كشفت مصادر صحفية دولية عن تطورات ميدانية خطيرة في القرن الأفريقي، حيث استضافت إثيوبيا معسكراً سرياً يضم آلاف المقاتلين التابعين لقوات الدعم السريع السودانية. ويأتي هذا التحرك في وقت يشهد فيه السودان صراعاً دموياً مستمراً، مما يشير إلى تزايد انخراط القوى الإقليمية في الأزمة السودانية وتمددها خارج الحدود.
وأفادت تقارير استندت إلى مصادر حكومية إثيوبية ومذكرات أمنية مسربة، بأن دولة الإمارات العربية المتحدة هي الممول الرئيسي لهذا المعسكر. وتضمنت المساعدات المقدمة توفير مدربين عسكريين ودعماً لوجستياً متكاملاً للموقع، وهو ما يضع المنطقة أمام خارطة تحالفات جديدة ومعقدة.
وتشير الوثائق الأمنية التي جرى تداولها إلى أن المعسكر كان يضم نحو 4300 مقاتل من قوات الدعم السريع في أوائل شهر يناير الماضي. وتتلقى هذه القوات تدريبات عسكرية مكثفة لتعزيز قدراتها القتالية في مواجهة الجيش السوداني، مما يفاقم من حدة التوتر الإقليمي.
هذه التطورات تفتح الباب واسعاً أمام التساؤلات حول الدور المصري في مواجهة ما يوصف بالتغلغل في دول الجوار. فبينما تمتد هذه الأنشطة من ليبيا إلى إثيوبيا والصومال، يرى مراقبون أن القاهرة تواجه تحديات جسيمة في حماية أمنها القومي ومصالحها الحيوية في المنطقة.
ويربط محللون بين هذا الملف وبين أزمة سد النهضة التي استمرت لأكثر من عقد من الزمان دون حل جذري يحفظ حقوق مصر المائية. فمنذ توقيع اتفاقية المبادئ قبل أحد عشر عاماً، واصلت أديس أبابا فرض سياسة الأمر الواقع بإنهاء بناء السد والبدء في تشغيله فعلياً.
وعلى الرغم من التصريحات المصرية المتكررة بأن كافة الخيارات مطروحة لحماية الأمن المائي، إلا أن الواقع الميداني يظهر قدرة إثيوبيا على المناورة. وقد استغلت أديس أبابا علاقاتها القوية مع قوى إقليمية ودولية لتعزيز موقفها وتجاهل الضغوط التي حاولت أطراف دولية ممارستها.
إن ظهور معسكرات تدريب للمتمردين السودانيين على الأراضي الإثيوبية يمثل ضغطاً إضافياً على الدولة المصرية. فهذا الوجود لا يهدد استقرار السودان فحسب، بل يمتد تأثيره ليشمل أمن الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس التي تعد شريان الحياة للاقتصاد المصري.
إثيوبيا تستضيف معسكراً سرياً لتدريب آلاف المقاتلين من أجل قوات الدعم السريع التي تقاتل الجيش في السودان المجاور.
وتبرز هنا إشكالية استقلالية القرار السياسي المصري في ظل التحالفات الاقتصادية والأمنية مع الأطراف الممولة لهذه المعسكرات. فالتداخل بين ملفات الدعم المالي الخارجي وبين مقتضيات الأمن القومي يضع صانع القرار في القاهرة أمام خيارات صعبة ومعقدة.
ويرى البعض أن النظام المصري قد يجد نفسه مضطراً للتعامل مع هذه المعسكرات كأمر واقع، تماماً كما حدث في ملف سد النهضة. فالحجج القانونية للتدخل متوفرة، لكن التبعات السياسية والاقتصادية قد تكون عائقاً أمام اتخاذ خطوات عسكرية مباشرة في العمق الإثيوبي.
وفي ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية، يبدو أن خيار المواجهة العسكرية يتراجع لصالح المسارات الدبلوماسية التي لم تحقق نتائج ملموسة حتى الآن. وتستمر إثيوبيا في تمددها الأفريقي وتحسين علاقاتها مع دول الخليج، مما يعزز من سرديتها السياسية تجاه قضايا المنطقة.
لقد سبق لمصر أن تحركت عسكرياً في ليبيا عام 2014 لضرب ما وصفتها بمعسكرات الإرهابيين، مما يثبت امتلاكها للقدرة العملياتية. إلا أن الفارق في الحالة الإثيوبية يكمن في طبيعة التحالفات الدولية والغطاء السياسي الذي توفره قوى إقليمية كبرى لهذه التحركات.
العجز الحالي، كما يصفه مراقبون، ليس عجزاً في القدرات العسكرية للجيش المصري الذي يصنف ضمن الأقوى عالمياً. بل هو نتاج حسابات سياسية دقيقة تتعلق بملفات الحرب على الإرهاب والتحالفات الأمنية التي تقيد حرية الحركة في ملفات استراتيجية معينة.
ومن المتوقع أن تلتزم الجهات الرسمية في القاهرة الصمت أو إصدار بيانات تنفي العلم بهذه التقارير لتجنب الصدام المباشر. فالسياسة المصرية الحالية تميل إلى التهدئة وتجنب الانجرار إلى صراعات مسلحة قد تستنزف موارد الدولة المحدودة في الوقت الراهن.
ختاماً، يبقى تقرير رويترز بمثابة جرس إنذار حول تحول الأراضي الإثيوبية إلى منطلق لعمليات تهدد استقرار الجوار العربي. وسيكون على القاهرة إعادة تقييم استراتيجيتها في القارة الأفريقية لاستعادة دورها القيادي وحماية مصالحها التي باتت محاصرة من عدة جهات.




