- سياسة إسرائيل في الضفة تهدف إلى التهجير
- أتفهم موقف "حماس" بسبب انتهاك إسرائيل بنودها من خطة ترمب
- علينا العمل على الخروج من الحفرة التي وقعنا فيها والتوقف عن مواصلة الحفر
- علينا الذهاب إلى مجلس الأمن لاستئناف عملية سياسية جادة مع إسرائيل
- الحكومة "من أجل الشعب" هي الحد الأدنى الذي ينبغي لأي قيادة أن توفره لشعبنا
في الأشهر التسعة التي أعقبت وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب الشاملة في غزة، انتقل اهتمام العالم، بطرق كثيرة، إلى قضايا أخرى. وقد ازداد ذلك وضوحاً منذ فبراير/شباط مع اندلاع حرب أخرى في الشرق الأوسط. لكن الوضع في غزة لا يزال قاتماً وغير مستقر، كما أصبح الوضع في الضفة الغربية أكثر توتراً وخطورة. وفي الوقت نفسه، لا يزال الطريق الذي ستسلكه السياسة الفلسطينية غامضاً، فيما تبدو فرص التوصل إلى حل دائم للصراع الإسرائيلي الفلسطيني أبعد من أي وقت مضى.
شغل سلام فياض منصب رئيس وزراء السلطة الفلسطينية من عام 2007 حتى عام 2013، وخلال السنوات القليلة الماضية، طرح سلسلة من المقترحات، من بينها مقالات نُشرت في صفحات "فورين أفيرز"، بشأن بناء الدولة الفلسطينية، وتوفير إدارة إنسانية وفعالة في غزة، وإيجاد مسار عملي قابل للاستمرار للقضية الفلسطينية. وفي ما يلي الحوار الذي أجراه دان كورتز- فيلان مع فياض لبرنامج "مقابلة فورين أفيرز".
غزة بعد وقف إطلاق النار
*يكاد يكون مدهشاً مقدار تراجع القضية الفلسطينية، سواء ما يتعلق بغزة أو الضفة الغربية أو مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية عموماً، عن النقاش العالمي منذ وقف إطلاق النار في غزة العام الماضي، وخصوصاً منذ بدء الحرب مع إيران في فبراير/شباط. لذلك رأيت أنه من المفيد أن نبدأ بسماع تفسيرك الأساسي وفهمك للمكان الذي وصلنا إليه. لنبدأ بغزة ونعد إلى وقف إطلاق النار: ماذا حدث في غزة منذ ذلك الوقت، وأين يقف الوضع الآن كما تراه؟
حدث الكثير على صعيد الاستعداد لفعل شيء يتعلق بغزة. بدأ الأمر بوقف إطلاق النار، الذي كان بالطبع حدثاً كبيراً عند التوصل إليه، بعد محاولات كثيرة للوصول إلى تلك النقطة. وكان بلوغ وقف إطلاق النار مهماً في حد ذاته. ثم ظهر "مجلس السلام"، وخطة الرئيس ترمب، وقرار مجلس الأمن الذي كرس تلك الخطة، وحدث نشاط كبير. وبعد ذلك اندلعت الحرب مع إيران، فأنتج ذلك وضعاً دُفعت فيه القضية الفلسطينية برمتها، بما فيها غزة، إلى الهامش، ولم يعد يُقال عنها الكثير.
عندما تتصفح الصحف في الولايات المتحدة، تجد أن غزة اختفت تقريباً بصورة كاملة، بعد أشهر طويلة كانت خلالها تتصدر الأخبار والعناوين. ولم تسر الأمور بالطريقة التي قُدمت بها خطة ترمب أو بالطريقة التي كان يُفترض أن تحقق بها أهدافها. وقد ظهرت صعوبات حتى قبل الحرب؛ فمنذ الأيام التي أُبرم فيها الاتفاق كان واضحاً أن الطرفين، حماس وإسرائيل، لم يكونا موافقين فعلياً على كل ما كان مطلوباً منهما. بالنسبة إلى حماس، هناك مسألة نزع السلاح، وبالنسبة إلى إسرائيل، هناك مسألة الانسحاب، إلى جانب مسائل أخرى.
لكن إذا نظرنا إلى الوضع منذ ذلك الحين، نجد أن الغارات الإسرائيلية لم تتوقف قط. وقُتل أكثر من ألف فلسطيني منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. ولذلك، فرغم توقف الحرب الشاملة بالشكل الذي كانت تجري به في غزة قبل وقف إطلاق النار، ظل العنف قائماً، وما زال كثير من الناس يفقدون حياتهم كل يوم. وفي الوقت نفسه، لم يحدث الكثير لتحسين ظروف معيشة الناس أو حتى للبدء في تحسينها. ولا تزال الأوضاع الإنسانية في غزة على حالها، حيث يبقى كثيرون بلا مأوى، فضلاً عن نقص الغذاء والماء والكهرباء وغيرها من الضروريات الأساسية.
وما يثير دهشتي هو أنه، وسط حالة التهميش التي سادت منذ أواخر فبراير/شباط، عندما بدأت الحرب مع إيران، يبدو أن الناس فقدوا الاهتمام بالوضع الإنساني في غزة. ثمة جدل كثير حول ما الذي يجب أن يحدث أولاً: هل تنزع حماس سلاحها أم لا؟ هل تنسحب إسرائيل أم لا؟ ولكن ماذا عن التدخل العاجل المطلوب للبدء في تحسين ظروف معيشة الناس؟ هذا، في نظري، أمر كارثي حقاً، ويجب التعامل معه بسرعة كبيرة.
إذن، هناك تهميش بالفعل، على غرار تهميش الوضع في الضفة الغربية بسبب ما كان يجري في غزة، حتى قبل بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في أواخر فبراير/شباط. كانت أحداث سيئة كثيرة تقع في الضفة الغربية من دون أن تحظى بالتغطية، بسبب عمق الأزمة في غزة وخطورتها الأكبر. غير أن ما كان يحدث في الضفة الغربية لم يكن مدمراً للحياة اليومية للفلسطينيين المقيمين فيها فحسب، بل كان مدمراً أيضاً لفرص الوصول، على المدى البعيد، إلى وضع يستطيع فيه الفلسطينيون أخيراً أن يعيشوا أحراراً في دولة لهم.
عندما تنظر إلى الضم الفعلي الذي جرى، والنشاط الاستيطاني، والمستوطنات الجديدة التي أُنشئت، والطرق والبنية التحتية التي أقيمت في الضفة الغربية على يد حكومة واضحة تماماً في نواياها، فإن الرسالة تصبح: إما أن تمتثل، بصفتك فلسطينياً، امتثالاً كاملاً لما يتوقعونه منك، وإما ألا مكان لك في تلك المنطقة؛ ارحل أو مُت. وهذه، حرفياً، لغة استخدمها بعض المسؤولين الإسرائيليين في الحكومة الحالية.
عنف المستوطنين والتهجير
*هل تفهم تصاعد عنف المستوطنين باعتباره جزءاً من حملة، منسقة بدرجة أو بأخرى، لإخراج الفلسطينيين من الضفة الغربية؟ كيف ترى موقع ذلك ضمن الصورة الأوسع؟
كنت في الحكومة عندما بدأت هذه الظاهرة البشعة تطل برأسها. هناك قدر كبير من الكراهية في أعمال العنف هذه. وأعتقد أنني كنت أول من وصفها بأنها أعمال إرهابية، ثم تبنى بعض المسؤولين الإسرائيليين الوصف نفسه. كان ذلك، على ما أعتقد، في عامي 2009 أو 2010 تقريباً، عندما بدأ المستوطنون، على سبيل المثال، بإحراق أماكن العبادة والمساجد، وإحراق أشجار الزيتون، ومهاجمة الفلسطينيين.
وقد ارتفع نطاق هذا العنف بصورة هائلة على مر السنين، ولا سيما في ظل الحكومة الحالية. ويكاد الأمر، بحكم التعريف، يكون سياسة رسمية؛ فالمستوطنون المتطرفون يرتكبون ما يرتكبونه وهم يحظون بحماية كاملة من الجيش الإسرائيلي، ولا شك في ذلك.
وإسرائيل تعرف كيف توقف أعمال الإرهاب هذه إذا كانت تريد فعلاً إيقافها. فإذا استمرت من دون رادع، فلا يمكن إلا أن يقود ذلك إلى استنتاج أنها تحدث لأنها تمثل سياسة مقصودة؛ سياسة تهدف إلى دفع الفلسطينيين بعيداً عن أراضيهم، كما حدث في مناطق كثيرة في غور الأردن وشمال الضفة الغربية. وهناك وضع مماثل في جنوب الضفة الغربية، في منطقة الخليل.
وعندما تستمع إلى ما يقوله المسؤولون الإسرائيليون عن رؤيتهم لمستقبل إسرائيل، ثم ترى ما يحدث على الأرض، فكيف لا تستنتج أن ما يجري سياسة فعلية؟ لا يمكن اختزال الأمر في القول إن مستوطنين ذوي نزعات متطرفة، ممتلئين بالكراهية، يريدون إخلاء الأرض من الفلسطينيين للاستيلاء عليها. إن إرهاب المستوطنين واقع تتغاضى عنه الحكومة الإسرائيلية فعلياً. وهو يهدف إلى الترهيب، ولم يعد يقتصر على إحراق دور العبادة وأشجار الزيتون، بل وصل إلى مهاجمة الناس وقتلهم. وللأسف، يحدث كل ذلك من دون عقاب.
نفوذ الرئيس ترمب على إسرائيل
*كان نفوذ دونالد ترمب عاملاً حاسماً، إن لم يكن العامل الحاسم، في التوصل إلى وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، على ما أعتقد، في أوائل الشهر. لكن لا يبدو أن ترمب أو مسؤوليه استخدموا قدراً كبيراً من ذلك النفوذ منذ ذلك الحين. هل هذا الانطباع صحيح؟ وبقدر ما ترغب في أن تفعل الولايات المتحدة المزيد، كيف ينبغي لها استخدام هذا النفوذ؟
لقد أثبت الرئيس ترمب أنه يستطيع حمل إسرائيل على القيام بأشياء معينة إذا رأى أنها مهمة بما يكفي في لحظة معينة. وهناك أمثلة كثيرة على ذلك. نستطيع العودة إلى يونيو/حزيران من العام الماضي، عندما ضربت الولايات المتحدة المنشآت الإيرانية وتبادلت إسرائيل وإيران الصواريخ. وقد قال ترمب، على نحو شهير، ما معناه: "أوقفوا ذلك فحسب". كان ذلك خلال حرب الأيام الاثني عشر، وبأسلوب علني لم نعتد، على الأقل، رؤية رؤساء الولايات المتحدة يتصرفون به.
لا شك في أن مواجهات وقعت في عهد إدارات سابقة، وأن رؤساء أمريكيين شعروا بالإحباط من تصرفات إسرائيلية هنا وهناك، لكنني لا أتذكر أنني رأيت شيئاً من هذا القبيل يجري علناً بالطريقة التي حدث بها منذ مجيء ترمب. وقد استخدم ترمب ذلك بوضوح للوصول إلى وقف إطلاق النار. وإذا نظرت إلى الاتفاق، ستجد أنه مطابق تقريباً للخطة التي طرحها الرئيس السابق بايدن. والفرق الوحيد كان تدخل ترمب، الذي جعل تنفيذها ممكناً.
ومنذ ذلك الحين أظهر الرئيس ترمب، بين حين وآخر، دلائل على قدرته على التأثير في ردود الفعل الإسرائيلية، مستخدماً قدراً كبيراً مما يمكن تسميته بالدبلوماسية العلنية، عبر التصريحات والمنشورات وغيرها. وكانت الأمور التي يصدرها أو يقولها توحي لي بقدرته على إحداث فرق في مسار الأحداث.
أما مدى إمكان حدوث ذلك، فأعتقد أنه مرتبط بأمرين: الأول، ما إذا كان قد توصل إلى قناعة بأن الوقت حان لحل هذه القضية، وأن السلوك يجب أن يبدأ بالتغير بطريقة تساعد على حدوث ذلك. والثاني، السرعة التي يستطيع بها الخروج من تداعيات الحرب مع إيران التي بدأت في يناير/كانون الثاني وامتدت إلى فبراير/شباط. سنرى ما الذي سيحدث بشأن هذين الأمرين.
موقع حماس ومسألة نزع السلاح
*كيف تفهم الوضع الحالي لحماس؟ لقد استهدفت إسرائيل بقوة كل من شارك في التخطيط لهجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول، لكن نزع السلاح الكامل لم يحدث. وما زالت حماس تبدو واحدة من أهم السلطات في الجزء من غزة الذي لا يخضع للاحتلال الإسرائيلي المباشر. ماذا تفهم عن وضع حماس الآن، وكيف ترى الحركة مكانها في هذه المرحلة؟
عند النظر إلى الأمر من بعيد، فأنا لست قريباً مما يحدث، وكل ما لدي هو التقارير والقراءة بين السطور، وأحياناً قراءة السطور نفسها. كان واضحاً لي دائماً أن حماس لم تكن مقتنعة فعلياً بالخطة. لقد دُفعت، عبر الوسطاء، تركيا وقطر وغيرهما، ومصر بالطبع، إلى التحرك في اتجاه قبول خطة ترمب أساساً للمضي قدماً.
لكن لديها مخاوف عدة، منها التخلي عن الحكم في غزة. وفي مسألة تسليم إدارة غزة إلى جهة غير تابعة لحماس، فإن مسؤولي الحركة أعلنوا منذ الأيام الأولى للحرب، وعلى الأقل في تصريحاتهم العلنية، استعدادهم للتخلي عن الحكم في القطاع. غير أن كلمة "الحكم" واسعة، وتشمل، من بين أمور أخرى، الأمن والسلاح بالتأكيد. ولذلك، إذا كانوا مستعدين لتسليم الحكم إلى جهة غير تابعة لحماس أو غير خاضعة لسيطرتها، فلست متأكداً من مدى استعدادهم لقبول الجزء المتعلق بنزع السلاح، نظراً إلى ارتباطه بصورة جوهرية بطبيعة الحركة وهويتها التنظيمية وأيديولوجيتها.
كان واضحاً لي أنهم وافقوا على مضض لكي تمضي الأمور. ويمكن قول الشيء نفسه عن إسرائيل ونتنياهو؛ فلم يكونوا هم أيضاً متحمسين لاحتضان كل ما ورد في الخطة. وإذا تذكرنا، فقد جرى أخذ ورد كثير قبل الوصول إلى صيغة مناسبة بما يكفي لتمريرها. لكن بعد تجاوز المرحلة الأولى، أي إعلان الموافقة، وفي ضوء ما نعرفه جميعاً عن تحفظ حماس على قبول الخطة بصيغتها المطروحة - ويمكن قول الأمر نفسه عن إسرائيل - فإن تلك القضايا تعود لتطاردك.
عندما تضع خطة، تكون متحفزاً ومركزاً تماماً على تجاوز العقبة الأولى. لكن ما لم تتبع ذلك بخطوات ملموسة تدفع الأمور إلى الأمام، فإن القضايا التي كانت عقبات في البداية ستعود إلى الظهور وتؤثر في المسار بأكثر الطرق سلبية. وهذا هو المكان الذي وصلنا إليه الآن.
عندما تعرض حماس ردها على الخطة، لا تقول: "بحكم طبيعتنا التنظيمية لا نستطيع قبول ذلك". بل تقول: نحن طرف في اتفاق، نعم، لكن إسرائيل لم تحترم الاتفاق؛ فهي تواصل اغتيال الناس، وتواصل شن الغارات على غزة، ولم تتحسن الأوضاع الإنسانية في القطاع أدنى تحسن. كل ذلك مستمر، فكيف تتوقعون منا أن نفي بالتزاماتنا بينما لا يفي الطرف الآخر بالتزاماته؟
ولدي تعاطف كبير مع هذا الطرح. لكن هل هذه هي فعلاً العلة الأساسية لعدم تحركهم؟ أعتقد أنه لكي نمضي قدماً، يجب أن نفهم موقف حماس الحقيقي من هذه القضية ومحاولة التعامل معه.
ومن بين الأمور المهمة ما أعلنته حماس لتفسير ترددها في المضي قدماً في مسألة الحكم. فقد قالت: "نحن مستعدون للتعامل مع مسألة نزع السلاح في إطار سلطة فلسطينية متفق عليها". يبدو لي أن هذا طرح مهم ينبغي محاولة البناء عليه إذا كنا نعمل في المجال الدبلوماسي. ففي الدبلوماسية تبحث عن فتحة كهذه، ثم تسأل: ماذا تقصدون بذلك؟ وهل توجد هنا فرصة يمكن استثمارها؟
وهذا الجزء ينسجم مع أمر دعوت إليه شخصياً منذ بداية الحرب، بما في ذلك المقالة التي أشرت إليها في مطلع حديثنا والمنشورة في "فورين أفيرز".
فكرة لجنة التكنوقراط لإدارة غزة
*قبل أن نصل إلى دور السلطة الفلسطينية في هذا التصور، أريد أن أسألك عن جانب آخر يتعلق بإدارة غزة. في خطة وقف إطلاق النار وما أعقبها، ظهرت رؤية تقوم على إدارة تكنوقراطية ليست تابعة لحماس ولا للسلطة الفلسطينية. هل لهذه الفكرة أساس عملي؟ وهل تعني شيئاً فعلياً؟
بصراحة، اسمح لي أن أعود إلى أصل هذه الفكرة. إنها تعود إلى الأيام الأولى جداً من الحرب، بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول بقليل. وكانت تلك أول مرة أسمع فيها شيئاً كهذا بوصفه تصوراً محتملاً لما سيحدث في غزة بعد الحرب، أي لترتيبات إدارة القطاع في اليوم التالي. كانت الفكرة، على وجه التحديد، تشكيل لجنة من التكنوقراط وأفراد المجتمع المدني في غزة، من أشخاص لا ينتمون إلى أي فصيل، لكي يتولوا الإدارة ويصبحوا العنوان السياسي للقطاع.
وعندما سمعت بذلك للمرة الأولى، بعد بضعة أيام فقط من السابع من أكتوبر، أو بعد أسبوع على الأكثر، كان رد فعلي غاضباً إلى حد كبير. كانت الفكرة تأتي من مسؤولين إسرائيليين ودوليين وأمريكيين. وفي الواقع، سمعتها أول مرة من مسؤول أمريكي كان يسألني: ما رأيك إذا حدث شيء من هذا القبيل؟ وكان ذلك في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعد أيام قليلة جداً من السابع من أكتوبر.
وعندما سُئلت عن سبب رد فعلي الغاضب، قلت إن السبب بسيط: هذا التصور يفترض أن غزة، في اليوم التالي للحرب، ستكون خالية من حماس أو من تأثيرها. وهذا مطلب بالغ الصعوبة، بل يستحيل تحقيقه. وفي سياق محاولة الوصول إليه سيُقتل عشرات الآلاف من الناس، ولا شك في ذلك. ولا أستطيع أن أرى في هذا طريقاً معقولاً لمعالجة مسألة إدارة غزة بعد الحرب معالجة صحيحة من أساسها.
وهناك سبب آخر جعلني أرى أن الفكرة غير منطقية، وإن كان السبب الأول هو الأهم. من كانوا يفكرون في ترتيبات اليوم التالي في غزة كانوا يفكرون سياسياً، أي يبحثون عن بديل سياسي لحماس في القطاع. لكن المعادلة لا تستقيم في نظري؛ لأن جمع لجنة من الأفراد لا يصنع، بحكم التعريف، كياناً سياسياً. ولن تتحول اللجنة، منذ البداية، إلى بيت سياسي ينجذب إليه الناس في غزة. وكانت هذه مشكلة أخرى في الفكرة.
لكن مشكلتي الأكبر ظلت أنها تفترض أن حماس لن تبقى موجودة بعد الحرب في غزة، وقد ثبت بطلان هذا الافتراض. وبعد عامين وجولات كثيرة من المفاوضات والنقاشات بين الفصائل الفلسطينية والوساطات العربية، ولا سيما المصرية، عاد الناس بطريقة ما إلى نموذج لجنة من تكنوقراطيي غزة تتولى تلبية احتياجات القطاع وإدارته في اليوم التالي. فأين نحن من ذلك الآن؟ يعود الأمر إلى أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، وما زالت اللجنة في القاهرة عاجزة حتى عن الوصول إلى غزة لأسباب متعددة.
*أفترض أن اتصالك بذلك المسؤول الأمريكي دفعك إلى إعداد التصور الذي عرضته في "فورين أفيرز" بعد أسبوعين تقريباً من الهجوم. وقد تضمن تصورك إشراك بعض أعضاء حماس ممن لم يشاركوا مباشرة في التخطيط لهجمات السابع من أكتوبر، كما تضمن تغيير طبيعة قيادة السلطة الفلسطينية. كيف تعدل ذلك التصور اليوم في ضوء ما حدث؟
سأجيب، لكن اسمح لي بكلمة أخيرة عن لجنة التكنوقراط. عندما أُنشئت بعد وقف إطلاق النار، أيدتها لأنني شخص عملي جداً. أيدتها رغم تحفظاتي كلها، ورغم أن لدي بديلاً ما زلت أعتقد حتى اليوم أنه أفضل بكثير من كل ما طُرح حتى الآن، ويمكن أن يكون مخرجاً من حالة الجمود التي نعيشها.
إذا نظرنا إلى الوضع كما هو اليوم، لا كما نتمنى أن يكون، فلا شك في أن خطة ترمب تعثرت لأسباب متنوعة. نعم، الحرب الأخيرة عامل مشتت، لكن هناك أيضاً مشكلات بنيوية كانت موجودة منذ البداية وعرقلت التنفيذ السلس، مع إدراكي أن تنفيذ أي خطة لا يمكن أن يكون سلساً تماماً.
بعد أن تجاوزت غضبي الأول ودهشتي من فكرة تولي لجنة تكنوقراط إدارة غزة، قلت لنفسي: لماذا لا أجلس وأضع بديلاً؟ وكانت تلك الفكرة هي الأساس الذي قامت عليه المقالة التي نشرتها لي "فورين أفيرز" في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2023.
كانت الفكرة الأساسية مرتبطة بأمر سياسي رافقني زمناً طويلاً، قبل السابع من أكتوبر بكثير. وأعتقد بصدق أنه لو وضعنا أنفسنا على طريق الوحدة قبل ذلك، فربما لم يكن السابع من أكتوبر ليحدث أصلاً.
*تقصد الوحدة الفلسطينية؟
نعم. وإلى اليوم أعتقد أننا، نحن الفلسطينيين، إذا لم نجعل الوحدة نقطة بداية لأي حوار للمضي قدماً، فلن نضع أنفسنا أبداً على طريق تمكين حقيقي يقوم على تحمل المسؤولية الكاملة عن فعل تحررنا. وهذه مسألة أساسية بالنسبة إلي. قلت في ذلك الوقت: ها نحن هنا، وقد بدأت الحرب للتو. كيف نستطيع القيام بشيء ينهيها سريعاً قبل مقتل أعداد كبيرة من الناس؟ علينا أن نفعل الأمر الذي تأخر كثيراً: توحيد النظام السياسي الفلسطيني، الذي تعرض لانقسام شديد السوء في منتصف عام 2007 بعد استيلاء حماس بالقوة على السلطة في غزة. يجب إيجاد صيغة للتوافق السياسي. الطبيعة البشرية هي ما هي عليه، لكن الناس في النهاية يحتاجون إلى البحث عن طرق تحقق التعايش والتوافق السياسي. وعندها يمكن وضع أساس لتوازن مستقر.
فكرت أنه، سواء أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا، فإننا، مثل سائر الشعوب، لا نفكر بالطريقة نفسها ولا نرتدي الملابس نفسها. كما لا نفكر بالطريقة نفسها في قضيتنا وكيفية حلها، أو في الأيديولوجيا والمبادئ التنظيمية التي ينبغي أن تقودنا على طريق التحرر. لماذا يُتوقع منا وحدنا، من بين جميع شعوب العالم، أن نكون موحدين تماماً في التفكير عندما يتعلق الأمر بمسألة جوهرية مثل طريق التحرر؟ هل نستطيع إيجاد طريقة نتعامل بها مع هذا التعدد بفاعلية، وبما يخدم قضيتنا وهدفنا؟
كان جوابي هو إعادة تنشيط السلطة الفلسطينية بعد سنوات من تراجع شرعيتها ومكانتها لأسباب متعددة تناولتها في تلك المقالة وفي مساهمات أخرى. ويجب تحويلها إلى كيان نابع من توافق وطني.
كيف نفعل ذلك؟ لم تكن المسألة اختيار بضعة أشخاص من حماس وإضافتهم إلى السلطة، بل التفكير في بنية نظامنا السياسي بأكملها. لدينا منظمة التحرير الفلسطينية التي يُفترض أن تكون بيتاً لجميع الفلسطينيين. لكنها تحولت بمرور الوقت إلى بيت لجزء منا، لا لجميعنا، ولا سيما بعد فشل أوسلو في الوفاء بوعد الدولة. لا نستطيع تجاهل ذلك. فعدم اجتماعنا جميعاً تحت منصة المنظمة الوحيدة المفترض أن تمثلنا ليس مجرد أمر غير مريح، بل مشكلة كبرى. ويجب إيجاد طريقة لمعالجتها.
كان اقتراحي هو جعل منظمة التحرير شاملة من جديد، وإيجاد طريقة تعيدها بيتاً للجميع. ويتطلب ذلك جمع الأطراف كلها حول الطاولة على مستوى منظمة التحرير، لا على مستوى السلطة الفلسطينية؛ فهناك فرق بينهما.
السلطة الفلسطينية كيان نشأ عن اتفاقيات أوسلو عام 1994، أما منظمة التحرير فكانت موجودة قبلها وهي المنظمة الجامعة لجميع الفلسطينيين. لكنها توقفت تدريجياً عن أن تكون بيتاً لغالبية الفلسطينيين، وخصوصاً منذ أواخر التسعينيات عندما أخفقت أوسلو في تحقيق وعد الدولة.
يعود اقتراحي إلى أكتوبر/تشرين الأول 2023، بل إلى ما قبل المقالة التي كتبتها لـ"فورين أفيرز". ففي عام 2015 كتبت طرحاً مشابهاً يقول بضرورة إدخال حماس إلى المستوى الأعلى في منظمة التحرير، وأن تكون جزءاً منه.
لكن هناك مشكلة في البرنامج السياسي: حماس لا تتبنى برنامج منظمة التحرير، فيما لم يكن الرئيس محمود عباس واللجنة التنفيذية للمنظمة مستعدين لتغيير البرنامج الذي أتاح لهم الدخول في اتفاقيات أوسلو. وهنا تظهر مشكلة الالتزام باللاعنف والاعتراف بحق دولة إسرائيل في الوجود بسلام وأمن.
أعتقد أن هناك طرقاً للتعامل مع ذلك، وقد عرضتها في أكثر من مناسبة. لكن النهج الأساسي لمعالجة قضية غزة كان إدخال حماس في إطار منظمة التحرير.
تقود منظمة التحرير هيئة تُسمى اللجنة التنفيذية. ومنذ أوائل الألفية جرت حوارات وطنية هدفها إيجاد طريقة لإشراك حماس. ويعود ذلك إلى عهد رئيسنا الراحل ياسر عرفات، وكان رئيس وفد منظمة التحرير في تلك المفاوضات في القاهرة هو الرئيس الحالي محمود عباس نفسه.
وقد أنشأ ذلك الحوار ما سُمي "الإطار القيادي الموحد". فما هذا الإطار؟ إنه اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير كما كانت قائمة آنذاك وما زالت قائمة اليوم، مضافاً إليها الأمناء العامون للفصائل غير المنضوية في منظمة التحرير. أي إنه مظلة أوسع.
كانت الفكرة تفعيل شيء لم أخترعه بنفسي، بل كان موجوداً دائماً؛ إخراجه من الأدراج وتفعيله لكي يؤدي عملاً ذا معنى.
وما المهمة الرئيسية لهذه الهيئة وفق ما كتبته؟ أن توافق على حكومة غير فصائلية تتولى إدارة غزة والضفة الغربية خلال فترة انتقالية يُتفق على مدتها عبر المفاوضات، ثم تبدأ العمل وترسل إلى غزة فوراً.
إنها حكومة واحدة لغزة والضفة الغربية، تحظى بموافقة منظمة التحرير بعد توسيع إطارها ضمن "الإطار القيادي الموحد". ولا يُطلب من هذه الهيئة، في تلك المرحلة، سوى الاتفاق على حكومة توافق وطني غير فصائلية؛ حكومة لا تشكلها حماس ولا أي فصيل آخر.
ثم تُترك هذه الحكومة لتدير شؤون الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية خلال مرحلة انتقالية، على أن يستند عملها دائماً إلى الالتزام باللاعنف. كانت هذه هي الفكرة.
موقف الرئيس محمود عباس
*ما مقدار المشكلة التي يمثلها الرئيس عباس؟
فكرة توحيد الفلسطينيين عبر منظمة التحرير، ثم الانتقال إلى مرحلة مؤقتة تقوم على الالتزام باللاعنف وتنتهي بانتخابات وطنية تستطيع فيها الفصائل والقوى الأخرى المنافسة، بعد فترة من الاستقرار وفتح المجال السياسي، هي فكرة ناقشتها شخصياً مع الرئيس عباس. وكانت آخر مرة فعلت فيها ذلك عام 2021. كنت أظن أنه لن يكون متحمساً جداً لها، وقد أثبتت الأحداث منذ ذلك الحين صحة ظني. والدليل أن الفصائل الفلسطينية كلها، بما فيها فتح وحماس، اجتمعت في بكين في يوليو/تموز 2024 بعد أن طرح الرئيس بايدن آنذاك خطته للسلام في غزة.
وبالمناسبة، كان آخر اجتماع لـ"الإطار القيادي الموحد" قبل ذلك في العلمين بمصر، في يوليو/تموز 2023، أي قبيل السابع من أكتوبر، لكنه لم يفعل شيئاً واكتفى بإصدار بيان.
ثم اجتمعت الفصائل كلها في بكين في يوليو/تموز 2024، وإن لم يكن ذلك رسمياً تحت مسمى "الإطار القيادي الموحد" لأن الرئيس عباس لم يكن حاضراً. وماذا حدث؟ اتفقت الفصائل في الجوهر على الأفكار التي وصفتها للتو: تفعيل الإطار القيادي الموحد لكي يوافق على حكومة توافق وطني. ووقعت جميعها وثيقة تنص على أن هذا ما تريد حدوثه.
انتقلت حماس بذلك من قولها إنها "منفتحة" على الفكرة إلى توقيع اتفاق يقول: "نحن نريد تنفيذها". وفي عالم السياسة مسافة كبيرة بين أن يقول شخص إنه منفتح على أمر ما وأن يقول إنه يريده. وقد وقعت فتح الاتفاق أيضاً، كما وقعت عليه الفصائل الأخرى كلها.
أنت تسألني عن موقف الرئيس عباس. كل ما أعرفه هو أن الخطوة التي كان ينبغي أن تلي ذلك الاتفاق لم تحدث. وكان المطلوب من الرئيس، بصفته الشخص الوحيد الذي يملك صلاحية دعوة "الإطار القيادي الموحد" للانعقاد، أن يدعو إلى اجتماعه لكي يتفق فعلياً على حكومة توافق وطني. لكنه لم يفعل.
وبالنسبة إلي، يدل ذلك، أكثر من أي تصريحات تصدر هنا أو هناك، على أنه لم يكن مؤيداً للفكرة بدرجة كبيرة. وللأسف، أستطيع قول الشيء نفسه عن بعض الأطراف الإقليمية التي لم تُبد حماساً كبيراً. وهكذا استمر الوضع واستمرت الحرب إلى أن جرى التوصل إلى وقف إطلاق النار، ثم عدنا إلى فكرة اللجنة، التي ما زالت موجودة لكنها لا تزال مكانها.
تسألني: كيف نمضي قدماً بعد كل ما حدث؟ لقد طُرحت أفكار كثيرة؛ هناك "مجلس السلام" وهناك اللجنة. لكن لا شك في أن الجهد تعثر بصورة ما. وللتحرك إلى الأمام، يمكن الإبقاء على اللجنة وعلى كل ما أُنجز، مع بدء مسار مواز: تشكيل حكومة فلسطينية واحدة غير فصائلية لغزة والضفة الغربية. حكومة تبدأ بتلبية احتياجات الناس، وتمثل الفلسطينيين في غزة والضفة أمام العالم.
ويتسق ذلك أيضاً مع ما ورد في الخطة بشأن وضع السلطة الفلسطينية، في مرحلة ما، على طريق يقود إلى تقرير المصير، بعدما يُقال إنها تُصلح نفسها. أنا لا أتفق مع طريقة طرح مسألة الإصلاح هذه. ما نحتاج إليه حقاً هو إعادة تشكيل سياسي على النحو الذي وصفته.
*هل تعتقد أن السلطة الفلسطينية تجاوزت مرحلة إمكان إنقاذها؟
أعتقد بصدق أنها، بالطريقة التي تتشكل بها سياسياً الآن، غير قابلة للإصلاح. هذا لا يعني أن الإصلاحات ذات الطابع الفني، مثل تحسين الإدارة المالية أو إدارة الأمن، غير ضرورية أو لا يمكن تنفيذها. بل هي ضرورية ويمكن وينبغي السعي إليها.
لكن من الناحية البنيوية، وبالنظر إلى الطريقة التي تشكلت بها السلطة الفلسطينية على مدى سنوات، أعتقد أنها وصلت إلى طريق مسدود، من دون أن أدخل في تفاصيل كثيرة. بل حتى لو لم تكن لديها هذه المشكلات البنيوية، وحتى لو أصبحت إدارتها بمستوى جودة إدارة فنلندا، فهل يكفي ذلك وحده لجعل السلطة الفلسطينية ناتجة عن توافق وطني، وقادرة بالتالي على الذهاب إلى غزة؟ جوابي هو: لا.
*من اللافت حقاً أن الرئيس عباس، وهو رئيس السلطة الفلسطينية وما زال يتمتع بدرجة ما من الشرعية رغم عدم إجراء انتخابات منذ زمن طويل وبلوغه الحادية والتسعين، لم يكن قائداً قوياً للحركة الوطنية الفلسطينية على المستوى العالمي خلال هذه الفترة كلها. يبدو أن هناك فراغاً واضحاً.
نعم، هو فراغ بطريقة ما، وهذا مؤسف للغاية. عندما تكون العنوان الرئيسي للشعب الفلسطيني وبيته السياسي، ثم تقول منذ البداية: "ليس لي علاقة بما حدث، هذه حماس"، وما إلى ذلك، فإنك لا تهيئ نفسك لتولي القيادة بالطريقة الحاسمة التي كانت مطلوبة بشدة في تلك اللحظة.
أنت العنوان، وكان ينبغي أن تمسك بزمام الأمر، وتؤكد حضورك، وتتحدث باسم الناس، وأن تتجاوز الاكتفاء بالشكوى. كان ينبغي أن تجمع الجميع وتقول: هذا ما يجب علينا فعله. ولو فعلت ذلك، لوجدت الناس يستجيبون بصورة إيجابية.
لكن ذلك لم يحدث. قررت السلطة الفلسطينية، بطريقة ما، أن تبقى خارج هذه المواجهة، فخلقت فراغاً كبيراً. وأدى ذلك إلى نتيجة لم يكن الرئيس عباس يريدها، وأنا متأكد أن منظمة التحرير والسلطة لم تكونا تريدانها أيضاً: جميع المفاوضات المتعلقة بغزة جرت فعلياً باسم القطاع بواسطة حماس.
وهذه ليست الطريقة التي يُفترض أن نُقاد بها. ينبغي أن يقودنا نظام سياسي فلسطيني موحد، سواء في غزة أو في الضفة الغربية.
فقضيتنا الوطنية لا تتعلق بشيء أقل من التحرر، ولا بشيء أقل من قدرتنا على العيش أحراراً في دولة لنا. وهذا يتطلب ذلك النوع من القيادة الذي كان غائباً. لم تُمارس القيادة المطلوبة، ونحن ندفع الثمن الآن.
الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية
*أريد، قبل أن نختتم، أن نوسع زاوية النظر ونتحدث قليلاً عن كيفية المضي قدماً في الوضع عموماً. من السمات اللافتة في النقاش الدولي الدفع نحو الاعتراف، وقرار عدد لا أعرفه من الحكومات حتى الآن الاعتراف بدولة فلسطين خلال السنوات القليلة الماضية. هل هذا مفيد؟ وهل يحمل معنى فعلياً؟ وهل يدفع الأمور إلى الأمام بأي صورة؟
إذا عدنا إلى الحملة المشابهة التي جرت عام 2011 وانتهت عام 2012 بحصولنا على صفة دولة غير عضو في الأمم المتحدة، فقد كان ذلك تاريخياً من وجوه كثيرة.
*كنت رئيساً للوزراء في ذلك الوقت.
نعم، كنت رئيساً للوزراء، لكن كانت لدي شكوك جدية بشأن فاعلية ذلك النهج كله في إيصالنا إلى المكان الذي نحتاج إليه. كنت دائماً أحتكم إلى سؤال: ما الذي يقربنا أكثر من موعدنا مع الحرية؟ وكنت أخشى أن يبدو حصولنا على شيء كهذا وكأنه إنجاز حقيقي وملموس على طريق التحرر، بينما ينتهي في الواقع إلى ما هو أسوأ من العلاج الوهمي؛ أي يجعلنا نشعر بأننا نحقق شيئاً فيما نحن لا نفعل.
ومنذ البداية، عندما كنت رئيساً للوزراء، دافعت بقوة عن ضرورة إعادة التفكير في هذا النهج كله. كنت أحضر اجتماعات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بصفة مراقب، ولم أكن واثقاً من أن ذلك سيقربنا من إنهاء الاحتلال. بل اعتقدت أن واقع الاحتلال سيزداد سوءاً بصورة متدرجة بعد خطوة كهذه. وهذا بالضبط ما حدث. لكن هذا ليس موقفي من الاعتراف بالدولة الفلسطينية عموماً. أنا أقسم مسار الاعتراف إلى ثلاث مراحل.
المرحلة الأولى جاءت بعد الخطاب الشهير الذي ألقاه قائدنا الراحل ياسر عرفات في الجزائر، وأعلن فيه قيام دولة فلسطين عام 1988. وبعد ذلك اعترفت بنا دول كثيرة تضامناً مع القضية الفلسطينية، وأنا أقدر ذلك تقديراً كاملاً ولا أتعامل معه باستخفاف.
كانت دول الجنوب العالمي عموماً، إلى جانب الدول العربية والإسلامية والأفريقية ودول أمريكا اللاتينية وآسيا، قد اعترفت بنا تعاطفاً معنا، وهذا أمر أقدره تماماً. ثم جاءت المرحلة الوسطى التي وصفتها، في عامي 2011 و2012.
أما أحدث موجة من الاعترافات، فقد رأيت أنها نتجت بدرجة أكبر عن محاولة قادة بعض الدول تلبية احتياجاتهم السياسية الداخلية بعد السابع من أكتوبر، وتهدئة جمهورهم المحلي. وقد كان الدافع سياسياً وانتهازياً في بعض الحالات أكثر من غيرها.
المثال الأوضح الذي أزعجني تماماً هو الطريقة التي تعامل بها رئيس الوزراء البريطاني مع المسألة. وما زال كلامه مسجلاً، ويمكن التحقق منه وتصحيحي إن كنت مخطئاً، لأن الأمر يؤلمني حتى اليوم.
قال رئيس وزراء بريطانيا ما معناه: إذا لم تفعل إسرائيل كذا وكذا، فإن المملكة المتحدة ستعترف بدولة فلسطين. وبذلك بدا الأمر وكأن الاعتراف بفلسطين عقوبة تُفرض على إسرائيل. وهذا أمر غير مساعد وغير بنّاء ومسيء بصورة لا تصدق. لذلك، ولأكون صريحاً، لست سعيداً جداً بتلك الطريقة. وليس معنى ذلك أنني أعارض أي شكل من الاعتراف.
ما أعتقد أنه ينبغي أن يحدث هو أن نضع أنفسنا على مسار هدفه تأمين الاعتراف بحقنا، حقنا نحن، في دولة ذات سيادة على كامل الأرض التي احتلتها إسرائيل عام 1967.
وهناك فرق كبير بين الأمرين: بين أن تقول دولة ما "نعترف بكم دولة" من دون أن تحدد ما يعنيه ذلك، وبين أن يرتكز المشروع السياسي الفلسطيني كله على تأمين الاعتراف بحقنا في دولة ذات سيادة على كامل الأرض التي احتلتها إسرائيل عام 1967، وأن يصبح ذلك حجر الزاوية لأي عملية سياسية حقيقية في المستقبل.
هل ستعترف إسرائيل يوماً بحقنا في أي شيء بصفتنا شعباً؟ أشك في ذلك، ليس في المستقبل القريب على الأقل، فضلاً عن اعترافها بحقنا في دولة على أي جزء من الضفة الغربية، وخصوصاً دولة ذات سيادة.
هذا لن يحدث في الظروف الحالية. لكن لماذا لا نضع أنفسنا على مسار جهد دبلوماسي يهدف إلى تكريس ذلك الاعتراف في قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي؟ هذا بالنسبة إلي مكسب حقيقي؛ فهو أمر لا يستطيع نتنياهو أو أي حكومة إسرائيلية نقضه بالفيتو.
اتفاقيات أبراهام
*أود معرفة رأيك في اتفاقيات أبراهام. هل كانت محصلتها إيجابية أم سلبية بالنسبة إلى الفلسطينيين؟
أعتقد أن الجهد كله يحتاج الآن إلى إعادة ضبط. المسألة ليست مجرد توسيع الاتفاقيات والنظر في المطلوب لتوسيعها، بل ينبغي أن ننظر إلى جوهر الموضوع.
إذا عدنا إلى المنطق الكامن وراء الاتفاقيات، بعيداً عن الهدف المعلن المتمثل في دمج إسرائيل في المنطقة وتحقيق الازدهار للجميع، سنجد أنها قامت بطريقة ما على افتراض أن القضية الفلسطينية، التي طالما اعتُبرت قضية مركزية ينبغي حلها، ستُعالج. لكنها لم تُعالج.
لا أحمّل اتفاقيات أبراهام وحدها مسؤولية ذلك، فقد كنا نسير على طريق التدمير أصلاً، لكن هذا هو المكان الذي وصلنا إليه. ولست واثقاً من أن هذا المسار يستطيع، بمفرده، أن يجر العربة مدة قابلة للاستمرار. أنا مع العودة إلى الأساسيات. وبالنسبة إلينا نحن الفلسطينيين، يجب أن يبدأ الأمر من عندنا؛ فهذا هو العنصر المفقود.
عندما ننظر إلى الدول العربية ونتحدث عن اتفاقيات أبراهام، ننتقدها أو نؤيد هذا ونعارض ذاك. لكن ما الذي نؤيده نحن فعلياً؟ لا يكفي أن نقول إننا نريد ممارسة حقنا في تقرير المصير، وهو بالطبع هدف ينبغي أن نلتزم به جميعاً؛ بل يجب أن نوضح كيف سنصل إليه.
أعتقد أن علينا، في ضوء كل ما نعرفه عن واقع الأرض وموقعنا والتعقيدات وعمق الحفرة التي وقعنا فيها، أن نبدأ الخروج منها. والخطوة الأولى هي أن نتوقف عن مواصلة الحفر.
ثم نبدأ النهوض بالقول إن طريق الحرية، بالنسبة إلينا، يبدأ بتأمين اعتراف دولي بحقنا في دولة ذات سيادة على الأرض التي احتلتها إسرائيل. وبعد ذلك يمكننا المضي تدريجياً على مسار يَعِد بالوصول إلى نتيجة.
هل ما زال حل الدولتين ممكناً؟
*رغم كل الأسباب التي تجعل ذلك يبدو خيالياً أو بعيداً عن الواقع في هذه المرحلة، هل يقود في النهاية إلى صيغة تشبه حل الدولتين القديم، أم أنك تتحدث عن صيغة مختلفة؟
يمكن أن ينتهي بالتأكيد إلى حل الدولتين؛ لأن ما قلته للتو هو الاعتراف بحقنا في دولة ذات سيادة على كامل الأرض التي احتلتها إسرائيل عام 1967، أي الضفة الغربية وغزة، بما في ذلك القدس. وهذا هو التصور الأصلي للنسخة الحديثة من حل الدولتين.
فبعد عام 1988، وخصوصاً في مرحلة ما بعد أوسلو، كان هذا تحديداً موقف منظمة التحرير بوصفها ممثلة لجميع الفلسطينيين.
وما أقوله عن ضرورة الاعتراف بحقنا في إقامة دولتنا على الأرض المحتلة عام 1967 ليس أمراً بعيداً عن الواقع إلى هذا الحد.
إذا عدنا إلى الصيغة الأصلية لاتفاقيات أوسلو، نجد أن الجميع يتحدثون عن "إعلان الاعتراف المتبادل"، لكن لم يكن هناك شيء متبادل فعلاً في ذلك الإعلان.
فمنظمة التحرير، وهي تتصرف باسم جميع الفلسطينيين، اعترفت بحق دولة إسرائيل في الوجود، لا بمجرد وجود إسرائيل، بل بحقها في الوجود بسلام وأمن. ولم تحصل الحقوق الفلسطينية على اعتراف مقابل مماثل.
إن ما أتحدث عنه، في جوهره، هو إغلاق هذه الدائرة وتسوية هذا الاختلال. لقد بدأنا من هناك، فلماذا لا نجعل الاعتراف متبادلاً بالكامل؟
*أي العودة إلى البوصلة الأساسية؟
نعم. يتحدث الناس عن حل الدولتين؛ فلنبدأ من هناك. لنبدأ بمعالجة انعدام التكافؤ الذي حدث عام 1993. لو كانت لدينا دولة بحلول نهاية التسعينيات، لما كنت أقول ما أقوله اليوم. لكن ذلك لم يحدث، ولذلك هناك خلل بنيوي يجب إصلاحه. وقد قلت لك إن من غير الواقعي توقع أن توافق أي حكومة إسرائيلية، لأسباب أيديولوجية متعددة، على مثل هذا الاعتراف. فبالنسبة إلى كثيرين هناك، نحن لسنا حتى شعباً، ولا حقوق وطنية لنا ولا حق لنا في أي أرض، وخصوصاً في الضفة الغربية.
ولا أستطيع واقعياً أن أتوقع من إسرائيل أن تقدم ذلك الاعتراف. ولهذا أقترح هذا المسار البديل: الذهاب عبر مجلس الأمن الدولي. وينبغي لنا، نحن الفلسطينيين، أن نعد قراراً كهذا أساساً كافياً لاستئناف عملية سياسية جادة مع إسرائيل.
الرأي العام الفلسطيني وبناء الشرعية
*هل تعتقد أن الرأي العام الفلسطيني سيتغير أيضاً؟
أعتقد أنه يمكن أن يتغير إذا توافرت الشفافية الكافية، وبدأت القيادة فعلياً في التصرف بطريقة تحمل معنى إيجابياً وملموساً للناس، وتوفر لهم أفقاً يتعلق بالحرية. لكن الأهم هو أن تبدأ، هنا والآن، بأداء أبسط الأمور التي يُتوقع من أي حكومة مسؤولة ومتجاوبة أن تؤديها تجاه شعبها: خدمة مصالحه وجعل رفاهه بوصلتها الأساسية. هذا ما نحتاج إليه. وعندما تبدأ من هناك، تبدأ ببناء الشرعية. وهذا هو ما أسميه الشرعية الناتجة عن الإنجاز وتقديم الخدمات.
سيناريو متفائل للسنوات الخمس المقبلة
*لنحاول إنهاء الحديث بنبرة متفائلة. إذا تخيلنا وجود قيادة جيدة، واستخدام العواصم الإقليمية وواشنطن نفوذها، وربما حدوث تغيير في القيادة الإسرائيلية، وقيام حكومة فلسطينية تستطيع بناء هذا النوع من الشرعية وتغيير السياسة داخل الضفة الغربية وغزة، فأين يمكن أن نكون بعد خمس سنوات؟ ما السيناريو المتفائل، ولكن الممكن واقعياً؟
أعتقد أننا، في الحد الأدنى، إذا تحققت هذه العوامل كلها، سنكون بالتأكيد في مكان أفضل بكثير من مكاننا الآن. سنكون قد بدأنا معالجة الأوضاع الإنسانية المروعة في غزة، وبدأنا إلهام الناس ومنحهم قدراً من الأمل في غد أفضل، ونأمل أن يبدأوا رؤية الضوء في نهاية النفق. ولا أستطيع المبالغة في أهمية الإنجاز الفعلي في أثناء ذلك. فهذا هو المهم حقاً. إن الحديث عن إعادة الإعمار شيء، والبدء في تنفيذ مهام بسيطة على الأرض شيء آخر. ومهما كانت البداية متواضعة، يجب أن تعني تحسين الحياة اليومية بصورة تدريجية، ثم البناء على ذلك، مع الشفافية بشأن الأهداف.
وفوق كل شيء، يجب أن تكون هناك حكومة تعمل من أجل الناس. لن نصل بين ليلة وضحاها إلى حكومة "من الشعب وبالشعب"، لكن الحكومة "من أجل الشعب" هي الحد الأدنى الذي ينبغي لأي قيادة مسؤولة أن توفره لشعبها. وإذا كان ذلك متوقعاً من أي حكومة في العالم، فمن المؤكد أنه متوقع من القيادة والحكومة الفلسطينيتين، اللتين تعملان من أجل شعبنا الواقع تحت احتلال قمعي يسعى إلى جعل نفسه دائماً. لا شك في أن المهمة شاقة، وتتطلب ذلك النوع من القيادة والانفتاح والشفافية والاستجابة للناس والإنجاز بالمعنى الأفضل للكلمة.
*شكراً لك على المقالات التي كتبتها في "فورين أفيرز" خلال الأعوام الماضية وعرضت فيها بعض عناصر هذه الرؤية. نأمل أن تنشر لدينا قريباً المزيد لتحديثها. أما الآن، فشكراً جزيلاً لك على إجراء هذه المقابلة اليوم، ونحن نقدر ذلك كثيراً.
شكراً لك يا دان على استضافتي. شكراً.
فلسطين
الإثنين 27 يوليو 2026 9:34 صباحًا - بتوقيت القدس
فياض لـ"فورين أفيرز": لو تحققت الوحدة لـما حدث السابع من أكتوبر
دلالات
المزيد في فلسطين





شارك برأيك
فياض لـ"فورين أفيرز": لو تحققت الوحدة لـما حدث السابع من أكتوبر