

في تلك اللحظة، قد تتزعزع الثقة، لا في حدثٍ بعينه، بل في منظومة السرد كلها، وقد يشعر الجمهور بأنه لم يُهزم فقط، بل خُذل أيضًا. وهذا الثمن، في كثيرٍ من الأحيان، أثقل من الخسارة نفسها.

أمام هذا المشهد، لا يكفي الرفض أو السخرية من الخطاب، بل يصبح الوعي ضرورة، وعيٌ لا ينطلق من التشاؤم، بل من الدقة؛ أن نسأل عمّا غاب بقدر ما ننتبه إلى ما حضر، وأن نفهم أن التكرار لا يصنع الحقيقة، وأن الحاجة إلى الأمل لا يجب أن تتحوّل إلى قابليةٍ لتصديق أي شيء.

في النهاية، قد ترتفع "قشّة النصر" عاليًا، وقد تُقنع كثيرين لبعض الوقت، لكنها تظلّ معلّقةً على هواءٍ متقلّب، الريح التي رفعتها قادرةٌ أيضًا على إسقاطها، وما يبقى بعد أن تهدأ الضوضاء، ليس ما قيل بل ما حدث، ليس ما رُوّج بل ما ترسّخ؛ ليس القشّ بل الحصاد.

وفي بيدر المعركة، حين ينقشع الغبار، وتخفت الأصوات، ويتراجع صخب الصور، يظهر السؤال الذي لا يمكن تأجيله:

هل كان ما رأيناه نصرًا... أم مجرد قشّةٍ أُجيد رفعها؟

دلالات

شارك برأيك

قشّة نصر في بيدر المعركة: حين يُعاد تعريف الانتصار

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.