فلسطين

الجمعة 13 مارس 2026 4:03 مساءً - بتوقيت القدس

كرة القدم في غزة تنبعث من تحت الركام: 24 فريقاً يتنافسون على 3 ملاعب ناجية

وسط ركام المباني المهدمة وفي قلب مدينة غزة التي لا تزال تحمل ندوب الحرب القاسية، احتضن ملعب نادي فلسطين الرياضي فعاليات الأسبوع الثاني من البطولة التنشيطية لخماسيات كرة القدم. وتأتي هذه الخطوة لتعيد النبض إلى الملاعب التي صمتت لعامين كاملين، حيث تجمع عشرات المشجعين من مختلف الأعمار للهتاف لفرقهم المفضلة في مشهد يكسر حدة الدمار المحيط بالمكان.

وتعد هذه البطولة بارقة أمل جديدة لسكان القطاع، حيث تهدف إلى إحياء النشاط الرياضي وتوفير مصدر رزق جزئي لمئات اللاعبين والمدربين والعاملين في هذا القطاع الحيوي. ويشرف الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم على تنظيم المنافسات التي تقام على ثلاثة ملاعب صغيرة فقط هي كل ما تبقى من بنية تحتية رياضية صالحة للاستخدام بعد القصف الممنهج.

ويشارك في هذه الدورة التنشيطية 24 نادياً من أندية الدرجتين الممتازة والأولى، موزعين على مناطق مختلفة من القطاع الذي يعاني من دمار واسع. وقد أعرب المشاركون من لاعبين وإداريين عن تفاؤلهم بهذه العودة، مؤكدين أن ممارسة الرياضة في هذه الظروف هي وسيلة للتفريغ النفسي والاجتماعي في بيئة أثقلتها سنوات الحصار والحروب.

وتشير الإحصائيات الرسمية الصادرة عن اللجنة الأولمبية الفلسطينية إلى حجم الكارثة التي حلت بالرياضة، حيث قتلت القوات الإسرائيلية 1007 من منتسبي الحركة الرياضية والشبابية والكشفية. ومن بين الضحايا 45 سيدة رياضية، فيما لا يزال خمسة رياضيين في عداد المفقودين، مما يعكس الاستهداف المباشر للكوادر البشرية الرياضية.

ولم تقتصر الخسائر على الأرواح، بل طالت المنشآت بشكل واسع، حيث دمر الجيش الإسرائيلي 265 منشأة رياضية خلال فترة الحرب. وتوزع الضحايا الرياضيون على 34 اتحاداً ومؤسسة، شملت لاعبين ومدربين وحكاماً وإداريين، مما تسبب في شلل تام للمنظومة الرياضية طوال فترة العدوان التي استمرت عامين.

من جانبه، أوضح مصطفى صيام، المسؤول الإعلامي في اتحاد كرة القدم أن تنظيم البطولة يندرج ضمن خطة تعافٍ وطنية لإعادة الحياة للملاعب تدريجياً. وأكد صيام أن القرار اتُخذ رغم التحديات الجسيمة المتمثلة في فقدان الملاعب الكبرى وتحول بعضها الآخر إلى مراكز لإيواء آلاف النازحين الذين فقدوا بيوتهم.

وأضاف صيام أن البطولة تحظى باهتمام جماهيري لافت، حيث يرى فيها الناس متنفساً بعيداً عن أجواء النزوح والعيش في الخيام. وتعتبر هذه العودة رسالة قوية للعالم بأن الشباب الفلسطيني قادر على النهوض من تحت الركام واستعادة شغفه بالحياة رغم الإمكانات المادية والبشرية المحدودة للغاية.

وفي قصص إنسانية مؤثرة من قلب الملعب، يبرز اللاعب يوسف داود، نجم فريق غزة الرياضي، الذي يصر على اللعب رغم فقدانه لزوجته وأبنائه في قصف إسرائيلي. ويرى داود أن استمراره في الملاعب هو رسالة وفاء لزملائه الذين استشهدوا، وتأكيد على أن إرادة الحياة أقوى من آلة القتل والدمار.

أما المدرب حسن هتهت، مدرب النادي الأهلي الفلسطيني، فقد أعرب عن تفاؤله بعودة النشاط بعد فترة الركود التي تسببت في فقدان الرياضيين لمصادر دخلهم الوحيدة. ودعا هتهت الجهات الرياضية العربية والدولية إلى تقديم دعم حقيقي وملموس للمساهمة في إعادة إعمار المنشآت الرياضية المدمّرة في غزة.

وعلى مدرجات الملعب المتواضع، يبرز المشجع محمد عويضة الذي قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام لمشاهدة المباريات رغم فقدانه لعائلته في الحرب. ويقول عويضة إن أجواء الموت التي حاول الاحتلال فرضها لن تدوم، وأن التشبث بالرياضة هو نوع من أنواع المقاومة والبقاء في وجه محاولات طمس الهوية الوطنية.

وتعاني الرياضة في غزة تاريخياً من ضعف الإمكانات بسبب الحصار المفروض منذ عام 2006، إلا أن الحرب الأخيرة أوصلت الأمور إلى حافة الانهيار الشامل. ومع ذلك، لا تزال كرة القدم تحافظ على شعبيتها الجارفة، حيث يتابع الآلاف المباريات العالمية عبر شاشات صغيرة داخل مخيمات النزوح رغم المخاطر الأمنية المستمرة.

وقبل اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، كان القطاع يزخر بعشرات الملاعب والصالات التابعة للأندية والجامعات، لكن التقارير تؤكد خروج 90% من هذه المرافق عن الخدمة. ويواجه القائمون على الرياضة اليوم تحديات معقدة تتعلق بتوفير المعدات الرياضية الأساسية وضمان استمرارية البطولات في ظل غياب التمويل.

وتشير مصادر محلية إلى أن الاحتلال لا يزال يخرق اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2025 بشكل يومي، مما يجعل تنظيم مثل هذه الفعاليات مغامرة محفوفة بالمخاطر. ومع ذلك، يصر الاتحاد الفلسطيني على المضي قدماً في خطة التعافي الرياضي لضمان عدم اندثار الأندية العريقة في القطاع.

إن عودة كرة القدم في غزة ليست مجرد نشاط رياضي عابر، بل هي فعل استرداد للمجال العام وتأكيد على صمود المجتمع الفلسطيني. فبينما تحاول السياسة لملمة جراح الحرب، تسبقها الرياضة في ترميم الأرواح وجمع شتات الشباب حول هدف واحد يمنحهم الأمل في مستقبل أفضل بعيداً عن ويلات الصراع.

دلالات

شارك برأيك

كرة القدم في غزة تنبعث من تحت الركام: 24 فريقاً يتنافسون على 3 ملاعب ناجية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.