فلسطين

الجمعة 13 مارس 2026 3:03 مساءً - بتوقيت القدس

قوافي الصمود: صالونات غزة الثقافية تنبعث من تحت الركام لمواجهة حرب الإبادة

داخل خيمة مهترئة في مناطق شمال قطاع غزة، عاد الشعراء والمثقفون الفلسطينيون للالتفاف حول طاولة واحدة، محيين صالوناتهم الثقافية التي غيبتها حرب الإبادة الجماعية لأكثر من عامين. يتقاسم هؤلاء المبدعون أبيات الشعر التي ولدت من رحم المعاناة، موثقين قصص الجوع والفقد وحياة النزوح القاسية التي فرضت عليهم قسراً.

أفادت مصادر بأن هذه التجمعات الثقافية تهدف إلى كسر العزلة التي فرضها الاحتلال على العقل الفلسطيني، حيث يجد الشعراء في هذه اللقاءات مساحة للحنين والتنفيس عن الآلام. وتتركز القصائد الملقاة على تصوير أهوال الحرب، محولةً الوجع الشخصي إلى نص جماعي يعبر عن صمود الإنسان في وجه آلة القتل.

الشاعر نضال بربخ، أحد المؤسسين لصالون 'نبع الإبداع'، أوضح أن المبادرة جاءت لاستنهاض الهمم وتعزيز ثقافة الانتماء في ظل ظروف استثنائية. وأكد بربخ أن الصالون يحمل رسالة تحدٍ للاحتلال الذي استهدف المكونات الثقافية بهدف طمس الهوية الفلسطينية وتجهيل المجتمع.

رغم شح الإمكانيات وانعدام المقومات الأساسية، يصر القائمون على هذه الصالونات على إفشال مخططات التهجير المعنوي. ويرى المثقفون أن دورهم الآن يتمثل في دعم الإرادة الشعبية وتجديد العهد بالبقاء فوق الأرض، مهما بلغت التضحيات الجسام.

عاش الشاعر بربخ لحظات قاسية خلال إحدى الأمسيات حين رثى طفليه رامز وناهض، اللذين استشهدا برصاص وقذائف الاحتلال في بداية العدوان. وقد جسدت قصيدته مرارة الفقد التي يعيشها كل بيت في غزة، محولاً دموعه إلى قوافٍ تحاكي براءة الطفولة التي اغتالتها الحرب.

من جانبه، يقود المركز الفلسطيني للثقافة والإبداع حراكاً مماثلاً بإشراف الشاعر مصطفى لقان، الذي يرى أن الكلمة يجب أن تظل واقفة حتى لو تهدمت البيوت. وتقام هذه الأمسيات في أماكن غير مؤهلة للعيش، لكن إصرار أهل غزة حولها إلى منابر للإبداع الذي لا يمكن قصفه أو تهجيره.

تعتبر عودة هذه الصالونات مساحة ضرورية للتعافي النفسي وإعادة ترتيب الفوضى الداخلية التي خلفتها الحرب في نفوس المواطنين. فالكلمة هنا ليست مجرد ترف، بل هي أداة لتوثيق اللحظة التاريخية بصدق، وحماية الرواية الفلسطينية من الضياع والتزييف.

يؤكد لقان أن الشعر يفتح نافذة للضوء وسط العتمة، حيث يمنح الناس أملاً متجدداً حين يسمعون قصائد تشبه واقعهم وتتحدث بلسان حالهم. هذا النوع من التضامن الأدبي يعد خطوة أساسية في طريق الترميم النفسي للمجتمع المنهك من ويلات الحصار والعدوان.

لوحظ تحول جذري في بنية القصيدة الغزية بعد الحرب، حيث باتت الكتابة أكثر مباشرة وصدقاً، مبتعدة عن الزخارف اللغوية المعقدة. وطغت موضوعات النجاة والحنين على النتاج الأدبي، مع بروز نبرة تحدٍ واضحة تعكس نبض الشارع ومزاجه العام المتمسك بالهوية.

في إحدى اللحظات المؤثرة، ألقى شاعر شاب قصيدة عن فقدان والدته تحت الركام، منهياً نصه بالتأكيد على إعادة بناء ما دمره الاحتلال بالكلمات أولاً. هذه الروح هي ما حولت الخيام من مجرد مأوى مؤقت إلى أوطان صغيرة تحتضن أحلاماً كبرى بالحرية والعودة.

الشاعرة رحاب كنعان، التي تحمل إرثاً من الوجع الفلسطيني منذ مجازر صبرا وشاتيلا، كانت حاضرة بصوتها القوي في شمال القطاع. وصفت كنعان مشاركتها بأنها استعادة للقوة ورفض للاستسلام، مؤكدة أن الإبادة لن تنجح في إسكات صوت الحق الفلسطيني.

يرى جهاد العرجا، عضو رابطة الكتاب والأدباء الفلسطينيين أن الحرب تمثل اللحظة الأكثر صدقاً للشعر، حيث تتكثف اللغة للتعبير عن المأساة. واعتبر العرجا أن القصيدة اليوم هي شهادة إنسانية وتوثيق وجداني لمرحلة فارقة في تاريخ الشعب الفلسطيني.

لم تعد القصيدة في غزة مجرد ترف جمالي، بل غدت ضرورة وجودية وصوتاً في وجه محاولات المحو الثقافي. ويشير العرجا إلى أن الشعراء العرب باتوا ينظرون للتجربة الغزية بوصفها ملحمة إنسانية كبرى تستحق التدوين والدراسة.

تمثل الصالونات الثقافية في جوهرها مرحلة من التحدي الشامل لكل سياسات التهجير والقتل التي مارسها الاحتلال على مدار عامين. إنها وسيلة لإعلان الثبات وتجديد العهد بالبقاء، مؤكدة أن الثقافة هي خط الدفاع الأخير عن الوجود والهوية.

دلالات

شارك برأيك

قوافي الصمود: صالونات غزة الثقافية تنبعث من تحت الركام لمواجهة حرب الإبادة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.