واشنطن – سعيد عريقات -13/3/2026
تحليل إخباري
حاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب تقديم ارتفاع أسعار النفط، الذي أعقب اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، بوصفه تطوراً إيجابياً للاقتصاد الأميركي. ففي تعليق نشره يوم الخميس على منصة تروث سوشال Truth Social، قال إن الولايات المتحدة “تحقق الكثير من المال” عندما ترتفع أسعار النفط، مستنداً إلى حقيقة أن الولايات المتحدة أصبحت أكبر منتج للنفط في العالم. غير أن هذا التصريح يأتي في وقت يدفع فيه الأميركيون بالفعل مبالغ أكبر بكثير لملء خزانات سياراتهم، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول التناقض بين خطاب البيت الأبيض والواقع الاقتصادي للمواطنين.
وكتب ترمب: "إن الولايات المتحدة هي أكبر منتج للنفط في العالم، وبفارق كبير؛ لذا، عندما ترتفع أسعار النفط فإننا نحقق الكثير من المال”. وأضاف أن ما يهمه “أكثر بكثير بصفته رئيساً” هو منع إيران، التي وصفها بـ”الإمبراطورية الشريرة”، من امتلاك أسلحة نووية أو تهديد الشرق الأوسط والعالم. وبحسب ترمب، فإن الحرب الدائرة تمثل ضرورة إستراتيجية لضمان الأمن العالمي، حتى لو جاءت بتكاليف اقتصادية مباشرة على المواطنين.
لكن المفارقة أن الرئيس الأميركي نفسه كان، في الأسابيع والأشهر التي سبقت الحرب، يكرر باستمرار أن انخفاض أسعار الوقود يمثل أحد أهم إنجازاته الاقتصادية خلال ولايته الثانية. فقد استخدم تراجع الأسعار دليلاً على نجاح سياساته الاقتصادية، مستشهداً بالأرقام في خطاباته الانتخابية وتصريحاته الإعلامية.
وقبل يوم واحد فقط من بدء الحرب، كان ترمب يتحدث في مدينة كورباس كريستي Corpus Christi في ولاية تكساس، مشيراً إلى أن سعر البنزين هناك كان أقل من 2.30 دولار للغالون. وقال إنه زار قبل أسبوعين ولاية Iowa حيث وجد سعر البنزين عند 1.99 دولار (للغالون الواحد)، بل وحتى 1.85 دولار في محطة أخرى. وأضاف آنذاك: "الأمر يحدث بالفعل الآن"، في إشارة إلى ما اعتبره نجاحاً اقتصادياً واضحاً.
غير أن تطورات الحرب غيّرت المعادلة بسرعة. فوفق بيانات شركة GasBuddy، بلغ متوسط السعر الوطني للبنزين في الولايات المتحدة 2.94 دولار للغالون في الأول من مارس، أي في اليوم الأول للحرب. وبعد 11 يوماً فقط، ارتفع السعر إلى 3.61 دولار، مسجلاً زيادة تقارب 23 في المئة، وهو ارتفاع سريع يعكس هشاشة سوق الطاقة أمام الصدمات الجيوسياسية.
ويعزى هذا الارتفاع جزئياً إلى التصعيد في منطقة الخليج، حيث أغلقت إيران فعلياً "مضيق هرمز" ، الممر البحري الذي مر عبره نحو 20 في المئة من النفط المنقول بحراً في العالم خلال عام 2025. وقد أعلنت قوات "الحرس الثوري" الإيراني أن السفن التي تحمل تصاريح إيرانية فقط يسمح لها بالمرور، في حين تعرضت ناقلات نفط لمحاولات استهداف بطائرات مسيرة أثناء عبورها المضيق.
في الواقع، يكشف خطاب ترمب حول "الاستفادة" من ارتفاع أسعار النفط عن تناقض عميق في منطق السياسة الاقتصادية للحرب. فبينما قد تستفيد شركات الطاقة الأميركية من الأسعار المرتفعة، فإن المستهلك الأميركي يتحمل التكلفة المباشرة عبر زيادة أسعار الوقود والنقل والسلع. وهنا يتجلى الفارق بين الاقتصاد الكلي الذي تتحدث عنه الإدارة، والاقتصاد اليومي الذي يعيشه المواطن. فالربح الذي تتحدث عنه واشنطن لا يظهر في جيوب الأميركيين، بل في ميزانيات الشركات الكبرى.
أما التناقض الثاني فيكمن في الطريقة التي يجري فيها توظيف الحرب سياسياً. فقد بنى ترمب جزءاً كبيراً من خطابه الداخلي على انخفاض أسعار البنزين، مقدماً ذلك دليلاً على نجاح سياساته الاقتصادية. لكن الحرب التي شاركت فيها الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب خلال أيام قليلة. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن التفاخر بانخفاض الأسعار كإنجاز سياسي، ثم تبرير ارتفاعها بوصفه دليلاً على القوة الاقتصادية؟
التناقض الثالث يتصل بالمنطق الاستراتيجي للحرب نفسها. فإغلاق مضيق هرمز أو تهديده كان دائماً السيناريو الأكثر توقعاً في أي مواجهة مع إيران، وهو ما حذر منه خبراء الطاقة والأمن منذ سنوات. ومع ذلك، يبدو أن الإدارة الأميركية تعاملت مع هذا الاحتمال وكأنه تفصيل ثانوي، رغم أنه يمس أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي. والنتيجة أن قرار الحرب لم يخلق أزمة إقليمية فقط، بل أطلق سلسلة صدمات اقتصادية تمتد آثارها إلى كل محطة وقود في الولايات المتحدة.





شارك برأيك
حرب ترمب ترفع أسعار النفط: أرباح لشركات الطاقة ، وفاتورة قاسية على الأميركيين