تحليل

الجمعة 12 يونيو 2026 10:04 صباحًا - بتوقيت القدس

حين يصبح الصمت شريكًا في المأساة: قراءة في كتاب "حين ينام العالم" لفرانشيسكا ألبانيزي

رسالة واشنطن




واشنطن - سعيد عريقات – 12/6/2026


ثمة كتب تُقرأ ثم تُطوى، وكتب تترك أثرًا عابرًا في الذاكرة، لكن ثمة كتب نادرة تلاحق قارئها طويلًا بعد الصفحة الأخيرة، وتحرمه راحة العودة إلى يقيناته السابقة. كتاب "حين ينام العالم" لفرانشيسكا ألبانيزي ينتمي إلى هذه الفئة النادرة. فبين دفتيه لا نجد مجرد سردية جديدة عن فلسطين، بل مواجهة أخلاقية مع واحد من أكثر الأسئلة إزعاجًا في عصرنا: كيف يستطيع العالم أن يشهد هذا القدر من المعاناة الإنسانية ثم يواصل حياته كأن شيئًا لم يكن؟


أغلقتُ الصفحة الأخيرة من الكتاب، لكن الكتاب لم يغلق أبوابه داخلي. ظل سؤال واحد يتردد بإلحاح: ماذا يحدث لضمير العالم عندما يصبح الألم الإنساني مألوفًا؟ وكيف تتحول المأساة، بفعل التكرار والصمت والعجز السياسي، إلى مجرد خبر عابر في دورة الأخبار اليومية؟


هذا السؤال هو القلب النابض في عمل ألبانيزي. وهو أيضًا ما يمنح الكتاب فرادته وأهميته.


ليس "حين ينام العالم" كتابًا سياسيًا بالمعنى التقليدي، رغم أنه يتناول واحدة من أكثر القضايا السياسية تعقيدًا وإثارة للجدل في العالم. إنه، قبل كل شيء، محاولة لاستعادة الإنسان من بين أنقاض اللغة الجيوسياسية الباردة التي اختزلت فلسطين لعقود في خرائط ومفاوضات وقرارات أممية وموازين قوى. ففي الوقت الذي اعتادت فيه المؤسسات الدولية الحديث عن "النزاع" و"العملية السياسية" و"إدارة الأزمة"، تعيد ألبانيزي القارئ إلى الحقيقة الأولى والأكثر بساطة: هناك بشر يعيشون ويموتون ويتألمون تحت هذا الواقع كل يوم.


كُتب هذا العمل في واحدة من أكثر اللحظات دموية وقتامة في تاريخ المنطقة المعاصر، فجاء مزيجًا متماسكًا من السيرة الذاتية والتأمل القانوني والشهادة الإنسانية والتفكير الأخلاقي. ومن خلال عشر شخصيات كان لها أثر حاسم في تشكيل وعيها، تنسج ألبانيزي سردية تتجاوز حدود التحليل السياسي لتلامس الأسئلة الكبرى المتعلقة بالعدالة والذاكرة والمسؤولية الإنسانية.


هؤلاء الأشخاص ليسوا مجرد شخوص عابرة في الكتاب، بل مرايا تعكس أوجهًا مختلفة من المأساة والصمود معًا. فلسطينيون ويهود، ناشطون ومفكرون وأفراد عاديون، تجمعهم حقيقة واحدة: أنهم جميعًا اختبروا، بطرق مختلفة، آثار الظلم والعنف والاقتلاع. ومن خلال قصصهم، ترفض ألبانيزي اختزال فلسطين في نزاع سياسي قابل للإدارة، وتصر على رؤيتها بوصفها تجربة إنسانية يومية يعيشها ملايين البشر تحت وطأة الاحتلال والحرمان والخوف.


 


وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط قوة الكتاب. فالكثير مما كُتب عن فلسطين وقع في أسر أحد اتجاهين متناقضين: إما لغة سياسية جافة تفقد الإنسان حضوره، أو خطاب أيديولوجي صاخب يفتقر إلى العمق والتعقيد. أما ألبانيزي فتنجح في الإفلات من هذين المأزقين. فهي تكتب بدقة الباحثة القانونية، وبحساسية من أمضت سنوات طويلة في الإصغاء إلى أصوات المهمشين والمقموعين. ولذلك تبدو لغتها واضحة من دون تبسيط، وعاطفية من دون ابتذال، وحادة من دون أن تفقد توازنها.


ويلخص عنوان الكتاب فكرته المركزية بأبلغ صورة. فالمأساة، في نظر المؤلفة، لا تكمن في وقوع الظلم وحده، بل في اعتياد العالم عليه. ليست المشكلة أن الفظائع تحدث، بل أنها باتت تحدث أمام أعين الجميع من دون أن تثير ما يكفي من الغضب أو الفعل أو المساءلة. الفلسطينيون، وفق هذا التصور، ليسوا ضحايا الاحتلال والعنف فحسب، بل ضحايا نظام عالمي اعتاد رؤيتهم يتألمون من دون أن يشعر بالحاجة الملحة إلى تغيير الواقع الذي ينتج هذا الألم.


ومن أهم ما يميز الكتاب قدرته على الجمع بين القانون والأخلاق في سردية واحدة. فألبانيزي، بصفتها خبيرة في القانون الدولي، تناقش مفاهيم الاحتلال والفصل العنصري والتهجير القسري والعقاب الجماعي والإبادة الجماعية، لكنها لا تسمح لهذه المفاهيم أن تبقى مجرد مصطلحات تقنية. فكل مفهوم قانوني يرتبط بوجه إنساني وقصة حياة وتجربة ملموسة. القانون هنا لا يتحدث عن أرقام وإحصاءات، بل عن بشر من لحم ودم.


ويتجلى هذا البعد الإنساني بأوضح صوره في الفصول التي تتناول أطفال غزة. فالأطفال لا يظهرون كضحايا مجهولين في نشرات الأخبار، بل كأفراد لهم أسماء وأحلام وملامح ومستقبل كان ينتظرهم. وتبرز قصة الطفلة هند رجب باعتبارها واحدة من أكثر الشهادات إيلامًا في الكتاب، ليس فقط بسبب مأساوية نهايتها، بل لأنها تكشف إلى أي حد أصبح العالم قادرًا على مشاهدة أقصى درجات المعاناة الإنسانية من دون أن تقابلها إرادة حقيقية للتدخل أو التغيير.


ومع ذلك، لا يستسلم الكتاب لليأس. فعلى الرغم من حجم الألم الذي يوثقه، يظل مشبعًا بإيمان عميق بقيمة التضامن الإنساني وقدرة الضمير على الاستيقاظ. ولهذا تمنح ألبانيزي مساحة واسعة لأصوات يهودية ومفكرين وناجين من المحرقة رفضوا توظيف المأساة التاريخية لتبرير ظلم جديد. وتكتسب هذه الشهادات أهمية خاصة لأنها تفند محاولات الخلط بين نقد سياسات الدولة الإسرائيلية وبين العداء لليهود، وتؤكد أن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية لا يتعارض مع احترام الذاكرة اليهودية أو معاداة الكراهية بكل أشكالها.


كما يلفت الانتباه الصدق الشخصي الذي تكتب به المؤلفة عن نفسها. فهي لا تتحدث من موقع الخبير المحصن بالمسافة الأكاديمية، بل تكشف عن الإحباط الذي يرافق العمل داخل المؤسسات الدولية، وعن الثمن النفسي الذي يدفعه من يكرس حياته لمواجهة الظلم، وعن الشعور بالعجز أمام تكرار المأساة. وهذا البعد الشخصي يمنح الكتاب حرارة إنسانية إضافية ويجعله أقرب إلى الشهادة منه إلى التقرير.


أما أدبيًا، فيتميز العمل بلغة رشيقة وأسلوب يتنقل بسلاسة بين التأمل الشخصي والتحليل السياسي والمرافعة القانونية. فبعض صفحاته تبدو أقرب إلى تأملات في الحزن والذاكرة والمسؤولية الأخلاقية، فيما تبدو صفحات أخرى كأنها لائحة اتهام دقيقة ومتماسكة ضد نظام عالمي يطبق مبادئ العدالة بانتقائية واضحة.


ويأتي صدور هذا الكتاب في لحظة تاريخية تشهد تحولات مهمة في الخطاب العالمي حول فلسطين. فالأجيال الجديدة، خصوصًا في الغرب، باتت أكثر استعدادًا لمساءلة السرديات التقليدية التي هيمنت طويلًا على النقاش العام، وأكثر حساسية تجاه التناقض بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية في السياسة الدولية. ومن هنا يبدو الكتاب تعبيرًا عن يقظة أخلاقية آخذة في التشكل بقدر ما هو توثيق للمأساة ذاتها.


لكن القيمة الحقيقية لهذا العمل تكمن في أنه لا يسمح للقارئ بالبقاء متفرجًا على مسافة آمنة. فهو لا يطلب تعاطفًا عابرًا ولا شفقة مؤقتة، بل يفرض مواجهة أخلاقية مع الذات. وبعد الانتهاء من القراءة، لا يعود السؤال متعلقًا بفلسطين وحدها، بل يصبح سؤالًا عن طبيعة عالمنا وعن حدود إنسانيتنا المشتركة: ماذا يحدث للإنسان عندما يعتاد رؤية المأساة؟ وماذا يحدث للمجتمع الدولي عندما يصبح الصمت ردّه الطبيعي على الظلم؟


إن "حين ينام العالم" ليس مجرد كتاب عن فلسطين. إنه، في جوهره، وثيقة اتهام أخلاقية لعصر كامل. عصر رأى وعرف وفهم، ثم اختار، في كثير من الأحيان، أن يدير ظهره.


ومن هنا تنبع أهميته الحقيقية.


فهو لا يروي قصة الضحايا فحسب، بل يضع الشهود أيضًا في موضع المساءلة.


وفي زمن يضج بالدعاية والاستقطاب والضجيج الإعلامي، تقدم فرانشيسكا ألبانيزي شيئًا أصبح نادرًا على نحو متزايد: صوتًا تحركه البوصلة الأخلاقية أكثر مما تحركه الحسابات السياسية. وسواء اتفق القارئ مع جميع استنتاجاتها أم اختلف معها، يبقى هذا الكتاب إسهامًا مهمًا في توثيق المعاناة الفلسطينية، وفي مساءلة عالم ما زال عاجزًا عن مواجهة تلك المعاناة بالصدق والشجاعة اللذين تستحقهما.


وربما لهذا السبب تحديدًا يظل الكتاب حاضرًا في الذهن بعد انتهائه. فهو لا يقدم للقارئ راحة الأجوبة النهائية، بل يتركه أمام سؤال مفتوح ومزعج: إذا كان العالم نائمًا حقًا، فمن الذي سيوقظه؟

دلالات

شارك برأيك

حين يصبح الصمت شريكًا في المأساة: قراءة في كتاب "حين ينام العالم" لفرانشيسكا ألبانيزي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.