شهد الأسلوب الإعلامي للحكومة الصينية تحولاً لافتاً في الآونة الأخيرة، حيث تخلت بكين عن القوالب الجامدة والرسائل التقليدية لصالح محتوى رقمي مرن ومبتكر. وتستفيد الماكينة الإعلامية الرسمية من أدوات العصر الرقمي، وعلى رأسها تقنيات الذكاء الاصطناعي، لتعزيز قدرتها على التأثير في الرأي العام العالمي وجذب فئات عمرية جديدة.
وتسعى الصين من خلال هذا التوجه الجديد إلى تقديم انتقادات مباشرة وحادة للولايات المتحدة وسياسات رئيسها دونالد ترمب، وفقاً لما نقلته مصادر دولية. وباتت المنصات الرقمية ساحة لعرض مواد بصرية جذابة وسهلة الانتشار، تهدف إلى تقويض الرواية الغربية السائدة وتقديم وجهة النظر الصينية بأسلوب عصري.
ومن أبرز الأمثلة على هذا التطور، إنتاج فيلم رسوم متحركة قصير مدته خمس دقائق، تم تنفيذه بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي وبأسلوب يحاكي أفلام فنون القتال الكلاسيكية. ويقدم الفيلم قراءة رمزية للصراع في الشرق الأوسط، وتحديداً الحرب على إيران، عبر استعارات بصرية تعكس موازين القوى الدولية.
ويظهر في العمل الفني نسر أبيض يرتدي زياً ملكياً كرمز للولايات المتحدة، وهو يشن هجوماً على مجموعة من القطط الفارسية التي ترمز للشعب الإيراني. ويحمل السرد في طياته رسائل حول الظلم والانتقام، مصوراً السياسات الأمريكية كقوة غاشمة تسعى لفرض نفوذها على حساب استقرار الشعوب الأخرى.
ولا يقتصر الإنتاج الصيني على القضايا العسكرية، بل يمتد للسخرية من تصريحات ترمب المثيرة للجدل، مثل حديثه السابق عن السيطرة على جزيرة غرينلاند. وتعكس هذه المواد البصرية استراتيجية أوسع يقودها الرئيس الصيني شي جينبينغ، تهدف إلى تعزيز القوة الناعمة لبلاده ومواجهة ما تصفه بكين بالانحياز الإعلامي الغربي.
المحتوى الترفيهي المدعوم بالذكاء الاصطناعي قد يكون أكثر تأثيرًا من الخطاب التقليدي، خاصة لدى الأجيال الشابة.
وفي سياق متصل، حذرت وزارة الخارجية الأمريكية في تقارير حديثة من خطورة هذه التحركات، معتبرة أن حملات التضليل التي تديرها وسائل إعلام مرتبطة بدول تمثل تهديداً للأمن القومي. وترى واشنطن أن هذا النوع من المحتوى يسهم في تأجيج العداء للمصالح الأمريكية حول العالم عبر الفضاء الرقمي المفتوح.
ويؤكد خبراء إعلاميون أن المحتوى الترفيهي المدعوم بالذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة فائقة على تبسيط القضايا الجيوسياسية المعقدة وجعلها أكثر قابلية للفهم. وقد حققت بعض هذه المقاطع انتشاراً واسعاً، حيث تجاوزت مشاهدات أحد الفيديوهات حاجز المليون مشاهدة فور وصوله إلى الجمهور الناطق باللغة الإنجليزية.
ويمثل هذا التوجه قطيعة واضحة مع الماضي، حيث كان الإعلام الصيني يعتمد على لغة خشبية مليئة بالشعارات السياسية التي لم تعد تجذب الشباب. وبدلاً من ذلك، بدأت المؤسسات الإعلامية في بكين بتبني لغة الإنترنت، واستخدام موسيقى الراب، والاستعانة بنجوم الفن لإنتاج أعمال وطنية بقوالب مشوقة.
كما دخلت المسلسلات الدرامية عالية الجودة على خط المواجهة الإعلامية، حيث نجحت في جذب جمهور واسع بفضل قصصها التي تدمج بين الترفيه والرسائل السياسية المبطنة. وتلعب تقنيات الذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في تخصيص هذا المحتوى ليتناسب مع خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي المختلفة.
إن تصاعد حرب المعلومات العالمية يشير إلى أن الصراع بين القوى الكبرى لم يعد مقتصرًا على الميادين العسكرية والاقتصادية فحسب. فاستخدام الصين للذكاء الاصطناعي في السخرية السياسية يمثل فصلاً جديداً من فصول التنافس على قيادة الرواية العالمية وتشكيل وعي الشعوب في العصر الرقمي.





شارك برأيك
سلاح الذكاء الاصطناعي.. كيف توظف بكين المحتوى الرقمي للسخرية من ترمب؟