يتردد في الأوساط التونسية قول منسوب للعلامة ابن خلدون يلخص خيارات العيش في المنطقة بين الموافقة أو النفاق أو الرحيل. هذا المثل بات يستعاد اليوم بكثافة مع تزايد الشعور بانسداد آفاق الأمل لدى الأجيال الشابة التي تحلم بمستقبل أفضل.
استذكر كاتب المقال سنوات الجامعة والعمل الطلابي التي كانت تضج بأحلام الإصلاح والتغيير الجذري في المجتمع. كان الطموح حينها أن يشكل هذا الجيل طليعة فكرية وعملية تساهم في نهضة تونس والمنطقة العربية بأسرها.
مع مرور السنوات، تفرقت السبل بتلك الكفاءات، فمنهم من اختار الهجرة بحثاً عن فضاءات أرحب للعمل والإبداع. بينما آثر قسم آخر الانكفاء والابتعاد عن الشأن العام، ولم يبق إلا القليل ممن يحاولون التمسك بالأمل.
برزت في الآونة الأخيرة مبادرات شبابية تونسية لافتة، كان من أهمها ما عُرف بـ 'قافلة الصمود'. ضمت هذه القافلة مئات الشباب الذين سعوا لكسر حاجز الصمت تجاه المآسي الإنسانية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
لم تقتصر هذه التحركات على الداخل التونسي، بل امتدت لتشمل انخراطاً في مبادرات دولية مثل 'أسطول الصمود العالمي'. هدفت هذه الجهود البحرية إلى تسليط الضوء على المعاناة الإنسانية والضغط على المجتمع الدولي لوقف العدوان.
المفارقة الصادمة تمثلت في رد الفعل الرسمي تجاه هذه النخب الشابة من أطباء ومهندسين ومثقفين. فبدلاً من الاحتفاء بمواقفهم الإنسانية والوطنية، واجه الكثير منهم الملاحقات الأمنية والسجون بتهم تثير التساؤلات.
إن تحويل الشباب الفاعل إلى متهمين خلف القضبان يرسخ القناعة بأن الدولة تضيق ذرعاً بأصحاب الرأي الحر. هذا النهج يدفع الكفاءات دفعاً نحو خيار الرحيل النهائي عن البلاد، مما يستنزف ثروة تونس البشرية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأوطان ليس قلة الموارد ولا تعثر السياسات، بل فقدان الأمل في قلوب شبابها.
يرى المحللون أن تهميش الكفاءات وتقديم الشخصيات التي تكتفي بالمديح الزائف لا يبني استقراراً حقيقياً للدول. فالمنافقون قد يملؤون الفضاء بالضجيج، لكنهم يعجزون تماماً عن بناء حضارة أو تحقيق نهضة اقتصادية واجتماعية.
التاريخ يثبت دائماً أن النهضات الكبرى لم يكتبها المصفقون أو الذين يسايرون الأوضاع القائمة دون نقد. بل كان الرواد هم أولئك الذين امتلكوا الجرأة على التفكير المختلف والمبادرة رغم كل التحديات والتضحيات.
إن حماية أصحاب الفكر والجرأة ليست ترفاً سياسياً يمكن الاستغناء عنه في أوقات الأزمات. بل هي شرط أساسي لبقاء الأوطان واستمراريتها، فبدون عقول شابة ومبدعة تفقد الدولة محركها الأساسي للتطور.
عندما يشعر الشاب أن وطنه يضيق بأفكاره وطموحاته، فإنه يجد نفسه مضطراً للعودة إلى ثلاثية ابن خلدون القاسية. فإما أن يوافق على واقع لا يرتضيه، أو ينافق لضمان مصالحه، أو يغادر البلاد بحثاً عن كرامته.
إن الخطر الحقيقي الذي يهدد تونس اليوم ليس نقص الموارد المالية أو تعثر الخطط الاقتصادية فحسب. بل هو انطفاء روح المبادرة في قلوب الشباب الذين يمثلون العمود الفقري لأي مشروع وطني مستقبلي.
تحتاج البلاد في هذه المرحلة إلى فتح مساحات واسعة للأمل واحترام حقيقي للعقول والكفاءات الوطنية. إن بناء الثقة بين الدولة وشبابها هو المدخل الوحيد لتجاوز الأزمات المركبة التي تعصف بالمجتمع.
في الختام، يبقى الرهان على قدرة الدولة في استيعاب طاقات شبابها بدلاً من التوجس منهم وخوفهم. فالمستقبل لا يُبنى بالصمت أو المديح، بل بالإيمان الحقيقي بأن قوة الوطن تكمن في حرية وإبداع أبنائه.




