تجد الدولة الباكستانية نفسها اليوم في مواجهة مأزق مزدوج يجمع بين التحديات السياسية والضغوط الاقتصادية المتصاعدة، وذلك في أعقاب العدوان الأخير الذي استهدف إيران. وتفرض الجغرافيا الحساسة والتركيبة السكانية المعقدة على إسلام آباد موازنة دقيقة بين الحفاظ على علاقتها مع الجار الإيراني، وبين التزاماتها المتشعبة مع الولايات المتحدة ودول الخليج.
وقد انتقلت تداعيات اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي سريعاً إلى الداخل الباكستاني، الذي يضم واحدة من أكبر الكتل السكانية الشيعية في العالم. وشهدت مدن كبرى مثل كراتشي والعاصمة إسلام آباد موجة من الاحتجاجات الغاضبة والصدامات مع قوات الأمن، مما دفع البعثات الدبلوماسية الأمريكية لإصدار تنبيهات أمنية مشددة لرعاياها.
من جانبه، حاول رئيس الوزراء شهباز شريف تبني خطاب متوازن يمتص الغضب الشعبي دون استعداء واشنطن، حيث وصف عملية الاغتيال بأنها خرق صريح للأعراف والقانون الدولي. ويعكس هذا الموقف الرسمي محاولة لتجنب المواجهة المباشرة مع الإدارة الأمريكية، في وقت ترتبط فيه البلاد بحدود برية مع إيران تتجاوز 900 كيلومتر.
وتكتسب العلاقات الباكستانية الإيرانية أهمية استراتيجية متزايدة، خاصة بعد زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لإسلام آباد في أغسطس 2025 لتعزيز التعاون الأمني. وكانت باكستان قد أعلنت موقفاً داعماً لطهران خلال الهجمات الإسرائيلية في يونيو الماضي، مطالبة الدول الإسلامية بتبني خطة موحدة لقطع العلاقات مع تل أبيب.
في المقابل، تسعى الحكومة الباكستانية لترميم علاقاتها مع واشنطن، حيث أشاد شريف بدور الرئيس دونالد ترمب في قمة غزة الأخيرة بمصر. ويأتي هذا التقارب في ظل رغبة إسلام آباد في الحصول على دعم أمريكي في نزاعاتها الحدودية مع أفغانستان، وتأمين غطاء سياسي لعملياتها العسكرية ضد الجماعات المسلحة هناك.
اقتصادياً، يهدد الاضطراب الإقليمي تدفق الاستثمارات الأجنبية، لا سيما في إقليم بلوشستان الغني بالموارد، حيث تعهدت واشنطن بتمويل مشاريع تعدينية بمليارات الدولارات. وتخشى إسلام آباد من أن يؤدي التصعيد إلى تنشيط الحركات الانفصالية في الإقليم، مما يهدد المشاريع الاقتصادية الكبرى التي تعول عليها الدولة لإنقاذ ميزانيتها.
وتزداد التعقيدات مع دخول البعد الخليجي على خط الأزمة، حيث ترتبط باكستان باتفاقية دفاع مشترك مع المملكة العربية السعودية وُقعت في سبتمبر 2025. وتضع هذه الاتفاقية إسلام آباد تحت ضغط الالتزام بحماية حلفائها الخليجيين في حال تعرضهم لأي هجمات، مما يجعل الحياد في الصراع الإقليمي أمراً شبه مستحيل.
إن أي صراع في المنطقة سيقوض الاقتصادات الإقليمية ويصب في مصلحة الخصوم، وعلى باكستان كقوة نووية أن تلعب دوراً دولياً لإحلال السلام.
وعلى الصعيد المعيشي، تسببت الحرب في قفزة هائلة في أسعار الطاقة، حيث رفعت الحكومة أسعار الوقود بنسبة 20% مطلع شهر مارس الجاري. ووصل سعر لتر البنزين إلى مستويات قياسية تجاوزت 321 روبية، مما أثار مخاوف من موجة تضخم غير مسبوقة قد تؤدي إلى انفجار اجتماعي في بلد يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية.
ولمواجهة هذا التدهور، أعلنت الحكومة عن تدابير تقشفية طارئة شملت إغلاق المدارس والجامعات وتحويل التعليم إلى النظام الافتراضي لتقليل استهلاك الوقود. كما تم تقليص أيام العمل في المؤسسات الرسمية إلى أربعة أيام فقط، في محاولة يائسة لخفض الإنفاق الحكومي والسيطرة على العجز المتزايد في ميزان الطاقة.
أمنياً، أطلقت البحرية الباكستانية عملية 'حامي البحار' بهدف تأمين خطوط الملاحة الدولية وضمان استمرار تدفق إمدادات النفط والغاز عبر مضيق هرمز. وتدرك القيادة العسكرية أن أي إغلاق للمضيق، الذي يمر عبره خمس نفط العالم، سيعني شللاً تاماً للاقتصاد الباكستاني المعتمد كلياً على الواردات البحرية.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن البنك المركزي الباكستاني يراقب بحذر تداعيات الحرب على التضخم، رغم تثبيت أسعار الفائدة عند 10.5%. وتؤكد مصادر مصرفية أن الضبابية التي تكتنف المشهد السياسي في الشرق الأوسط تجعل من الصعب وضع توقعات دقيقة للاستقرار المالي في المدى المنظور.
وفي غضون ذلك، تبرز مخاوف من 'تقلب مزاج' الإدارة الأمريكية تجاه باكستان، خاصة مع وجود شكوك تاريخية حول السياسات الباكستانية المزدوجة. وتجد إسلام آباد نفسها مضطرة لإثبات ولائها لشركائها الدوليين مع الحفاظ على تماسك جبهتها الداخلية التي تغلي بسبب التعاطف مع القضايا الإقليمية.
ويرى محللون أن باكستان، بصفتها القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، تواجه اختباراً تاريخياً لدورها القيادي في المنطقة. فالمطالبات البرلمانية بالتضامن الإسلامي تضع الحكومة أمام خيار صعب بين الانخراط في تحالفات دفاعية إقليمية أو الاكتفاء بالوساطة الدبلوماسية لتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة.
إن استمرار العدوان وتوسع رقعة الصراع يضعان الاستقرار الداخلي لباكستان على المحك، حيث لم يعد هامش المناورة يتسع لمزيد من التوازنات الهشة. وإذا لم تنجح إسلام آباد في امتصاص الغضب الشعبي وتأمين بدائل للطاقة، فإن الأزمة قد تتحول من ملف سياسة خارجية إلى تهديد وجودي لكيان الدولة.





شارك برأيك
باكستان في مهب التصعيد: مأزق 'الدولة النووية' بين ضغوط الداخل وحرائق الإقليم