لم تبدأ الأزمة مع قرارات "كابينت" الاحتلال الأخيرة، بل تعود جذورها لأكثر من قرن من الزمان، حين قُدمت فلسطين للحركة الصهيونية على طبق من ذهب. فمنذ الانتداب البريطاني، مرورا بالهزائم العربية المتوالية، وأوهام السلام، وصولا الى نظام دولي أدمن رعاية الاحتلال بدل جلائه، فالتحذيرات البريطانية المتأخرة جدا من اجراء أي تغييرات على الاراضي الفلسطينية لا تغير من الواقع شيئا، بل تكشف محاولة بائسة لغسل اليدين، حيث يجري اليوم الاعتراض على النتائج دون مساءلة الأسباب.
في هذا السياق الطويل من التفكيك المنهجي، تحولت السلطة الفلسطينية تدريجيا من مشروع دولة، الى كيان وظيفي محدود الصلاحيات، محاصر ماليا وسياسيا، ومثقل بمنظومة لم تعد مجرد اختلال مالي، بل بنية متكاملة.
القرارات تمثل مرحلة متقدمة في هذا المسار، فهي ليست إجراءات إدارية او إصلاحات قانونية كما روج لها، بل ضم فعلي صامت، والاحتلال يتجنب اعلان ذلك رسميا حتى لا يحرج داعميه الدوليين، لكنه يفرض السيادة على الارض بالقوة، وعبر تسهيل الاستيلاء على الاراضي، او توسيع صلاحيات الحكم العسكري تحت مسمى "الادارة المدنية"، ومنح المستوطنين حوافز غير مسبوقة، والنتيجة بيئة طاردة للفلسطيني، جاذبة للمستوطن، وخنق مقومات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتحويل الأرض الى حيز غير قابل للحياة.
الاخطر ان هذه الاجراءات لا تستهدف السلطة وحدها، بل تنتقل للمرة الاولى بشكل علني ومباشر الى مكونات المجتمع الفلسطيني، أملاكه وثرواته اصبحت في مرمى قرار سياسي، والمؤسسات أصبحت شكلية عاجزة عن التخطيط او البناء، وبالتالي نحن لا نواجه احتلالا عسكريا فقط، بل عودة غير مسبوقة له، يتحكم بالارض، ما فوقها وما في بطنها، الاقتصاد والمجتمع، وحتى الماء والهواء.
في المقابل، يواصل سحب صلاحيات السلطة تدريجيا، دون الاعلان عن حلها، ساعيا لجعلها تتحول في نظر الفلسطيني الى عبء، بل يحاول الظهور كملاذ أمن، دافعا الفلسطينيين إلى إلغائها طوعا لا كرها، وتسليم مفاتيحها، وإخلاء طرفه من أي مسؤولية عن ذلك.
أما التحرك العربي، فحدوده معروفة سلفا، وحتى لو اجتمع العرب على كلمة واحدة، وهو بعيد المنال، فلن يكون بمقدورهم وقف هذه الإجراءات، فكيف الحال والعواصم متفرقة، والمواقف متناقضة، والوزن الدولي شبه معدوم، لذلك فان ازمة السلطة اليوم تتجاوز قدرة اي اجتماع عربي، وتحتاج الى مقاربة اوسع واشمل، فلسطينية اولا، ثم اقليمية ودولية.
السؤال الحقيقي لم يعد ما الذي يفعله الاحتلال، بل ماذا تفعل القيادة الفلسطينية؟ منذ ربع قرن وهي في حالة تراجع تحت شعار الانحناء للعاصفة، في السياسة يمكن الانحناء تكتيكيا، لكن حين يصل الانحناء الى حد ملامسة الارض لا يعود انحناء، فالمطلوب ليس بيانات ولا جولات، بل اعادة تعريف جذرية لوظيفة السلطة، وعلاقتها بالاحتلال، وبمجتمعها، وبالعالم، وان تعود الى قواعدها، وان تحتمي بشعبها، وان يتقدم قادتها صفوفه فعلا لا قولا، ودون ذلك ستستمر إجراءات الاحتلال على الارض، وسيبقى الفلسطيني محاصرا بين احتلال يتقدم ونظام سياسي يتآكل من الداخل.
أقلام وأراء
الأربعاء 11 فبراير 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس
احتلال بلا أقنعة وسلطة بلا خيارات...
دلالات
السؤال الحقيقي لم يعد ما الذي يفعله الاحتلال، بل ماذا تفعل القيادة الفلسطينية؟ قبل 4 شهر
المدينة المنورة - السعودية
🇸🇦
بل الحقيقة تجاوزت ذلك. فمن ينتظر من القيادة التي مدت يدها لمصافحة ترمب بعد إعلان انتصاره في تجمع العصابات الإرهابية الصهيونية أن تعمل لأجل فلسطين ينتظر أن يتحول السراب إلى ماء. السلطة قامت





شارك برأيك
احتلال بلا أقنعة وسلطة بلا خيارات...