عربي ودولي

الأحد 12 أبريل 2026 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس

مؤرخ فرنسي يصف العلاقات مع الجزائر بـ 'المَرَضية' ويحذر من سيناريو قطع العلاقات

اعتبر المؤرخ الفرنسي المتخصص في تاريخ المنطقة المغاربية، بيير فَرْمَران أن العلاقات بين الجزائر وباريس تمر بمرحلة وصفها بـ 'المَرَضية'، مشيراً إلى أنها لا تزال أسيرة إرث الاستعمار الثقيل. وأوضح أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة باريس 1 أن هذه العلاقة محكومة بصراع الذاكرة الذي توظفه الجزائر سياسياً، في مقابل شعور فرنسي مزمن بالذنب التاريخي تجاه الحقبة الاستعمارية.

وأكدت مصادر إعلامية نقلاً عن فَرْمَران أن الأزمة الراهنة ليست مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل هي نتاج بنية تاريخية معقدة جعلت التوازن مفقوداً بين الطرفين. فقد انتقلت الروابط الثنائية من تقارب نسبي في عهد ديغول إلى توتر متصاعد في السنوات الأخيرة، تغذيه ملفات شائكة مثل الهجرة والتعاون الأمني والمواقف الإقليمية المتباينة.

وزعم المؤرخ الفرنسي أن النظام الجزائري يسعى دائماً لإيجاد 'عدو خارجي' لصرف الأنظار عن التحديات الداخلية، خاصة بعد حراك عام 2019. ويرى فَرْمَران أن اتهام الجزائر للاستخبارات الفرنسية بالتدخل في شؤونها يندرج ضمن هذه الاستراتيجية التي تهدف إلى تعزيز الجبهة الداخلية عبر استحضار التهديدات الخارجية.

وفي قراءته لموقف الإليزيه، أشار فَرْمَران إلى أن الرئيس إيمانويل ماكرون بدأ يشعر بالسأم من السلوك الجزائري، خاصة مع الإغلاق التدريجي للأسواق الجزائرية أمام الشركات الفرنسية. كما لفت إلى تراجع التعاون في ملفات حساسة مثل استعادة المهاجرين غير الشرعيين والدعم الجزائري للتحركات الروسية في منطقة الساحل، وتحديداً في مالي.

ويرى المحلل الفرنسي أن نقطة التحول الكبرى تمثلت في انحياز ماكرون للطرح المغربي بشأن قضية الصحراء، وهو ما اعتبره استجابة لشرط الرباط بتجديد التعاون مقابل الاعتراف بسيادتها. هذا التحول الدبلوماسي الفرنسي أدى بالضرورة إلى تعميق الفجوة مع الجزائر وزيادة حدة التوتر الدبلوماسي الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة.

وبالحديث عن العلاقات الثلاثية بين باريس والرباط والجزائر، أوضح فَرْمَران أن فرنسا ليست مضطرة للاختيار بين الطرفين، مستشهداً بعهد جاك شيراك الذي حافظ على توازن دقيق. ومع ذلك، يرى أن الجزائر تصر على استخدام ورقة الهجرة والتحكم في الشؤون الدينية للجالية في فرنسا كوسائل ضغط سياسي مستمرة.

وفيما يخص ملف المهاجرين، كشفت المصادر أن هناك نحو 100 ألف أمر بمغادرة الأراضي الفرنسية تخص جزائريين لم يتم تنفيذ معظمها حتى الآن. ورغم وجود بوادر استئناف خجولة لاستقبال بعض المرحلين، إلا أن المؤرخ يرى أن هذه الخطوات تندرج ضمن حسابات سياسية جزائرية تهدف للتأثير على الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة عام 2027.

وطرح فَرْمَران سيناريو 'أوربة' الملف الجزائري كحل محتمل، عبر إشراك دول مثل إيطاليا وألمانيا اللتين تتمتعان بعلاقات جيدة مع الجزائر في الوساطة. لكنه أشار في الوقت ذاته إلى وجود معارضة داخل دوائر القرار الفرنسية لهذا التوجه، حيث يفضل البعض إبقاء الملف ضمن الإطار الثنائي التقليدي.

وحذر المؤرخ من أن تدهور العلاقات قد يصل إلى حد القطع الكامل للتمثيل الدبلوماسي، معتبراً أن الجزائر قد تكون الخاسر الأكبر اقتصادياً في هذا السيناريو. وزعم أن هناك تياراً داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية يرغب في هذا الانفصال للتخلص مما يصفه بـ 'شبح الوصاية الاستعمارية' وبناء علاقات دولية جديدة بعيداً عن باريس.

وفي سياق متصل، تطرق التقرير إلى الزيارة المرتقبة لبابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى الجزائر في منتصف أبريل الجاري، مستبعداً أن يكون لها تأثير مباشر على العلاقات الفرنسية. وأوضح فَرْمَران أن الدبلوماسية الفاتيكانية تعمل بمسار منفصل عن الإليزيه، خاصة أن البابا يسعى للتوجه نحو المستقبل وتجاوز الحقبة الاستعمارية السوداء.

وأشار المؤرخ إلى أن الكنيسة في الجزائر، رغم صغر حجمها، أصبحت تمثل نموذجاً عالمياً يضم أطيافاً متنوعة من أصول عربية وأوروبية وآسيوية. ويرى أن الفاتيكان يحرص على عدم جرح مشاعر الجزائريين عبر استحضار الماضي الاستعماري الذي ارتبطت فيه الكنيسة بالإدارة الفرنسية في ذلك الوقت.

وتناول التحليل أيضاً رغبة فرنسا في الوصول إلى 'علاقة طبيعية' تتيح لها معالجة ملفات الهجرة والأمن دون تقديم تنازلات دائمة في ملف الذاكرة. ويرى فَرْمَران أن على باريس التعامل مع الجزائر باحترام كدولة عادية، ولكن دون إظهار ضعف أو شعور دائم بالمديونية التاريخية التي تعيق اتخاذ قرارات حازمة.

كما لفت التقرير إلى أن إلغاء اتفاقيات الهجرة لعام 1968 قد يكون أحد الأوراق التي قد تلجأ إليها فرنسا لإعادة التفاوض على أسس جديدة. وفي حال حدوث ذلك، يتوقع المؤرخ أن ترد الجزائر عبر إعادة توجيه تدفقات الهجرة نحو دول أوروبية أخرى مثل إسبانيا وإيطاليا للضغط على الموقف الفرنسي الجماعي.

وخلص المؤرخ إلى أن مستقبل العلاقات سيبقى رهيناً بالتطورات السياسية الداخلية في كلا البلدين، خاصة مع اقتراب المواعيد الانتخابية. وتبقى التساؤلات قائمة حول قدرة الدبلوماسية على احتواء الأزمات المتلاحقة أو الانزلاق نحو قطيعة شاملة تعيد رسم خارطة التحالفات في منطقة شمال إفريقيا.

دلالات

شارك برأيك

مؤرخ فرنسي يصف العلاقات مع الجزائر بـ 'المَرَضية' ويحذر من سيناريو قطع العلاقات

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.